الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي كرم الإنسان، وجعله فوق سائر خلقه، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، فقال تعالى: ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء:70)، فالإنسان مخلوق مكرم، وكرامته مقررة بأصل خلقه، ومستمدة ممن خلق.. وهذا التكريم من الله، سبحـانه وتعالى، لكل بني آدم، مهما كان دينه وجنسه ولونه وقومه، فهو مكرم كإنسان، فلا يحق لأي مخلوق مهما كان أن يمتهن أو ينتزع هذا التكريم، وينتهك كرامة الإنسان، لأي سبب أو تحت أي ذريعة؛ لأن في ذلك عدوانا على خلق الله وجعله وشرعه، وإخلالا بالعدل الذي فطرت عليه السموات والأرض، والمساواة التي يقتضيها الإيمان بالله الواحد، وبطرا للحق، وغمطا للناس، وتأسيسا للحقد والكراهية والكبر ونكران النعم.

فالإنسان، أي إنسان، هو خليفة الله، ومحل خلقه، ومحل خطابه والتكليف بشرعه، فهو وعاء دينه، ووسيلة عبادته وشكره وذكره والإيمان به.

وهذه الكرامة بعمومها ومكوناتها ومدى عطائها، المقررة لحق طبيعي مشروع بأصل الخلق ميدان للتنافس والاستباق في الخيرات، وميزانها التقوى والعمل الصالح، وليس الأشكال والألوان والصور، يقول عليه الصلاة والسلام: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) (أخرجه مسلم)، فالناس جميعا مكرمون بأصل الخلق، لكن يبقى الأكرم هو الأتقى، فالله الخالق هو مصدر هذه الكرامة ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) (الحج:18).

والصلاة والسلام على أكرم خلق الله، الذي جسد لنا بسيرته وسلوكه تلك الكرامة وكيفية التعامل مع الناس عموما، وخاصة أصحاب الحاجات الخاصة كبشر كاملي الشخصية، مؤهلين لكثير من الأعمال الاجتماعية والمساهمة في عطاءات الخير وليسوا عالة على أمتهم ومجتمعهم؛ ولم يقتصر على تقديرهم واحترامهم ومساواتهم بالحقوق الإنسانية مع سائر الناس، وإنما أحلهم المواقع والوظائف الكبيرة والمهمات، التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وفضلهم في ذلك على كثير من أقرانهم، حتى استطاعوا بذلك تجاوز عقدة النقص، والارتقاء والتطلع إلى معالي الأمور والمجاهدة بأموالهم وأنفسهم.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" الأربعون بعد المائة: "أصحاب الاحتياجات الخاصة.. رؤية تنموية" للدكتور محمد مراح، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، في محاولتها الدائبة لاسترداد الوعي بأبعاد القيم الإسلامية، وكيفية تنـزيلها على واقع الناس، وتقويم سلوكهم بها، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي للأمة، وتنمية الأصول النفسية الإيمانية للتكافل الاجتماعي، من: الأخوة: ( إنما المؤمنون إخوة ) (الحجرات:10)، والحب: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) (أخرجه البخاري)، والعفو: ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) (النور:22)، والعدل والإحسان: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... ) (النحل:90)، والرحمة: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) (أخرجه مسلم)، والتعاون ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (المائدة:2)، والإيثار: ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) (الحشر:9)، واستشعار ثواب ذلك وأهميته، ليأخذ طريقه إلى مؤسسات التربية والتعليم والإعلام والمؤسسات الاجتماعية والخيرية، وليس ذلك فقط وإنما التفكير بحمايته وكيفية المحافظة عليه وضمان استمراره وامتداده في حياة الناس، ليصبح سجية وطبعا وسمة من سمات الشخصية المسلمة، التي تسعى جاهدة لتحقيق مقاصد الدين في الخلق وتجسيد الفكر والقيم الإسلامية في حياة الناس وأخلاقهم، إذ لا قيمة للقول بلا عمل، الذي يتحول ليصبح مدعاة لسخط الله ومقته، يقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) (الصف:2-3).

فإذا علمنا أن العبادات جميعا هي في حقيقة الأمر وسائل وأدوات لبناء الشخصية السوية المتمثلة لمعاني الدين في سلوكها وعلاقاتها أدركنا أهمية تحصيل المقاصد الأساس لمشروعيتها، وكان تحقيق تلك المقاصد في ذات الإنسان ومجتمعه وعلاقاته معيارا لسلامة تطبيقها وحسن أدائها.

ولعلنا نقول هنا: إنه يأتي على رأس هذه المقاصد المراد تحصيلها في حياة الفرد والجماعة إلحاق الرحمة وإشاعة التراحم بين البشر، والتمحور حول هذه الغاية والمقصد الأساس، الذي من أجله جاءت الشرائع وابتعث الأنبياء، يقول تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107)، فالرحمة بالناس وتراحم الناس فيما بينهم هو مدعاة لرحمة الله بهم فـ ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) (أخرجه الترمذي) ، و ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) (أخرجه الترمذي)؛

ذلك أن غياب هذه القيمة عن حياة الإنسان وسلوكه سوف ينتهي به إلى الغل والكبر والبطر والغمز واللمز والسخرية والحط من أقدار الناس والنيل من أعراضهم، وغياب معيار النظر والتقويم الشرعي للأشخاص، والعجز عن تصويب الخلل في سلم القيم الاجتماعية.

وقد يكون من المفيد أن نؤكد القول: إن الإنسان خلق مكرما بتكريم الله له، مهما كان لونه أو جنسه أو قومه، وإن أي عدوان على هذه الكرامة ومحاولات الإهانة بشتى أشكالها وأدواتها هو عدوان على فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ والإنسان المكرم هو محل نعم الله وابتلاءاته: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) (الأنبياء:35)، والفتنة بالخير والشر سنة جارية، يقول تعالى: ( الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) (العنكبوت:1-3).

فالخير والشر مخابر الفتنة والامتحان، وقد يقلب الله الإنسان بين الخير والشر، والنعم والنقم، لاستيفاء ابتلائه واختباره، وقد يقتصر الاختبار بلحوق الأذى، وقد يشتد ذلك ويشتد بتعظيم النعم، فيتوهم الإنسان البسيط في غفلة منه، أن المنعم عليه هو المخصوص والمتميز بالتكريم عند الله في الدنيا والآخرة، وأنه أوتي هذه النعم بقوته وفعله: ( إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (الزمر:49)، فيكفر بالنعم، ويأخذه الأشر والبطر، ويخرج على عقله ودينه، فلا يضع النعم حيث أراد المنعم، وذلك شكرها وسبيل الإنسان للفلاح والنجاح في الابتلاء.

وقد يحمله كفر النعمة على كفر خالق وواهب النعم، فيقع في العجب والتأله وتوهم الخلود وينطبق عليه نص القرآن الخالد: ( ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا * وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) (الكهف: 35-36)؛ ويضطرب معياره في إبصـار أبعـاد الاختبار، فيظن ويتوهم أن الابتـلاء إنما يقتصر على ساحة الشر وسلب بعض النعم، يقول تعالى حكاية عن مثل هذا الأنموذج الغافل من الناس: ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما ) (الفجر:15-20).

ومصطلح ( كلا ) ، التي يستخدمها العرب للردع والزجر جاءت هنا لتسديد الفهم وتصويب المعيار وبيان آفاق وميادين النجاح في الاختبار، فالإكرام والإهانة ليست بزيادة المال أو نقصـانه، وليسـت بتوفير النعم ولا انتقاصها، وإنما بالعزيمة على فعل الخير والعطاء والتسابق في الخيرات ( فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم ) (المائدة:48)، وانتشال المحرومين، وترميم جروح المصابين، والتحاض على إطعام المسكين، وجبر إصابات المنكسرين، والوقوف إلى جانب المحتاجين، وإقالة عثرات الناس، والتضامن مع أصحاب الحاجات، وذلك من مقتضى الشكر للنعم، التي منحها إنسان ومنعها آخر.

وقد تكون الإشكالية الأساس في الرؤية المنقوصة لآفاق التكريم وميادين الابتلاء ومعيار التكريم الإلهي، الذي منحه الله للإنسان، بأصل الخلق، مهما كان شكله العضوي، وليس ذلك فقط وإنما قد تكون الإشكالية أيضا بعدم إدراك النعم الكبيرة والطاقات الهائلة المخزونة عند الشخصية الإنسانية والتي قد تكون الإصابة العضوية أو الإعاقة من النعم الكبيرة التي تشكل سببا ومحرضا في اكتشافها وتفجيرها وتفعيلها وتسخيرها.

إن استشعار التحدي جعل كثيرا من أصحاب الإعاقات أو الحاجات الخاصة أنموذجا رائعا فيما أظهروا من طاقات كامنة ومن عبقريات مخبوءة في الإنسان، ومن إبداعات في جميع المجالات تقريبا، تفوقوا فيها عن أقرانهم ممن لا يعانون من مثل هذه الإصابات، ولا يستشعرون هذا التحدي والاجتهاد في إثبات الذات.

إن إصابة بعض الأعضاء عند الإنسان قد تتحول من نقمة في الظاهر وإعاقة إلى نعمة عظيمـة، وتتـكشف عن عبقرية كامنة محروم منها كثير من الناس، الذين كان ابتلاؤهـم بالكثـير من النعم الظاهرة، التي لم يعرفوا لها حقها فتحولت لتكون وبالا عليهم.

فإذا أدركنا أن الإنسان مكرم بأصل الخلق، وأن الجميع سواء في ميزان الله، وأن الحياة ابتلاءات بالخير والشر، وأن المؤمن الحق المبتلى هو الذي يدافع قدرا بقدر، فإنه بذلك يستطيع أن يحول النقم إلى نعم، ويتجاوز الإعاقة، ويجتاز الابتلاء، ويسابق في الخيرات، ويكون دليلا لغيره من الأسـوياء إلى اكتشـاف الطاقـات الهائلة التي أودعها الله الإنسان والتي لا حدود لها، وكيفية تسخيرها.

وقد يعجب الإنسان عندما يرى بروز الكثير من القدرات الهائلة الكامنة والإبداعات المتميزة عند أصحاب الاحتياجات الخاصة، التي تدعو لإكبارهم وتقديرهم واستشعار النقص والإعاقة عند أقرانهم من الأسوياء.

والشاعر يقول:


وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر



فالله سبحانه وتعالى، الذي أقام الحياة على العدل وأمر به، لم يحرم أحدا من فضله ونعمه وتكريمه، وكل ميسر لما خلق له، ومعيار التكريم ليس ماليا ولا عضويا ولا لونيا ولا جنسيا، فإذا أدركنا ذلك تماما علمنا أن المعاق بإصابة عضوية ما هو إنسان مكرم كامل الإنسانية، وأن العلل والإصابات النفسية من الكبر والبطر والأشر والفجور والطغيان والعجب، وهي صفات مكتسبة غالبا، قد تكون هي الأخطر في ميزان الله من الإصابات العضوية القسرية، التي لا تتمدد آثارها لإيذاء الناس.

وهنا قضيـة على غاية من الأهميـة، لا بد أن نتوقف عندها ونعرض لها بقدر ما يسمح المجال، وهي الفهم المغشوش لأبعاد الإيمان بالقدر، الذي ينتهي بأصحابه إلى الاعتقـاد أن إصابات الإعاقة هي قدر الله لهذا الإنسان -وكل شيء بقدر- يجب أن يستسلم له ويرضى به، ولا يحاول تجاوزه، وكأننا بذلك الفهم الأعوج لأبعاد الإيمان بالقدر نضع المعاق في مواجهة مع القدر، الذي لم يرحمه فيمنحه ما منح لغير المعاقين، الأمر الذي يدعوه للحزن واليأس واستشعار العجز المزمن، ويميت في نفسه روح المحاولة والتحدي وكيفية التجاوز، وقد يؤدي ذلك إلى التسخط والهم المستمر والإحباط واليأس من الحياة وإلى عدم إدراك واكتشاف الطاقات الهائلة الكامنة في ذاته والتي يمكن أن تشكل له فاعلية وطاقة يتجاوز فيها من كان قدره الاستواء من الأسوياء.

فالأقدار، كما هو معلوم، هي السنن والقوانين والأسباب التي شرعها الله لمسيرة الحياة ونظام الأنفس والآفاق، وأن من تكاليف المسلم فهمها وإدراكها وما ينتج ويترتب على ذلك الفهم من الإمكان والقدرة على تسخيرها ومدافعة قدر بقدر وسنة بسنة، والاعتقاد بأن القدر لا يلغي الفاعلية، بل يحرضها، ولا يتعارض مع الحرية، بل يؤكدها، ويوسع دائرتها، ويمنح مزيدا من القدرات والإمكانات للمغالبة.

ففهم القدر واكتشاف القوانين الناظمة للحياة يتيح فرصا أكبر للفعل ويمنح حرية أوسع للحركة والمغالبة والمدافعة الحضارية، وليس القدر بالمفهوم الإسلامي الصحيح وعمل الصحابة المأثور أمرا قسريا قهريا يلغي الحرية والإرادة، ولو كان ذلك كذلك لبطل التكليف وانعدمت المسؤولية وتحول الإيمان بالثواب والعقاب والجزاء عن العمل إلى حالة عبثية فاقدة للعقل والدين.

لذلك نقـول: إن القـدر هو السنة الإلهية في الأنفس والآفاق، وإن من تكليف الإنسـان فهم هذه السنن وتسخيرها، فالله سبحانه وتعالى يقول: ( سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) (الأحزاب:38)، فالسنة الجارية هي القدر، وتسخير هذه السنة ومغالبتها بسنة أخرى وعدم الاستسلام لهـا من الإيمـان، وتلك هي جدلية الحياة، ولا أدل على ذلك من فعل الصحابة، رضوان الله عليهم، وتعاملهم مع السنن ومغالبتها وتجاوز هذا الفهم البائس للقدر، بل لقد كان ديدنهم دائما الفرار من قدر الله إلى قدر الله.

ومن الإدراك السنني الواعي لمفهوم القدر في الإسلام ما جاء عن الإمام ابن القيم، رحمه الله، الذي يقول في "مدارج السالكين": "ليس المسلم الذي يستسلم للقدر وإنما المسلم الحق هو الذي يغالب القدر بقدر أحب إلى الله".

لذلك قد يكون من الخطورة، كل الخطورة، هذا التدين المعوج والتصور المغشوش لمفهوم القدر، وإشاعته وتنزيله على رؤوس "أصحاب الاحتياجات الخاصة" خاصة، لما يؤدي إليه ذلك من تسرب اليأس والشلل إلى طاقاتهم السليمة المخزونة، واليأس إلى نفوسهم، ووضعهم في مواجهة مع القدر -كما أسلفنا-وكأن الله يخصهم بالانتقام دون سواهم(!) والتسبب في الإصابات والعاهات النفسية إلى جانب الإصابة العضوية، وفي ذلك ما فيه من الأبعاد الخطيرة والمجافاة للرؤية الإسلامية للإعاقة.

ولعل من نعم الله وأسباب تعمير الكون وبناء الحضارة وإقامة شبكة العلاقات الاجتماعية بين الناس على الأرض أن جعل الله الأعمال الاجتماعية متنوعة وذات مستويات متعددة، وأنها تتطلب مهارات متنوعة ومتعددة، وخلق البشر بقدرات ومهارات متعددة متنوعة أيضا، ووزع نعمه بكل تنوعاتها وأنواعها على البشر، فكأن بين المهارات المتنوعة والأعمال الاجتماعية المتنوعة تواعد والتقاء، ولكل مهارة مكانها في هذه الحياة، وكل ميسر لما خلق له، ولكل درجات مما عملوا.

لذلك نقول بهذا المفهوم: إن أصحاب الاحتياجات الخاصة ليسوا عالة على المجتمع ومحلا للشفقة والعطف، وذلك مطلوب لهم ولغيرهم من الخلق، وإنما هم أناس يمتلكون من المواهب والطاقات والمهارات ما يتسع له المجتمع، وتتيحه فرص الحياة، لذلك فعدم إدماجهم في الحياة بما يتناسب مع مهاراتهم قصور وعجز مكتسب وتقصير في حقهم وليس قدرا محتوما.

إن نظرية "تقسيم العمل" التي مهدت ورافقت الثورة الصناعية وكانت سبيل نجاحها وزيادة إنتاجها، إبان العصر الميكانيكي، أدركت منذ البداية أن العمل لا يتطلب مهارة واحدة، وأبصرت أن خط الإنتاج وأجزاء العمل المتعددة تتسع لكل أنواع العاهات والإعاقات والمهارات تقريبا، حتى في مجال الأسوياء حيث تأكيد أهمية الاصطفاء المسلكي، وأن بالإمكان الإفادة من الطاقات المعطلة كلها، مهما كان حجمها، بل ومن كل عضو متوفر من أعضاء الإنسان، فكل إعاقة وإصابة لعضو من الأعضاء يجد صاحبها مكانا مناسبا في خط الإنتاج الطويل والمتنوع، وبذلك استوعب العمل أصحاب الإعاقة كلهم، وحـولهم إلى ناس منتجـين، يشاركون في بناء مجتمعهم، ولا يشعرون ببخس أو عالة على أحد.

وجاء اختراع الآلة، التي حملت عن الإنسان الكثير من الجهد العضلي والجهـد الحركي، وحتـى الذهنـي، حيث لم تعد تتطلب معظم الأعمال إلا المراقبة والضغط على بعض الأزرار، فأي عضو سليم يمكن الإفادة منه، لذلك نقول: إن اختراع الآلة قفز خطوات نوعية كبرى في الارتقاء بأصحاب الاحتياجات الخاصة، ليصبحوا من سادة الآلة وكبار المنتجين، وبذلك وجدوا مكانهم الطبيعي في الحياة والمجتمع؛ وليس ذلك فقط فقد جاء العصر الإلكتروني بوسائل وأدوات تتجاوز تصور العقل وفتح من الآفـاق ما أعطى وكشف من المهارات ما لا يعلمه إلا الله، وقد لا يتسع المجال للحديث عن العصر الإلكتروني وما قدم للإنسان السوي، بشكل عام، لدرجة كاد معها أن يستغني عنه بكل أعضائه وملكاته ويحل محله الإنسان الآلي في كثير من الأعمال، فما بالنا بما قدم لأصحاب الاحتياجات الخاصة، الذين انتشلهم من معاناتهم، وأحسن توظيف طاقاتهم، وحولهم إلى موازاة الأسوياء، بعيدا عن الفهم المغشوش لقيم الدين ودلالات القدر، الذي حاول أصحابه ترويضهم على القبول بالحال وليس تدريبهم وتأهيلهم لوظائف الحياة، وبذلك بدل أن يؤمنوا بالقدر إيمانا إيجابيا دافعا للفعل والتجاوز والنجاح في الابتلاء جعلهم أصحاب الفهوم المغشوشة والتدين المعوج في مواجهة مستمرة مع القدر، وكأن الله خلقهم للعاهة والعذاب دون غيرهم من سائر البشر، الذين لا يبصرون عاهاتهم ولا يستوعبون ابتلاءاتهم.

نعود إلى القول: لقد قدمت التقنيات الحديثة ولا تزال آفاقا عظيمة لاستيعاب كل المستويات، وكل الإعاقات، وهيأت لذوي الاحتياجات الخاصة الوسائل المناسبة، على مستوى التعليم والقراءة وحروف الأبجدية وإعلام الإشارة ومراكز التأهيل ووسائل الحركة وأدوات التعويض ما أعاد إليهم إنسانيتهم الغائبة وكرامتهم المفقودة فأصبحوا جزءا من مجتمعاتهم، يعتزون بذواتهم، ويسمون بفعلهم، ويستشعرون إنسانيتهم.

ونود القول هنا: إنه على الرغم من التطور الكبير والتقدم الملفت في عمليات التأهيل والتدريب وإدماج أصحاب الاحتياجات الخاصة في المجتمع والإفادة من طاقاتهم وما قدمه العصر الإلكتروني اليوم من قفزات نوعية في هذا المجال فتحت لصاحب الاحتياجات الخاصة فرصا للعمل وآفاقا للأمل وتجاوزا لليأس والإعاقة، فإننا نرى على الطرف المقابل ما تخلفه الحروب الاستعمارية والعنصرية وما تفرزه أقبية الأمن والمخابرات وتستخدمه من وسائل التعذيب المتطورة؛ من عاهات وإعاقات عضوية ونفسية قد تتجاوز كل القيم الإنسانية وتؤكد التناقض الكبير في حضارة اليوم، حيث تتحرك الآلة العسكرية الطاحنة، وتستخدم وسائل التعذيب الرعيبة، وفي الوقت نفسـه تستصحب سيـارات الإسعـاف والمستشفيات الميـدانية، تلحـق بها وترافقها، هذا عدا عن المصحات النفسية والعقلية التي باتت تمتلئ بمخلفات الحروب وإفرازات السجون والمعتقلات، وقد لا نبالغ إذ قلنا: إن الكثير من أصحاب الإعاقات التي خلفتها الحرب العالمية الثانية باستخدام القنبلة النووية في هيروشيما وناغازاني ما يزالون في معاناة مستمرة على أسرة المستشفيات إلى اليوم.

ولا شك أن القيم الإسلامية والمجتمع الإسلامي الأنموذج والقدوة في عهد النبوة وفي الطريق للتخلص من الجاهلية ومحو آثارها في النفوس، كرم أصحاب الاحتياجات الخاصة، وحرم الغمز واللمز منهم، والانتقاص من أشخاصهم، والتقليل من شأنهم، وارتقى بهم إلى مصاف الأسوياء أو يزيد.

لكن الأمر المؤسف انحسار هذه الرؤية في الجاهلية المعاصرة وفي عهود التخلف والتراجع الحضاري، فأصبحنا نلقي بمسؤولية تقصيرنا على القدر، ونبذل جهودنا في تربية ذوي الاحتياجات الخاصة على الرضى باليأس والعجز والقنوط، والبقاء محلا للشفقة والعطف والضعف الإنساني، ونعجز أن نأخذ بيدهم لمدارج الكمال وبناء الكرامة الإنسانية وتحويلهم إلى عنصر إنتاج ومشاركة بل وقيادة للمجتمع، والإسهام في نهوضهم، وعدم إشعارهم بالنقص والتميز عليهم ومطاردتهم بعاهاتهم.

وقد تغيب بعض المعاني الإنسانية والمعايير الشرعية عن الإنسان، في كثير من حالات الضعف والغفلة، فيشعر بتفوقه وتميزه عن أصحاب الاحتياجات الخاصة، وخاصة في ذلك الطغاة من أصحاب الغنى واليسار، فقد يسخر منهم أو يعيرهم، واقعا في المحظور الشرعي: ( كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) (العلق:6-7)، يقول تعالى محذرا من الوقوع في هذه الأمراض النفسية: ( ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده ) (الهمزة:1-3)، ويقول مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) (الأنعام:52)، ويقول: ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ) (الكهف:28)، والناظر في أسباب النـزول وحالات التنزيل يبصر المعيار الحقيقي لكرامة الإنسان كإنسان، الذي يجب أن لا يغيب عن حياة المؤمن.

وقد يكون من المفيد أيضا أن نأتي هنا على ذكر أحد النماذج العظيمة والمؤثرة للاقتداء، وهو الصحابي الجليل، الذي كان أعمى منبوذا في الجاهلية "عبد الله بن أم مكتوم"، رضي الله عنه، عندما جاء للرسول صلى الله عليه وسلم طالبا الهداية ومعرفة أحكام الدين، وكيف انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عنه إلى دعوة من يظن أنه بمكانته في قومه وما سوف يترتب على إسلامه ومن ورائه إسلام قومه من خير، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا خالد العطاء والتذكير بهذه الحادثة إلى يوم القيامة، وكان وسيلة إيضاحها أكرم الخلق الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم يقول تعالى: ( عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى ) (عبس:1-10)، فإذا بـهذا الأعمى كان سببا في نزول سـورة كاملة لتعلم الناس وتؤدبهم على كيفية التعامل مع أصحاب الاحتياجات الخاصة إلى يوم الدين.

وإذا بهذا الأعمى في المجتمع الإسلامي الوليد يقف على أعلى منبر إعلامي إعلاني في المدينة المنورة مؤذنا للرسول صلى الله عليه وسلم ، ذلك الموقع الذي كان يتمناه كبار الصحابة، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: فـ ( المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ) (أخرجه مسلم)، حيث المؤذن يكلف برفع كلمة التوحيد، وإبلاغها للناس خمس مرات يوميا، داعيا إلى إقامة الصلاة والسعي إليها، وليس ذلك فقط، بل نقول: لقد ولي هذا الأعمى إمارة المدينة مرتين في عهد النبوة، وهي عاصمة الدولة الإسلامية الأولى، وفيها كبار الصحابة.

وما نزال نقرأ إلى يوم القيامة ونتقرب إلى الله بهذه القراءة التي تحكي عتاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عندما عبس في وجه عبد الله بن أم مكتوم، رضي الله عنه، وهو ضرير لا يبصر العبوس وعندما أعرض عنه أملا في كسب كبار القوم، حتى نأخذ حذرنا، فلا نبخس أصحاب الاحتياجات الخاصة حقهم، ولا نزنهم بموازين جاهلة مضطربة، وندرك أن الرسول صلى الله عليه وسلم خير الخلق، وكان الذي بالإمكان أن يسدده الوحي ويعصمه من ذلك، لكن بطبيعته البشرية اختاره الله ليكون لنا القدوة ووسيلة الإيضاح، التي لا يجوز أن تفارقنا لحظة واحدة، فنغفل عن الميزان السوي وننتقص من كرامات أصحاب الاحتياجات الخاصة.

ويحضرني هنا قول بعض الحكماء من العلماء العاملين الأصفياء الأتقياء: "ربما كان المنع عطاء"، فهل ندرك أبعاد هذا العطاء؟!

وهذا الكتاب، يعتبر إحدى المحاولات المجتهدة للفت النظر إلى هذا الموضوع الخطير وهذه الشريحة الاجتماعية المؤثرة، التي تشغل بال العالم اليوم، وتستنفر طاقاته الثقافية والتربوية والتعليمية والتدريبية والإعلامية وطاقاته المالية أيضا، وتستفز قيمه الإنسانية ومكتسباته الحضارية وثورته المعلوماتية وإعلامه المؤثر للتوجه صوب هذه الشريحة الاجتماعية، ومحاولة تصويب معيار النظر إليها، والحكم عليها، وإعادة تأهيلها وإدماجها في الحياة، دون بخس أو انتقاص، واغتنام المبادئ الأخلاقية والقيم الدينية لتشكل مناخ الاهتمام وحافز الرعاية والعناية، والحيلولة دون الانتقاص من كرامة أصحاب الاحتياجات الخاصة، والاعتقاد أنهم يشكلون رصيدا ضخما من الطاقات المخبوءة، وشهادات التاريخ أكثر من أن تحصى على عبقرية الكثير منهم وتجاوز عطائه جميع أقرانه من الأسوياء، وهذه نعم الله، التي يودعها خلقه، والله أعلم بالشاكر والكافر لهذه النعم، المعطل بالكفر، والمفعل المسخر بالشكر.

لقد استدعى الكتاب الموضوع إلى ساحة الهم الإسلامي، وفتح بعض النوافذ، وألقى بعض الأضواء على القيم والرؤية الإسلامية، التي تجسدت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والأصحاب، رضوان الله عليهم، الذين كان فيهم الكثير من أصحاب الاحتياجات الخاصة، فما أعاقهم ذلك عن أن يكونوا من كبار الصحابة وأعظمهم عطاء وتضحية وجهادا، لكن توقف الحياة الإسلامية وانكماش تمثل قيمها وأخلاقها والسقوط في وهدة التخلف والتراجع الحضاري غيب هذه المعاني الكبيرة، وقلص مساحة تنزيلها على واقع الناس وحسن التعاطي معها وابتكار الوسائل والأوعية المناسبة لاستيعاب هذه الشريحة الاجتماعية في الحياة الإسلامية، ونحن أحق بها، فتحولنا إلى الندب والبكاء على الأطلال وإنجازات الماضي الكبيرة في هذا المجال وفي غيره.

ولعل من الأمور المحزنة حقا أن نسبق اليوم إلى ارتياد هذه الآفاق الإنسانية من قبل (الآخر)، الذي يرصد لها الأموال الضخمة، ويعتمد لها المشاريع الكبيرة، ويوظف لها المناسبات المؤثرة، ويطور وسائل التأهيل والتربية، بعد أن كنا أصحاب السبق في العطاء والاهتمام، فأوقفنا الأوقاف الكثيرة، التي تجاوزت تغطية حاجات الإنسان إلى الحيوان، وأدركنا منذ وقت مبكر أن لا ندع هذه الشريحة الاجتماعية المهمة لدفقات الحماس ويقظة المشاعر، فكان الوقف الإسلامي ضمانا لإقامة المشروعات المستدامة، والعطاء لكفالة هذه الشرائح، وتحقيق التكافل والضمان الاجتماعي لكل أبناء المجتمع، فشعر الإنسان في الإسلام بوجوده ومكانته وكرامته، بعيدا عن أي استشعار بنقص في ذاته أو انتقاص من غيره.

والأمل كبير أن نسترد قيمنا، ونستطيع أن نجسدها في حياتنا، ونستعيد إسهاماتنا الإنسانية، فنعاود الإقلاع من جديد؛ فالقيم الإسلامية خالدة، وقادرة على الإنتاج في كل زمان ومكان، وتبقى الإشكالية في عصور ومناخات التخلف أنها تقدم الإنسان "الكل" وتغيب الإنسان "العدل".

ولله عاقبة الأمور.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث