الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، معلم الناس الخير.

الحمد لله، الذي أوقف الأمة الإسلامية على نهاية تاريخ النبوة، واصطفاها لوراثة الكتاب، وأكمل بها الدين، وأتم بها النعمة، وختم عندها الوحي، وناط بعزماتها حفظ الذكر ونفي نوابت السوء عنه، والحراسة لامتداده وإبلاغه للناس وتقديم الحلول لمشكلاتهم، وإنارة طريق الهداية أمامهم، وتصويب محاولات التأويل الجاهل والانتحال الباطل والمغالاة في الدين، وجعل قابلية التجدد والتطور والتطوير من خصائص هذا الدين الذاتية، ومن لوازم الخاتمية لضمان امتداد رسالة النبوة وعموم نفعها، والاستجابة لحاجات الناس، والإجابة عن أسئلتهم، في كل زمان ومكان، كما جعل التجديد والاجتهاد من أعلى التكاليف الشرعية لعموم الأمة.

فالأمة المسلمة عالمية، ورسالتها إنسانية، وخطابها للإنسان أينما كان، وليست أمة أو رسالة قوم أو جنس أو لون، وإن فهم نصوصها ومقاصدها الخالدة مفتوحة للجميع وليست مقفلة أو مغلقة أو حكرا على عصر أو طبقة أو جغرافيا أو طائفة أو جماعة، فكما أن الأمة الإسلامية أمة عالمية ومجتمع مفتوح للناس جميعا فإن نصوص النبوة في الكتاب والسنة أيضا فضاء مفتوح على التفكير والفهم والتعامل والكشف والاجتهاد لكل مؤهل إلى يوم القيامة، وإن العطالة والتوقف والتراجع والجمود والتقليد والغلق والانغلاق، الذي لحق بالأمة هي إصابات في محل الخطاب، الإنسان المتلقي، وليس في الخطاب ذاته، الذي أنزل ليسع الحياة ويستجيب لكل حالاتها، ويستوعب كل حركتها، ويشكل الرؤية ودليل العمل لمسيرتها، لذلك فإن الجمود والانغلاق على فهم أو فقه أو حكم، والتوقف عند رمز أو عصر أو فتوى أو مذهب أو فهم مغلق أو مقفل ليس من طبيعة قيم الوحي في هذا الدين، ولا من خلوده، ولا خاتميته.

فالنبوة، تاريخيا، لم تتوقف في حياة البشرية عند زمن أو قوم أو ظرف، وإنما بقيت الرسل تتـرى وتتتابع وتؤدي وظيفتها في تأهيل الإنسان، بدءا من طفولته ووصولا إلى رشده، الذي اقتضى ختم النبوة، الأمر الذي جعل الامتداد والتجديد والتجدد والتطوير للفهم والتطور لوسائل الفهم والاجتهاد، في ضوء تغير الظروف وتعدد الأحوال وتدفق المعلومات وطي المسافات وتلاقي الأمم والشعوب والحضارات، منوطا بالإنسان، محل تعاليم النبوة، فلئن توقفت نصوص الوحي فإن في طبيعتها من المرونة والخلود ما يؤهلها للامتداد في مقاصد الدين واتساع فضائه، الذي ما يزال ممتدا يجيب عن أسئلة الإنسان، ولعل هذا الامتداد والاجتهاد والتوليد من أهم وظائف العقل، فهو وسيلة الامتداد بالوحي وتنزيله على حياة الناس، وكأن النبوة بذلك لم تتوقف عن الامتداد، من بعض الوجوه، وإن اختتمت نصوصها، فالعقل والاجتهاد اعتمد مصدرا للتوليد والتشريع في تعاليم النبوة.

فالاجتهاد، والحض على ممارسته، وإعمال العقل في توليد الأحكام الجديدة للحوادث الجديدة والأحوال المستجدة أحد تكاليف الدين وتعاليم النـبـوة، فـالرسـول صلى الله عليه وسلم يقـول: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) (أخرجه البخاري).. ويقول لمعاذ رضي الله عنه لما أراد اختباره لابتعاثه إلى اليمن: ( كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قـال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله، الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ) (أخرجه أبو داود).

وعليه، فإن الذي يعطل عقله وتكاليفه الشرعية يلغي إنسانيته ووظيفته ويعيش بلا أجر ولا ثواب، هذا إن لم نقل: إن هذا التعطيل والتوقف يحمل المسؤولية التقصيرية وإمكانية العقاب، فالله يقول: ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) (الإسراء:36).

وفي ضـوء ذلك أيضا يمـكننا أن ندرك أبعاد مقولة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) (أخرجه أبو داود)، وأن هذا الحديث بقدر ما هو إخبار من الصادق المصدوق بقدر ما هو تكليف وتحريض للعقل وفتح لآفاق الاقتداء بالنبوة والوحي وحمايته كما أنزل.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" الستون بعد المائة: "مناهج العلوم الإسلامية والمتغيرات العالمية"، للأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، مساهمة منها في إعادة بناء الأمة الثقافي، الذي يعتبر الحاضن الأساس لكل أنشطتها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والذي يمنحها الأبجدية الصحيحة لقراءة تراثها وواقعها والعالم من حولها، ويحدد موقعها الفاعل وفعلها المجدي، من خلال الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، ويجمع طاقاتها بحيث تتعرف إلى إمكاناتها الحضارية واختيار وسائل فعلها وإحياء عالمية الرسالة ودور القيم الإسلامية في بناء المشترك الإنساني، حيث أصبح العالم اليوم، بعد التقدم الهائل في وسائل الاتصال وسرعة تدفق المعلومات وتشابك وتداخل المصالح وما ترتب عليه من الاحتلال الإعلامي والاقتصادي أشبه بمدينة واحدة.

وقد يكون المطلوب قبل ذلك كله التفكير بكيفية إعادة بناء (الذات)، واسترداد قدرتها على التجدد والتجديد والنهوض واستلهام قيمها، في الكتاب والسنة، لتوليد الحلول والرؤى من النص الإلهي الصحيح، الذي تتميز به، ومحاولة استنطاقه للإجابة عن أسئلة الحياة الكبرى ومشكلات الواقع والحياة المتجددة، وهذا يتطلب امتلاك الجرأة والشجاعة في الإقدام على عمليات التقويم والمراجعة وتصحيح صورة التدين وما حملت من ممارسات جاهلة وشائنة وشائهة وكارثية، باسم الإسلام، ومحاولة كسر الأقفال وفك الدوائر المغلقة والمحابس الخطيرة، الثقافية والاجتماعية، التي تحاصر الأمة، وتقطع أوصالها، وتميت فاعليتها، وتجعل بأسها بينها شديد، من شيوع الطائفيات والحزبيات والمـذهبيات والجمـاعات المفتونة بنفسها وفكرها، وظهور النحل الخطيرة، وما يترتب على ذلك من تفريق الدين وتشكيل أجسام وشظايا منفصلة عن جسم الأمة، تحاصر نفسها قبل أن يحاصرها خصومها وأعداؤها، الأمر الذي يؤدي إلى السقوط في الحالة الخطيرة من التمزق للنسيج الاجتماعي والإصابة الثقافية، التي لحقت بالأمم السابقة والتي حذرنا منها القرآن الكريم، وهي حالة التقطيع في الأرض والتبعثر وذهاب الريح والسقوط الحضاري والعجز عن الاضطلاع بالدور الرسالي، يقول تعالى: ( ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) (الروم:31-32)، ويقول: ( وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) (الأعراف:168).

فهل نعتبر ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) (الحشر:2)؟ وهل نتدبر: ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (محمد:24)؟ وهل نقرأ القرآن فعلا، كما ينبغي، ونقرئه لأبنائنا، ونقيم مراكز وخلاوى ومؤسسات التعليم الشرعي والقرآني المتطورة، بحيث نكون في مستوى إسلامنا وعصرنا؟ وهل يخطر لنا مراجعة دورها ومناهجها وأهدافها ووسائلها ومدى تحقيق مقاصدها؟ أم أننا سائرون بقوة الاستمرار، واستحكام وتحكم التقليد الجماعي، وتقديس الوسائل والطرائق وكأنها غايات ومقاصد، وبالتزام ما وجدنا عليه آباءنا؟ وهل التحذير القرآني يقف عند زمن معين أو قوم معينين أو نبوة تاريخية معينة، أم أن القرآن كتاب خالد مجرد عن حدود الزمان والمكان، وأن حالة الاستنقاع الثقافي، التي تشكل نسيج عقل الأمة، والحاضنة لتفكيرها وفكرها، والموجهة لأنشطتها تتشكل في كثير من الأحيان بعيدا عن عطاء القرآن وخلوده، وأن التعامل مع القرآن تحول إلى مجرد التلاوة، على ما فيها من خير وثواب، لا بد أن تؤدي هذه التلاوات إلى مقاصدها؟

إن حـالنا قبل التـلاوة وبعـدها لا يتغير، وإن من حفظـة القـرآن مـن لا يفترقون في سلوكهم كثيرا عن غيرهم، فهل نعيش حقبة زوال العلم الخطيرة، فنراجع واقعنا ونختبر وسائلنا، التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لنأخذ حذرنا، عندما قال: " وذاك عند أوان ذهاب العلم ".. ( فعن زياد بن لبيد، قـال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقـال: وذاك عند أوان ذهاب العلم، قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا ينتفعون مما فيهما بشيء؟ ) (أخرجه أحمـد)، ونـحـن ما نزال نظن أن الحل بكثرة التلاوة وزيادة المراكز والمؤسسات والمطبوعات والمنشورات وكثرة الحفظة؟!

والذي نقوله بدون أدنى تردد: إن هذه الحالة الثقافية والوسائل والطرائق والمناهج التعليمية والتـربوية طالما أنها لم تستطع أن تحل المعادلة الصعبة، وتعالج العلل، وتغير الحالة الثقافية، التي عليها الأمة، وتغيير ما في الأنفس، فهي حالة فاشلة ومؤسسات فاشلة أو على الأقل عاطلة عن العمل والفاعلية، ولا نقول: عبئا على أهلها، بل لعلنا نقول: إنها قد تساهم مساهمة سلبية في بعثرة الأمة وضياع جهودها، واستنزاف فاعليتها بغير جدوى، وحالنا معها كالذي يضرب بالحـديد البـارد، لقـد أصبحـت اليوم أشبه بالأوثان المقدسة والمناطق المحرمة لا يجوز مسها أو الاقتراب منها!

وقد تكون الإشكالية الكبرى في عدم الظن بأنها موطن الخلل ووسيلته، والتوهم بأن زيادة الإنفاق عليها أو الاستزادة منها، على مستوى المؤسسات والأفراد، هو المخرج، دون أن ندري أن ذلك تكريس للمشكلة، وأن مناهجها وطريقتها وسياستها وأداءها هي السبب فيما نحن فيه، الأمر الذي دفع الكثير منا إلى طلب الحلول والتطلع إليها من خارجها، علما بأن ذلك سيساهم أكثر بتكريس العجز والتخلف، كما هو الحال؛ لأن العاجز عن تطوير (الذات) والنهوض وتوليد الحلول من داخلها، لتخلفه، هو أكثر عجزا عن امتلاك القدرة على التطور والإفادة من الحلول من خلال (الآخر)، ذلك أن الذي يستطيع الإفادة من (الآخر) هو الإنسان المتقدم المترقي، الذي يمتلك المعيار الصحيح القادر على التمييز بين ما يأخذ وما يدع، أما الذي يعاني التخلف والعجز وعمى الألوان فيأخذ كل شيء، أو يدع كل شيء، ويستمر هو لا شيء.

إن التغيـير الثقافي، أو تغيـير ما بالأنفـس، من الصناعـات الثقيلة: ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا طويلا * واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ) (المزمل:5-8)، التي تتطلب الصبر والتبتل وإعادة بناء (الذات) وإخلاص الوجهة واختيار الوسيلة وإبصار المقصد، ولن يتحقق ذلك بالتمني: ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) (النساء:123)، فمتى نتوقف عن ممارسة تلك الوسائل الفاشلة أو السيئة، التي يسوء معها عملنا وحالنا؟

فحالنا يبوخ مقالنا، ومقالنا يوبخ حالنا، وطالما أن الحال وما في الأنفس لم يتغير فمعنى ذلك أن وسائلنا ومؤسساتنا وأحزابنا وجماعاتنا ومذاهبنا وطـائفياتنا عبء معطـل عن الفعـل والفاعلية والعطاء، كما أسلفنا، حتى لو ادعت أنها سفينة الإنقاذ.

وما لم نحرر الإسلام واحتكار فهمه من المؤسسات والأشخاص والأحزاب والجماعات والطوائف والمذاهب، التي تصر على احتكار فهمه، وتعيدنا بذلك إلى العلة، التي وقع فيها أهل النبوات السابقة من ما يسمى "حملة الكتاب المقدس" واحتكار فهمه، ومصدر تفسيره، دون سواهم، وتوظيف هذا الفهم لمصالحها وابتزاز الناس، فالبلاء سيبقى مخيما مستمرا، مهمـا كانت دعـاوانا عريضة ومؤسساتنا كثيرة ومراكزنا عـديدة وطبعات تراثنا متجددة.

فإذا كان المنهج هو المنهج، والمؤسسة هي المؤسسة، والحزب هو الحزب، والطائفة هي الطائفة، والجماعة هي الجماعة، والإرث الاجتماعي مستمر: ( إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) (الزخرف:23)، والاجتهاد معطل بحجة حماية الشريعة وقيم الدين من عبث العابثين، فإن النتائج أو النواتـج هي النواتـج، ذلك أن التخـوف على الدين بدأ يوظف اليـوم للتخوف وحمـاية الذات، لقد التبست الـذات بالقيمة، ونقول هنا: فللبيت رب يحميه، والله أنزل الذكر وحفظه، فليرفع الناس وصايتهم عن هذا الدين.

وما لم ندرك أهمية فك الدوائر المغلقة، التي نسجت حولها القدسية والعصمة حتى كادت تصبح مسلمات، وما لم ندرك أن النظر من خلال نفس المناهج سوف يعطي نفس النتائج، وما لم ندرك أن تغيير زوايا النظر أو المناهج أو على الأقل تعددها وتجددها هو الذي سيعيد الحق إلى نصابه، وما لم ندرك أن نصوص الوحي خالدة ومجردة عن حدود الزمان والمكان والإنسان، وأن استنطاقها وإجابتها عن مشكلات عصر لا يلغي خلود عطائها واستنطاقها في كل عصر، وأن تطور وتدفق العلوم والمعارف فرصة لمعاودة النظر إلى النص من خلال الخبرات المتراكمة، وما لم ندرك أن للنص طبقات من المعاني متعددة مفتوحة على كل عصر، وأن لكل عصر مشكلاته وعطاؤه، وكشفه لتلك المعاني، وما لم نمارس الاجتهاد فعلا، بعد مرحلة الكلام الطويل والمكرور عن أهمية الاجتهاد والتجديد، فسوف لا تعني الدعوة إلى التجديد والاجتهاد شيئا أكثر من الاستمرار في طحين الماء والدوران في الدوائر نفسها والاقتصار على عملية تغيير المقاعد.

إن الثقافة الغثائية، التي نعاني منها اليوم: ( ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ) حيث يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ثوبان رضي الله عنه : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت ) (أخرجه أحمد)، تلك المرحلة الغثائية والتي تملأ الفضاء والأجواء ويسيطر عليها الإعلام بكل وسائله وأدواته، ويسهم الكثير منه في صناعتها وترويجها، من حوارات ومناقشات ومقابلات وتحليلات... إلخ، هذه الحالة الغثائية غالبا ما تقتصر على الإذاعة والإشـاعة والدوران ضمن الحلقات نفسها، الحالة التي أشار إليها القرآن، يقول تعالى: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ... ) (النساء:83).

فحالتنا الغثائية، بمجموعها، إذاعة وإشاعة وحماس وهيجان وضجيج وخوض وأخذ ورد، الأمر الذي لم يغير حالنا، على الرغم من أننا نتفاخر ونتسابق بامتلاك الفضاء ووسائل الإعلام، وغيرها من الوسائل والأدوات، لكن الإشكالية ضياع الأهداف أو غيابها، وبذلك تنقلب وسائلنا لخدمة (الآخر) في المحصلة النهائية أو التـرويج لثقافته.

لكن هذه الحالة الغثائية، من الإشاعة والإذاعة، التي هي أشبه بآلة تصوير لاقطة أو بشاشة تلفزيونية أمام المشاهدين جميعا، تشد أبصارهم، وتستحوذ على اهتمامهم، وتشكل أحاديثهم وتداولهم الكلامي، تفتقر إلى الأبجدية الصحيحة، التي تحسن قراءتها بشكل صحيح وتدرك أبعادها وتخلص إلى الحلول من ظواهرها، وتستنبط الأوعية الشرعية الملائمة لمسيرة الأمة، والله يقول: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) (النساء:83)، فأين الذين يستنبطونه منا؟ أين الاختصاصات، التي تؤهل وتمكن لذلك؟ أين الفقهاء، بالمعنى الأعم للفقه؟ أين القادرون على الإبصار، لتجاوز الصورة إلى الحقيقة؟

ونقول على سبيل الإجمال والمقاربة لقوله تعالى: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم .... ) : إن الأمة بعمومها ومؤسساتها ووسائل إعلامها ومؤتمراتها وحواراتها ومناقشاتها وندواتها وصحافتها ومنشوراتها هي أشبه ما تكون بالشاشة اللاقطة لصور الأحداث، التي تحمل يوميا شؤون الأمن والخوف ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) ، لكن تبقى الإشكالية الأهم في إمكانية قراءة وتحليل ما وراء الصـورة للتعرف على الحقيقة، ومن ثم وضع الخارطة لكيفية التعامل معها، وهذا لا يتحقق إلا برد كل قضية إلى متخصصيها من المؤهلين القادرين على الاجتهاد واستنباط الحلول.

ولعلنا نقارب الأمر أكثر فنقول: إن الدول المتقدمة أدركت أهمية ذلك من وقت مبكر، أدركته بالتجربة والاختبار، والخطأ والصواب، فأنشأت مراكز متخصصة للدراسات، مهمتها أن تقرأ الصور، وتحلل مضمونها، وترصد الظواهر، وتفقه أسبابها وأهدافها، وتصدر الدراسات والأبحاث، التي تشكل دليل عمل وخارطة طريق للمواطن وصاحب القرار، حتى أنه يوجد في بعض الدول المتقدمة اليوم أكثر من ألفي مركز دراسات في شتى التخصصات، فأين نحن من وحي ربنا، الذي اختصر لنا الطريق؟ وأين نحن من الإفادة عطاء عصرنا؟ أين إقامة المؤسسات والمراكز المتخصصة، التي تقرأ إذاعات الأمن والخوف وشتى الشؤون الإنسانية، وتستنبط الحلول، وتخلصنا من حالة التبعثر والضياع والهيجان والادعاء؟ وكيف لنا أن نصل إلى القناعة بأن لكل شأن من شؤون الحياة متخصصوه، وأن الذي يدعي العلم بكل شيء ومعرفة كل شيء لا يقدم للأمة شيئا، ولا نقول: لا يحسن شيئا؟

إننا نتكلم ونؤكد على ضرورة التجديد وأهميته وفائدته وما إلى ذلك من قرون طويلة، لكننا - مع الأسف- لا نمارس التجديد والاجتهاد، يكثر فينا الذين يذيعون ويشيعون: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به .... ) ، ويقل فينـا الذين يستنبطـون الحلول لمشكلات الأمة، فمتى تتحـول مؤسـسـاتنا إلى بناء وتأهيل العلماء المتخصصين، الذين يستنبطونه، ولا تقتصر الحـالة الغثائية على الثقـافة الهشة وزيادة مسـاحـة الذين يقفون عند حدود إذاعته؟

متى تتحول مؤسساتنا ومعاهدنا وأحزابنا وجماعاتنا من الإكثار من إنتاج الخطباء، والعمل على زيادة مساحة الهياج والانفعال والحماس، من الذين أصبحوا يملؤون الشاشات ومنابر الوعظ، بمؤهل وبدون مؤهل، إشاعة وإذاعة، إلى تأهيل الفقهاء والحكماء والمتخصصين، الذين يستنبطونه؛ لأن الإذاعة والإشاعة بدون كشف السنة والوجهة وإبصار التداعيات والمآلات يصبح مساهمة سلبية بالضياع والغوغائية؟

متى نفكر بأسس التغيير الشامل ونعد لها: ( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الأنفال:53)، فنعيد معايرة واقعنا، ومدى توافقه مع قيمنا ومنهج النبوة الذي ورثناه؟ ومتى نكون قادرين على إيجاد المؤهلين القادرين على الغوص في الأعماق واكتشاف طبقات المعنى وخلودها في نصوص الوحي، وتجاوز محابس المناهج والقوالب والمصطلحات القديمة والتعاريف القديمة، وكأن الإسلام، في واقع الحال، أصبح حكرا وموقوفا عليها، أو أصبحت قيودا لازمة على العقل المسلم؟ وما فائدة العقل والدعوة إلى التجديد والاجتهاد إذا لم نكتشف الخلل ونوابت السوء ونبصر المستقبل ونحدد الوجهة وننظر من زوايا أخرى ونفكر بمناهج أخرى؟ متى نتخلص من العقد الثقافية ذات الرداء الديني، حيث نعتقد أن المناهج والأحكام والحلول المنتجة سابقا بلغت سدرة المنتهى ولم تبق استزادة لمستزيد أو مجالا لمجتهد؟!

متى تستطيع مؤسساتنا وجماعاتنا وطوائفنا ومذاهبنا التحول من فقه المخارج والسير خلف المجتمعات والتحول من مواقع الساقة إلى فقه المقاصد والسير أمام المجتمعات، تحدد الوجهة، وتبين معالم الطريق، وتشكل الطليعة، بدل الساقة، التي تسير خلف الجيوش ولا تتعامل إلا مع المصابين؟

متى تستطيع مؤسساتنا التمكن من المراجعة وإعادة النظر في مناهج النظر المعمول بـها وتجـاوز القـوالب البشرية، الـتي صبت فيها تلك القيـم الرحبـة ولم يسمح لها أن تغادرها، باسم التدين، أو الخوف على قيم الدين من العبث، ذلك أن الإشكالية الثقافية، التي لم يتم الانعتاق منها، قد تكون في منهج النظر نفسه؟

إن النظر من الزاوية نفسها سوف يحاصر الناظر بنفس الرؤية، وإن استخدام نفس الأدوات سوف يؤدي إلى نفس النتائج، ويحجب عنا كثيرا من طبقات المعاني، التي يمتلكها النص، ويحاصر قدرة النص دون معالجة الواقع ورؤية المستقبل، ويحرم أمة النص الخالد والوحي الخاتم من القدرة على الامتداد والتوليد لحلول لمشكلاتنا، فنكرس عجزنا ونحن نظن أننا نحسن بذلك صنعا، علما بأن الواقع يكذبنا ويفضح ادعاءنا.

إن المناهج، التي وضعت المعايير، وقواعد النظر التي قد تكون ملائمة لوقتها، تعطلت وتوقفت عن الإنتاج منذ زمن بعيد، وكأن القواعد الأصولية المتوارثة من جيل إلى جيل عقمت ولم تنتج إلا مثالا واحدا تتناقله الأجيال، سواء في ذلك النص الظني، أو القطـعي المحـكم، أو المتشـابه، أو الخـاص أو العام، أو المطلق أو المقيد، فالأمثلة واحدة، لكن الصفحات والمؤلفين مختلفون، والعقل الشرعي متوقف عند هذه الأمثلة، يتوارثها ويفاخر بتعليمها، ويبقى عاجزا عن توليد القاعدة واستنطاقها لمثال آخر، فما قيمة تقعيد القاعدة إذا لم تكن مطردة متعدية وتقتصر على مثال واحدة؟

لذلك نقـول: مـا قيمـة المراجعـة إذا كانت تتحـرك بنفس الدوائر، ولا تستطيع مغادرة المثال وتعدية القاعدة إلى مثال آخر؟ وكأن العقم أصاب تراثنا ومناهجنا، دون أن ندري أنه في الحقيقة أصاب عقولنا فعطلها عن التوليد والإبداع والتجديد والاجتهاد، فجميعنا يتحدث عن أهمية التجديد ومجالاته والثوابت والمتغيرات وما إلى ذلك، لكن أين المجددون، وماذا أعددنا للتجديد من المؤهلات غير الشكوى والتأوهات؟!

أما طرائق التعـليم وتخـلفها، والخلـط بين الوسائل والغايات فحدث ولا حرج، وكأن الوسائل مقدسة ومعصومة! والغايات ومدى تحققها فغائب تماما، وما تزال عبارات السابقين وشرحها واختصارها ومعاودة شرحها هي الصورة المثلى للتعليم! والقلاع والحصون محكمة الإغلاق.

والمعلم البارع هو الذي يغمض العبارة ويحيطها بالرموز والأسرار وتداخل الضمائر وتشابه المعاني ويعيد فتحها ويظهر براعته، وهو في حالتي الفتح والإغلاق لا يخرج عن نفس الرؤية والنظر، ويسمى ذلك علما! والطالب المثالي المؤدب هو الذي يجلس جامدا على مقعده كبقية السواكن في حجرة الدراسة والحلقة، دون سؤال أو استفهام أو مشاركة، أنه في موضع المتلقي فقط، وخطأ أستاذه أفضل من صوابه.

وعلى الجانب الآخر، فالمريد يقرأ في عبارات، التي هي أشبه ما تكون بألغاز، والشيخ يسأل طلابه ومريديه: هل فهمتم؟ فإن قالوا: نعم، فيطلب من المريد متابعة القراءة، وإن قالوا: لا، قال: الله يفهمكم، ويطلب من المريد متابعة القراءة؛ ويعتبر السؤال، الذي هو نصف العلم، من سوء الأدب والاعتراض، الذي قد يؤدي إلى الطرد من الحلقة (لا تعترضوا فتنطردوا).. وهكذا يتم خصي العقول، وتعطيل الأفهام، والتجمد على ما قاله شيخ الطريقة الأول، وفاء للشيخ، وتظل تدور علينا الدوائر، ونراوح مكاننا ونظن أننا نقطع المسافات!

وليس بعيدا عن ذلك كثيرا طرائق التعليم ومناهجه ورسائله وأطروحاته، على مستوى الدراسات العليا، حيث ما تزال الجهود مستمرة لإثبات النصـوص، تحقيقا وتصويبا، بعد خمسـة عشر قرنا تقريبا، وكأن دين الأمـة ما يزال منقوصا، وما ينتج عن ذلك من اختلال انتهى إلى تسمية إنتاج السابقين نصوصا، والاستغناء بها عن نصوص الكتاب والسنة، حيث معظم الجهود الدوران في عقول الآخرين، شرحا واختصارا وتحقيقا وتهذيبا وطباعة ونشرا، الأمر الذي نخشى أن يضيع معه الجهد والعمر إذا لم تترتب عليه نتائج تغير حال الأمة.

إن التحرك ضمن عقول الآخرين ومؤلفات السابقين، تحقيقا وشرحا واختصـارا، دون القدرة على استصحاب تجاربهم، والاعتبار بأحوالهم، علما بأن ذلك جمعيـه إن كان له جـدوى فبالقدر، الذي يفتح لنا بعض المغاليق، وييسر لنا العمل، وانتقاء الوسائل الموصلة إلى تحقيق أهداف قيم الوحي في حياة الناس.

ولعل الأمر الأخطر أن الكثير منا انتهت حياته عند حدود الاشتغال بالوسائل، دون القدرة على تجاوزها لتحقيق الغايات، والإفادة منها لتحقيق الأهداف والمقاصد، اللهم إلا ما تحقق له من الترقيات في المراتب الوظيفية، وتحقيق الكسب المادي، ومع ذلك نوهم أنفسنا أن ذلك هو العلم، وهو العلم الميت، العلم المعطل، الذي لم يحرك ساكنا في واقع الحال، ولم ينتج القدرات والملكات القادرة على استنباط الحلول: ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ، وإنما يكرس الاستمرار على ساحة الإذاعة والإشاعة: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه .... ) ، فمتى تنتج مناهجنا ومدارسنا ومعاهدنا ومؤسساتنا القادرين على استنباطه، وعدم التوقف عند رؤية المشهد، والإحساس به، ونشره، دون إدراكه وكشف أسبابه ووجهته وكيفية التعامل معه؟

ولقد أكدنا في أكثر من مناسبة، والأمر فيما نرى ما يزال بحاجة إلى مزيد من التأكيد، وتكرار التأكيد، أن الجهود أو معظمها تتمحور حول إثبات النص وتحقيق النص، وهذا نصف الطريق أو بعض العمل، فإذا لم نتابع الرحلة إلى كيفية إعمال النص الثابت المحقق في واقع الناس، وإنزاله على حياتهم، ونفيد مما أثبتناه وحققناه من النصوص فإن عملنا يفتقد قيمته، التي عمل من أجلها، فمتى نتحول من إثبات النصوص، بحفظها وتحقيقها وطباعتها وإعادة نشرها، إلى إعمال النصوص في واقع الحال، بحيث تقدم الحلول والأوعية الشرعية لحياة الناس ومشكلاتهم، فيستلهمونها لإبصار المستقبل؟

ولعلنا نقـول: إن فقه محل النص وكيفية تنزيله وإدراك أبعاده والقدرة على تعديته في ضوء تطور المجتمعات وتغير الأحوال لا يقل أهمية، إن لم نقل هو الأهم، من فقه النص وإثباته؛ لأن نصوص الوحي حفظت ونقلت وثبتت بالطرق العلمية، التي تكسب الاطمئنان وحتى اليقين، فالتحقيق والحفظ والإثبات هو في نهـاية المطاف حسن لغيره، كما يقولون، فإذا لم يوظف ويفاد منه في بناء الحياة وتنظيم شـؤون الناس وتبصـيرهم بمستقبلهم والارتقاء بخصائصهم يصبح لا قيمة عملية له؛ ولعل معظم دراساتنا ومناهجنا ما تزال ومنذ زمن تتمحـور حـول الوسائل، وبذلك يستمر تخلفنا وقطيعتنا مع الحياة والعالم!

وليس ذلك في مجال مناهج وطرائق تعليم الفقه والأصول والحديث والتفسير فقط، وإنما أيضا في مجال اللغة العربية، وعاء التنزيل وسبيل فهمه، فالمعروف أنه من خلال مفهوم العرب في الخطاب يتوصل لفهم نصوص الوحي، للعمل بها، ولعلنا نقول: إن الكثير من مناهجنا ومؤلفاتنا وأنشطتنا ومجامعنا اللغوية ومعاهدنا وجامعاتنا، التي تتولى أمر اللغة، ينصرف جهدها كله إلى ما يسمى علوم اللغة، من نحو وصرف وبلاغة... إلخ، الذي يتمحور في كثير من الأحيان على حساب اللغة وممارستها.

فالتوقف والاقتصار على علوم اللغة، التي هي في نهاية المطاف وسائل لخدمة اللغة وحفظها وحسن استخدامها والترقي في أدائها، يعتبر من الإصابات الكبرى، التي ألحقناها بأنشطتنا اللغوية، فكثيرون هم علماء النحو والصرف والقراءات، وقليلون هم الأدباء والروائيون والقصاصون والكتاب والمتمـكنون من الحوار والمناقشـة والمناظرة والمحاججة؛ إننا ندرس علوم اللغة على حساب اللغة، وكأن الوسائل في جميـع الشعـب العلمية والمعرفية والمدارس والجامعات والمناهـج انقلبت إلى أهداف، وأصبحت الطـابع الغالب لحياتنا العلمية والثقافية، حتى عند البحوث الأصولية المتعلقة بدلالات الألفاظ والحديث عن المحكم والمتشابه والمشترك والعام والخاص والمطلق والمقيد -كما أسلفنا- ودلالة النص وإشارة النص وفحوى الخطاب.

وعلى الرغم من عدم القدرة على تجاوز مقالات وإنتاج الأقدمين، وكأن المناهج أصبحت مغلقة عليها وعاجزة عن الامتداد، نجد أن ما استخدم من دلالة اللفظ ومعناه قد لا يتجاوز الأسطر القليلة، بينما لو رجعنا إلى المعاجم والقواميس نجد عشرات الصفحات من المعاني والأبعاد والاستعمالات للفظ الواحد، ولا غرو في ذلك، فاللغة وعاء التنزيل الخالد؛ ونحن ما نزال نحاصر أنفسنا، ونختزل هذا الفضاء الكبير من المعاني في الاقتصار على علوم اللغة.

لذلك أعتقد أن العلة الثقافية واحدة في معظم الشعب المعرفية، وأننا جميعا نشكو منها، لكنها شكوى الأم وتألمها على ابنها المريض، التي لا يشك أحد في صدق عاطفتها، لكن يغيب عنا أن نتعامل مع أمراضنا تعامل الطبيب الخبير بالعلة وشفائها حتى ولو كان الدواء مرا.

والعجيب الغريب أن العالم كله من حولنا يقرأ ليتعلم، ويتعلم ليرتقي ويحقق أهدافه، أما نحن فنتعلم لنقرأ، فعلوم اللغة وعلوم القراءات وعلوم التجويد... إلخ نتعلمها لنقرأ، فكثيرا ما يتوقف عندها التعليم دون الخطوة الأخرى إلى ممارسة القراءة وعطائها، وكثيرا ما تشكل لنا هذه الطريقة والمنهج قوالب وعقبات وحواجز، فبدل أن يفكر الإنسان بعقله، وينصرف إلى المعاني، وإدراك المقاصد، يتحول إلى التفكير بلسانه، خشية اللحن أو الخطأ، فيصبح غاية المقصود تجنب الخطأ! فتنصرف الجهود إلى الألفاظ والتسطيح الثقافي، والألفاظ هي في نهاية المطاف وعاء المعاني.

ولعلنا نقـارب الحال، الـتي نعاني منها، بمـا حـذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم منـذ خطـوات الرسـالة الأولى، عندمـا قـال صلى الله عليه وسلم : ( وذاك عند أوان ذهاب العلم ) .

فهل يمكن أن نقول بعد ذلك: إننا بشكل غير مباشر مكنا لفصل القيم الدينية ولغتها العربية عن حياة الناس، وسمحنا لـ(الآخر) بالامتداد وملء الفراغ، اللهم إلا من بعض الجماعات الحاملة لاسم الإسلام، التي يكاد ينحصر همها في المغالبة السياسية على الحكم، وتحاول في سبيل ذلك توظيف الإسلام، والعبث بمفاهيمه، لدعم رؤيتها السياسية وهويتها الحزبية، بحيث أصبحت الغاية، عند كثير منا، تبرر الوسيلة؟

وبعد:

فهذا الكتاب، يعتبر إحدى المحاولات الجادة في عملية الدعوة إلى التقويم والمراجعة وإحياء روح الاجتهاد والتجديد، في عصر أصبحت فيه التطورات المتسارعة من التحديات والقضايا الضاغطة، التي لا مفر معها من وضع أوعية شرعية لكيفية التعامل، مع الحياة، وليس ذلك فقط بل والتقدم خطوة نوعية في التفكير بكيفية المساهمة فيها والاضطلاع بالدور الرسالي المنوط بأمة الإسلام.

ولعل تميز هذه المحاولة أن هذه الإضاءة تشع من إفريقيا.

وحيث إن المسألة التعليمية هي محور التغيير والتجديد والاجتهاد والإصلاح والنهوض، فإن إعادة النظر في المناهج والسياسات والمؤسسات والمواد التعليمية والمناهج والمصطلحات الشرعية ومراجعتها، في ضوء قيم الوحي في الكتاب والسنة، والنظر إليها، ومدى أدائها، من خلال الواقع، الذي يعيشه الناس، والتمييز بين الوسائل، التي يتوصل بها إلى تحقيق المقاصد والأهداف، وبين المقاصد والأهداف، واستشعار الخطورة من تحول الوسائل إلى أهداف، والتيبس عليها وتقديسها، رغم عقمها وتوقفها عن الإنتاج وانتهاء ظرفها وصـلاحيتها وتطـور العـلوم والمعارف والتحـديات من حولها..... نقول: إن إعادة النظر والمراجعة والاجتهاد والتجديد دون سواه هو سبيل الخروج من وهدة التخلف ومن ليله الطويل المظلم.

فمعارف الوحي هي التي تمتلك الإمكان الحضاري، وإن حسن التعامل معها هو موطن النهوض، وإن الاجتهاد والتجديد هو السبيل لتطوير آليات التعامل معها، وتنزيلها على حياة الناس، ووضع الأوعية الشرعية لحركتهم، في ضوء الظروف المحيطة والإمكانات المتاحة.. إن بلوغ عتبة الاجتـهاد والتجديد ما تزال من الأماني، حيث إننا ومنذ زمن نتحدث عن أهمية الاجتهاد وضرورته وفوائده ودوره، ونتكلم عن التقويم والمراجعة واكتشاف الخلل، ومع ذلك ما تزال القيود والقوالب والتقاليد الجماعية تشكل عوائق ومخاوف من الإقدام عليه واقتحام العقبة.

إننا نتحدث حول الاجتهاد والتجديد، ولكن لا نبحث فيه ونتقدم خطوات ونقوم بمحاولات رائدة.

إن الإحساس بأهمية القضية وضرورتها لا يعني الإدراك لأبعادها وامتلاك القدرة والإمكانية على ممارستها، على الرغم من أن الإحساس يعتبر من الحواضن المهمة لقضية التجديد والتطوير، لكننا ما نزال نفتقد الذين يقرأون الواقع ويكتشفون المسالك والحلول والأحكام من خلال ما يحيط بنا من الأمن والخوف، فلا نزال في مرحلة الإذاعة والإشاعة والإحساس لما يحيط بنا دون النقلة الأهم، وهو الرد إلى أهل العلم والاختصاص، الذين يستنبطون الحلول، ويشكلون الرؤى، ويبينون المسالك.

ومؤسسات ومعاهد ومدارس ومناهج التعليم الشرعي، وغير الشرعي، وهي تعاني من غربة الزمان ويعيش الكثير منها أحلام اليقظة، ويهرب إلى الماضي، ويفـاخر بإنجازاته، معالجة لمركب العجز والنقص، لم تستطـع تأهيل الذين يستنبطون الحلول في جميع مجالات المعرفة، والله سبحانه وتعالى يقـول: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم .... ) (النساء:83).

ولله الأمر من قبل ومن بعد

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث