الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمـد لله، الذي جعـل الناس جميعا ينحدرون من أصل واحد،

فقـال تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) (النساء:1) ،

وقـال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) (الحجرات:13) ،

ذلك أن الإيـمان بأن أصـل الخـلق واحـد يعـني - فيما يعني- الأخوة الإنسانية والمساواة الطبيعية، ويشير إلى القواسم المشتركة بين بني البشر، كما ينص على إمكانية التفاهم والتعارف بين الخلق جميعا؛ وتحول هـذه العقيدة دون كل أنواع التمييز والعنصرية والصراع والمواجهة، وتتيح المجال لتكافؤ الفرص والتنافس والتسابق والعطاء والارتقاء والتفوق.

ولعل من أهم المرتكزات لهذه العقيدة - عقيدة وحدة الأصل البشري - أو هـذه الرؤية والفلسفة للحياة في الإسلام أن الجميع مؤهلون لتلقي الرسالة الإلهية، وأن الوحي الإلهي خطاب للناس جمعيا، بكل أجناسهم وألوانهم وعناصرهم، وحتى أديانـهم، وأنه ليس حـكرا على قوم أو جنس أو لون، يعلو به أو يفاخر أو يتميز، وأن مجتمع المؤمنين بهذه [ ص: 5 ] العقيدة مجتمع إنساني مفتوح لاستقبال القادمين والمقبلين باستمرار، وأن الأكثر عطاء واستقامة على المنهج هـو الأكرم عند الله:

( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13) ، فميزان الكرامة في عقيدة الإسلام قائم على الكسب والاختيار، فهو كسبي متاح لكل إنسان وليس قسريا تمييزيا عنصريا، ذلك أن الإكراه والقسر والإقصاء والتمييز العنصري وادعاء الاصطفاء والنقاء والعرق المختار والشعب المختار هـو سبب بلاء الإنسانية وويلاتها وحروبها وأحقادها التي لا تنتهي.

والصـلاة والسـلام على المبعوث رحمـة للعـالمين، الذي حدد الله أبعاد رسـالته ومهمته،

يقـول تعالى: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) (الأعراف:158) ،

ويقول: ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) (سبأ:28) ،

وجعل مهمتـه إبلاغ رسالة الله للإنسـان، دون قسـر أو إكراه: ( فإنما عليك البلاغ ) (آل عمران:20) ،

( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) (العنكبوت:18) ،

وأكثر من ذلك وأشد وضوحا حيث لم يكلف الرسول بمحاسبة الكفار: ( ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ) (الأنعـام:52) ،

أو إكراه المعاندين، وبين أن مهمته تتمحور حول الإقناع، يقول تعالى: ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) (ق:45) ، [ ص: 6 ] بل اعتبر القرآن أمة الرسالة، من لدن آدم عليه السلام ، إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، صاحب الرسالة الخاتمة، أمة واحدة،

يقول تعالى: ( إن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) (الأنبياء:92) ،

وأن الأنبياء على تاريخ الإنسانية أبناء أسرة واحدة: ( الأنبياء أبناء علات ) (أخرجه مسلم ) ، وأنهم مشتركون في العمل على الترقي بالبشر وتحريرهم وإقامة البناء الإنساني الواحد المتكامل: ( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هـلا وضعت هـذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ) (أخرجه البخاري ) .

فهذه الأخوة الإنسانية، وأخوة النبوة، ووحدة الإله، ووحدة الخطاب، ورعاية كرامة الإنسان واحترام اختياره بعدم الإكراه، وجعل ميدان التنافس والترقي كسـبا، وعدم جعـل العقيـدة حكرا على قوم أو جنس أو لون أو طبقة أو نسب هـو الذي كان ولا يزال يمنح الإسلام القدرة على الامتداد والكسب، ويجعل من عطائه الحضاري عطاء إنسانيا تشارك فيه جميع الشعوب والأجناس والألوان.

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» الرابع والعشرون بعد المائة: «انتشار الإسلام.. في كوسوفا»، للأستاذ سامر بايروش أحمدي ، في سلسلة «كتاب الأمة»، التي تصدرها وقفية الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، رحمه الله، للدراسات [ ص: 7 ] والمعلومات (مركز البحوث والدراسات سابقا) في دولة قطر ، في سعيها الدائب لبناء الوعي، وكشف مواطن الخلل، الذي يعيق مسيرة الأمة، ويقعدها عن أداء رسالتها في الشهادة على الناس وإلحاق الرحمة بهم، تحقيقا للغاية التي من أجلها كانت الرسالة الخاتمة:

( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107) ،

وإعادة بناء الموالاة للقيم الإسلامية، التي تكاد تصبح غائبة بالأقدار المطلوبة، وتفكيك الموالاة للأشخاص وبيان أخطارها، واسترداد وحدة الأمة الوسط، ومعاودة إخراجها، وإشعارها بمسئوليتها الإنسانية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعادة تأهيلها للشهادة على الناس وإبلاغ قيم الإسلام، استجابة لقوله تعالى:

( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143) .

ذلك أن الشهادة على الناس والتزام ميزان الاعتدال للوقوف في وجه الهيمنة والتسلط والغلو والتطرف، وتجسيد المنهج الوسط يحتاج إلى تأهيل وإعادة بناء الذات، وفي مقدمة ذلك التأهيل: الاستقامة على منهج الكتاب والسنة وتصويب الاقتداء لنصبح مؤهلين ونرتقي إلى مسـتوى شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم علينا ولنا، الأمر الذي يجعلنا بعد ذلك مؤهلين أيضا للشهادة على الناس وقيادتهم إلى الخير،

يقول تعالى: ( ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) (الحج:78) . [ ص: 8 ] إن إعادة بناء الذات، واسترداد الفاعلية- وذلك بتصويب منهج الاقتداء، والارتقاء إلى مستوى أن يكون الرسول علينا شهيدا- هـو الذي يؤهلنا للشهادة على الناس (الآخر غير المسلم) ، ويعيد بناء الأمة التي تمتلك معايير التوازن والاعتدال، فتحول بذلك دون الفتنة في الأرض وممارسات الإكراه والتسلط والاستعباد؛ ذلك أن غياب الأمة الوسط عن أداء رسالتها وقعودها عن أداء دورها، وحصول الخلل في ولائها وموالاتها يفسح المجال لامتداد الفتـنة والفسـاد، بكل تجلياتـهما في الحياة الإنسانية،

يقول تعالى: ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) (الأنفال:73) ،

فعـدم الفعل والفـاعلية والموالاة وعدم قيام الأمة برسالتها هـو الذي يتيح المجال لانتشار الفتن والفساد بكل أشكالهما.

وقـد يكون من مـكرور القـول أن نعـاود الإشارة إلى أن خطـاب الإسلام خطاب عالمي، ورسالته إنسانية، لذلك كانت المسئولية عن نشره وإبلاغه عالمية أيضا، وكانت آفاق الشهادة المطلوبة تعم الناس جميعا، حيثما كانوا، فمسئولية المسلم إنما تتحدد بحماية إنسانية الإنسان، ورفع الظلم والفساد والإكراه والهيمنة عنه، وتحقيق حرية الاختيار:

( لا إكراه في الدين ) (البقرة:256) ،

( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) (البقرة:193) . [ ص: 9 ] وبالإمكان القول هـنا، وإلى حد بعيد: إن رسالة الأنبياء السابقين، لسبب التطور والتأهيل الإنساني، كان خطابها قوميا -إن صح التعبير- وجغرافيا ووقتيا أيضا، يقول تعالى في بيان ذلك:

( وإذ قال موسى لقومه يا قوم ) (المائدة:20) ،

( وإلى مدين أخاهم شعيبا ) (هود:84) ،

( يا بني إسرائيل ) (طه:80) ... إلخ،

وإن رسالة النبوة الخاتمة، التي انتهت إليها أصول الرسالات السماوية جميعا، جاءت عالمية إنسانية، خالدة على الزمن، وهذا إضافة إلى أن رسالة النبوة وتعاليم الأديان وقيم السماء قامت على التكامل ومتابعة بناء حضارة النبوة حتى وصلت بالرسالة الخاتمة درجة الاكتمال والكمال:

( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3) .

وكلمة ( دينكم ) هـي خطـاب للجنس البشري، الذي اتبع الأنبياء، الممتد من نبوة آدم عليه السلام ، إلى النبوة الخاتـمة حيث الكمـال والاكتمال وتوقف الوحي.

لذلك نقول: بأن الوحدة والتكامل والشراكة في استنقاذ وهداية الجنس البشري كانت مهمة الأنبياء جميعا، وأن الإيمان بالنبوة التاريخية ركن أساس في إيمان المؤمن بالنبوة الخاتمة، لا يسـتقيم إيمانه ولا إسلامه ما لم يؤمن بها، فالأمر قائم على التكامل والوحدة والإيمان، لكن الإشكالية دائما في انغلاق أهل الأديان وتعصبهم. [ ص: 10 ] إن النـزعات القومية والطائفية والعنصرية كانت ولا تزال ملازمة للبشر، وإنها تضيق وتتسع بحسب الظروف والأحوال لكنها لم تنقطع، وتتأرجح بين الارتفاع إلى مستوى الأخوة الإنسانية واستحقاقات قيم النبوة من التحرر والانعتاق، وتنحدر إلى الارتكاس إلى حمأة التعصب والنـزوع العنصري والقومي، الذي يذكي الروح العدوانية والعنصرية ويؤدي إلى الصراعات والفتن والفساد.

إن الارتقـاء إلى المستـوى الإنساني، والتخلص من أسر روابط الأرض والعرق والجنس واللون والقوم ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى نبوة أولي العزم.

ولعلنا نقول: بأن مهمة الرسالة الإسلامية كان الارتقاء بالإنسان إلى مستوى رابطة الفكرة والعقيدة والاجتماع على قيم الحق والخير، التي تشكل النسب الاجتماعي والثقافي للإنسان، وتميزه عن حظائر الحيوان، وتبنى الشخصية الاستقلالية، وتخلصه من روح القطيع، وترتقي به إلى مستوى الاختيار والتمييز بين الخير والشر.

وفي اعتقادي أن سر خلود الرسالة الإسلامية واستقرارها وامتدادها واستمرارها وانتشارها أنها رسالة الفطرة، فكأن بينها وبين الإنسان السوي تواعدا والتقاء، إضافة إلى أنها -كما أسلفنا - خطاب الله للإنسان دون حواجز، وحيثـما كان، وليس حـكرا على قوم أو لون أو عنصر [ ص: 11 ] أو زمان أو مكان، وأن مجتمعها مفتوح، وأنـها أول من دعـا إلى المواطن العالمي في أمة الإسـلام، وأول من جعل ميزان الكرامة منوطا بكسب الإنسان وفعله، وأن خطابـها اختياري، بعيد عن القسر والإكراه، وأن الإقبال عليها من الشعوب والأمم والأقوام والقبائل جاء بالاختيـار، وبذلك نبع الإسلام وتشكل من طينة البلاد ونسيجها الاجتمـاعي واختيارها نفسها، ولم يتحقق قسرا؛ ذلك أن العقيدة هـي بطبيعتها ثمرة للاختيار، وأن الإكراه والإجبار لا يصنع قناعة وإنما يمثل حالة مؤقتة لا تلبث أن تزول لحظة زوال المكره، والشواهد أكثر من أن تحصى على سقوط الإمبراطوريات، التي سادت ثـم بادت، وعادت الشعوب والأمم التي استعبدتـها واستعمرتها وسلبتها ثقافتها وعقيدتها إلى قناعاتها بعد عدة أجيال تربت خلالها على القهر والتسلط.

ولعلنا نقول هـنا: إن سر بقاء الإسلام واستقراره واستمراره في البلاد التي وصل إليها أن أهل البلاد آمنوا به عن طواعية واختيار، ولم يشكل عنصرا غريبا أجنبيا غازيا مفروضا على أهل البلاد يتحينون الفرص للانقضاض عليه للخلاص منه.. بل على عكس ذلك آمنوا به، ودافعوا عنه، وقدموا في سبيل حمايته التضحيات الكثيرة، واحتفظوا به في قلوبهم، خلال فترات طويلة من التسلط والقهر والتنصير والتهجير، وما لبثوا أن عادوا للانتماء له والالتزام بقيمه. [ ص: 12 ] ويكفي أن نشير إلى أن أكثر من أربعة أخماس المسلمين في العالم اليوم وصلهم الإسلام عن طريق الدعوة، بل أكثر من ذلك حيث انتشر الإسلام من خلال النماذج المثيرة للاقتداء؛ فالمسلمون بسلوكهم وأخلاقهم وتعاملهم حين مروا ببلاد العالم، تجارة وسياحة ودعوة، كانوا نماذج أثارت الاقتداء، وكانوا سببا في دخول الناس في الإسلام من خلال تلك النماذج الجديدة المختلفة عما هـو موجود وقائم، واستمر الإسلام عقيدة وسلوكا عند شعوب الأرض جميعا، بما فيها بلاد البلقان.

وقد يكون التجار والسياح والدعاة، الذين حملوا رسالة الإسلام، من غير العلماء والفقهاء، وإنما من أهل الخلق المتميز والسلوك الإنساني الرفيع والمؤثر، ولذلك فقد يكون عند الكثير من الشعوب التي أسلمت بعض العادات والمخالفات الشرعـية التي تحتاج إلى تصـويب وتنقية، لكن ذلك لـم يمنع من إيمانـهم بالإسلام وانتسابـهم لأمته:

( ولكل درجات مما عملوا ) (الأنعام:132) .

فالإسلام - كما أسلفنا- بطبيعة رسالته وخطابه عالمي وليس حكرا على قوم أو لون أو جغرافيا، فلا أحد أحق به من أحد، لذلك نجد العطاء الحضاري، تاريخيا، جاء إنسانيا، شاركت فيه جميع الأقوام والأجناس والألوان والأزمان، فكان نسيجا إنسانيا عالميا؛ وقد تداول القيام على أمر المسلمين أجناس وأقوام كثر، فمن أسلم وحسن إسلامه يصبح مؤهلا يتجاوز حتى من سبقه وتقدمه بالإسلام. [ ص: 13 ] فالتاريخ السياسي لمسيرة الأمة المسلمة يؤكد أنه في مرحلة الخلافة الراشدة وما بعدها، نوعا ما، تم تداول السلطة على قاعدة الشورى في اختيار الحاكم، والشورى في إدارة شئون الحكم بين القبائل عند النشأة الأولى، ومن ثم توالى عليها العرب والترك والمغول والسلاجقة والأكراد والشراكسة والفرس... إلخ.

هذا عدا عن أن الوصول إلى المناصب الكبيرة والمؤثرة في الدولة المسلمة تحقق من جميع العروق والأجناس.

ولعلنا نقول: إن هـذه الرؤية المبكرة للأمة العالمية وما ترتب عليها من تداول السلطة بين العروق والأجناس والألوان، واعتماد معايير الشورى في الاختيار بدأ قبل أربعة عشر قرنا، عندما كان الناس يعيشون الحكم التسلطي والقبلي والأسـري، الحكم المقـدس، حيث الحكم وقف على أمراء وقبائل لا تجوز معارضتهم أو مناصحتهم أو الخروج عليهم؛ لأن في ذلك عصيانا لله سبحانه وتعالى ، فهم المتحدثون باسم الله تعالى (!)

وهنا حقيقة قد يكون من المفيد التوقف عندها، ولو بقدر، وهي أن الأمم أبقى من الدول، فالدول دائلة زائلة بطبيعتها؛ والعقائد أقوى من الفلسفات، والمبادئ أقوى من السياسات والحكومات، والقرآن أقوى من السلطان، وأنه على الرغم من إصابة الدولـة في تاريخ الإسـلام وأن عروة الحـكم الشوري أول ما انتقض لكن بقيت المشروعية العليا في [ ص: 14 ] تاريخ دول المسلمين للإسلام، فإن الأمة بقيت خالدة وممتدة، وبقي ولاؤها وانتماؤها للكتاب والسنة.

فالدولة في الرؤية الإسلامية والفقه السياسي هـي القيام بأمر الدين وإدارة شأن الدنيا وفق منهج الله، وأنها في المحصلة النهائية وسيلة وليست غاية، وسيلة لتنظيم أمر الدين وامتلاك قدرة أكبر لإبلاغه والدفاع عن قيمه ورد العدوان عنه؛ هـي وسيلة للدعوة، وعلى ذلك فلا يجوز أن تنقلب غاية بحد ذاتها، بحيث يصبح أمر الحفاظ والإبقـاء عليها والبقاء فيها والحصول عليها هـدفا قائما بذاته، حتى ولو توقفت عن أداء رسالتها.

وقد تكون الإشكالية الكبيرة ومعظم المضاعفات التاريخية والفتن الكبرى بالنسبة للأحزاب والجماعات والتنظيمات والفرق والمذاهب، غلبة فلسفة وثقافة الوصول إلى الحكم وإقامة الدولة على فكرها وأنشطتها، سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد، في أحيان كثيرة، على حساب الدعوة، ودقة الانضباط بالقيم الإسلامية؛ وقد تسيس الدعوة وتستغل شعائر وشعارات الدين للوصول إلى الدولة، بمعنى أن تصبح المعادلة: دعوة الدولة لا دولة الدعوة.

لذلك ففي كثير من الحالات قد يكون الانحياز للمجتمع، للأمة، والفعل فيها، والتوسع في دوائر الخير، والتحرك ضـمن فضاءات كبيرة بعيدا عن الانفصـال عن جسم المجتمعـات لتشكيل جماعات أو طائفيات [ ص: 15 ] أو منظمات مغلقة، تحت شعارات مفاصلة المجتمـع وتجنب انحرافـاته لبناء الأنموذج المثير للاقتداء - والمجتمعات هـي محل الدعوة- هـو الأصوب.. وهنا يتطلب الأمر فطنة عالية، وموازنة مبصرة بين المصالح والمفاسد، وحسابات دقيقة، ودراسات موضوعية، بعيدا عن العاطفة والتحيز وإخلاص النيه لله سبحانه وتعالى ، فقد يكون الانفصال عن جسم الأمة، بكل مكوناتها وأديانها وطوائفها، وتشكيل جسم غريب يؤدي إلى إثارة العداوات والأحقاد، ويحاصر حركة الدعوة، فيصبح أهلها من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

ونشر الإسلام في مناخ من السلم والأمن هـو الأولى والأجدى خاصة إذا كانت الدولة العتيدة مستهدفة وسوف تستنـزف كل طاقتها وتعيش حالة المدافعة عن نفسها، وبذلك تقعد عن أداء رسالتها، وتعجز عن أن تشكل أنموذجا يثير الاقتداء، وتصبح جزيرة معزولة في محيطها الكبير تسهل محاصرتها وشل حركتها وتعطيل قدراتـها، وتأخذ شكلا عنصريا أو تعطي شكلا عنصريا، وقد تكون إقامتها ثمرة لحسابات دولية وإقليمية ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، هـدفها البعيد محاصرة الإسلام والحيلولة دون امتداده.

لا شك أن الدولة جزء من الإسلام، وأن السعي لإقامة دولة تؤدي رسالتها وتقوم بوظيفتها من تحقيق كسب أكبر للدعوة الإسلامية، وحماية لأبنائها أمر شرعي ومطلب إسلامي، وعلى الأخص إذا تعرض المسلمون لتطهير عرقي وممارسات عنصرية ممن حولهم، بحيث تغلب هـنا قاعدة: [ ص: 16 ] «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» ، شأن حال المسلمين الألبان في البوسنة وإقليم « كوسوفا »، حيث تعرضوا لأسوأ أنواع التصفية الجسدية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والاغتصاب الشنيع والتعصب، الذي يستصحب عصور الظلام ويوقظ الروح الصليبية الحاقدة، التي تكاد تكون جزءا من المكون الذهني الممتـد تاريخيا، ولعلنا نقول: إن مجزرة واحـدة مما وقع للمسـلمين وما أوقع فيهم... يمكن أن تتجاوز مساحة مآسيها وضحاياها ما وقع من سلبيات في التاريخ الإسلامي جميعه، ومع ذلك فالمسلمون إرهابيون ومتطرفون (!)

والمحزن حقا أن التاريخ القديم والمعاصر يحمل لنا دلالات ونتائج مخيبة للآمال لقيام بعض الدول باسم الإسلام، ومن ثم كيف تحولت إلى دول بوليسية يسودها الاستبداد السياسي والاضطراب الاجتماعي والفتن المذهبية والتخلف وإعطاء أنموذج سيء عن مفهوم الدولة وأدائها ووظيفتها في الإسلام، بل لعلنا نقول: إن قيام بعض الدول باسم الإسلام وانفصالها باسم الدين حمل الكثير من السلبيات والعداوات والأخطار لها وللأقليات المسلمة، التي بقيت معزولة في مجتمعات ما قبل الانفصال، تعاني من الاغتراب والحصار والحيلولة دون الاندماج.

وقد لا يكون المجال مواتيا لمثل هـذا الكلام، أو وجهة النظر، بعد المعاناة الشديدة، التي عاشها المسلمون في بلاد البلقان، وخاصة « كوسوفا »، ونحن لا ندعي بأن الدولة في الإسلام بشكل عام أو الدولة العثمانية بالذات دولة ثيوقراطية دينية مقدسة ومعصومة عن الخطأ وأنها [ ص: 17 ] حكم الملائكة على الأرض، وإنمـا هـي دولة مدنية، يحكمها بشر يختارون، يخطئون ويصيبون، لكن الدولة المسلمة على التاريخ، وخاصة الخلافة العثمانية، وبالرغم من كل الإصابات بقيت مشروعيتها الكبرى قيم الإسلام.. وعلى الرغم مما يؤخذ عليها، فإذا ما قيست بممارسات الدول الإقليمية والقومية والعنصرية، التي قامت بعد الانقضاض عليها حيث الناس يعانون من الجوع والخوف بكل مكوناتهما تصدق فيها مقولة: «سيئات المقربين حسنات الأبرار».

وفي تقديرنا أن الكثير مما يقال عن الدولة العثمانية، التي كانت وراء انتشار الإسلام في أوربا والتي كانت وعاء للأجنـاس والألوان والأعراق، لا يخرج عن التحيز لها أو عليها، التحيز ضدها، بدوافع الحقد والعداوة وروح الثأر، الأمر الذي لا يدع أدنى مجال للموضوعية، أو التحيز لها بعاطفة وحماس ديني يؤدي إلى تجاوز الأخطاء وعدم امتلاك القدرة عن الإفادة منها.

فالدولة العثمانية، كسائر الدول التي تعاقبت على حكم الأمة المسلمة عبر التاريخ، لم تكن دولة مقدسة معصومة عن الخطـأ، دولة ملائكة، كما يحلو لبعض المسلمين أن ينعتها، كما أنها لم تكن في المقابل دولـة شر، دولة شياطين مبرمجين على الشر، كما يحلو لبعض الحاقدين أن يصفها ويبخسها حقها، إنما هـي دولة بشر يجري عليهم الخطأ والصواب.

والحقيقة التي ما تزال غائبة بالأقدار المطلوبة: أننا ولو وصلنا في دراساتنا وأحكامنا إلى امتلاك أدوات الإنصاف ومعايير التقويم السليمة [ ص: 18 ] والموضوعية، التي تمكننا أن نعرف وننكر، لتحول التاريخ الإسلامي والتاريخ العام إلى معلم يمنحنا الكثير من الرؤية الموضوعية والبصيرة النافذة لحسن التعامل مع قضايانا.

وبعد:

فهذا الكتاب في أصله رسالة علمية، نال الباحث بها درجة الماجستير، ولا شك أن هـذا الجهد العلمي الموثق يشكل نافذة أمينة تمكن من الإطلالة على انتشار الإسلام في دول البلقان بشكل عام، وفي إقليم « كوسوفا » بشكل خاص، ويبين الظروف التي رافقت هـذا الانتشار والمعاناة التاريخية الشديدة التي عاشها المسلمون الألبان والتي دفعت بهم للخروج هـروبا بدينهم حيث استوطن الكثير منهم في بلاد الشام، واندمجوا بأهلها، وتزاوجوا معهم، وتعلموا في مدارسهم وجامعاتهم، وتمتعوا بثمرة الأخوة في الدين حتى أحب لهم الناس ما يحبون لأنفسـهم، بعيدا عن أي تمييز وحس بالاغتراب.

لقد وجد الألبان أنفسهم وتوفر كرامتهم واسترداد إنسانيتهم بالإسلام، وحصلوا في رحاب الدولة العثمانية على الفرص المكافئة، وتمتعوا بحقوق الأخوة، فالدولة العثمـانية لم تـكن دولة محتلة، حيث تبوأ فيها حوالي اثنين وأربعـين ألبانيا منصب الصدر الأعظم (رئيس وزراء) ، وتمتعوا بالمواطنة الكاملة.

وتأتي أهمية هـذا الكتاب من أنه يبرز تاريخ هـذه الحاضرة من حواضر العالم الإسلامي، أو عالم المسلمين، التي تكاد تكون غائبة عن ثقافة الجيل [ ص: 19 ] اليوم، بكل ما تحمل من دلالات، وتبرز من صور، وتعرف مسلم اليوم، حيثما كان، بالتاريخ والواقع، لعل ذلك يبصره بالأخطار وبالطريق وبالوسيلة الأجدى لحمل خير الإسلام للبشرية ورحمته للناس.

ويبقى التاريخ هـو مختبر الفعل البشري، ودليـل فاعلية السنن الاجتماعية، وإنضاج الحوادث وتأكيد العواقب وتحقيق الدروس والعبر لحاضر المسلم ومستقبله.

وكنا نود أن يتسع زمن الرسالة بحيث يتجاوز المؤلف مرحلة البحث في الجذور والأصول وعوامل التشكل، التي مكنت للإسلام من الاستقرار والاستمرار والانتشار في بلاد البلقان، إلى شيء من قراءة واقع الحال، بحيث يبحث في عوامل وأسباب استقلال إقليم « كوسوفا » وما سبقه من المعاناة والحقد العنصري والتعصب الديني والتطهير العرقي والاغتصاب الجماعي والجرائم الإنسـانية، التي مورست ضدهم والتي جعلت التعايش أو الحياة المشتركة تكاد تكون مستحيلة.

فما أشبه اليوم بالبارحة، فكما أن الظلم والاضطهاد واستلاب حرية الاختيار والاعتقاد والتعصب الديني هـيأت أهل تلك البلاد لاعتناق الإسلام، الذي وجدوا أنفسهم فيه، فإن التصفية الجسدية والتعصب والتمييز العنصري والتطهير العرقي والجرائم الجماعية، التي لا تكاد تصدق، هـي التي دفعت الإقليم اليوم إلى الانفصال أو الاستقلال، لعل ذلك يكون وسيلة حماية من تحول الإقليم إلى مقابر للناس وهم أحياء.

والله غالب على أمره. [ ص: 20 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث