الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      صفحة جزء
                                                                                      محمد بن جحادة : حدثنا الزبير بن عدي ، عن مصعب بن سعد أن سعدا خطبهم بالكوفة فقال : يا أهل الكوفة ، أي أمير كنت لكم ؟ فقام رجل فقال : اللهم ، إن كنت ما علمتك لا تعدل في الرعية ، ولا تقسم بالسوية ، ولا تغزو في السرية ، فقال سعد : اللهم إن كان كاذبا ، فأعم بصره ، وعجل فقره ، وأطل عمره ، وعرضه للفتن . [ ص: 114 ] قال : فما مات حتى عمي ، فكان يلتمس الجدرات ، وافتقر حتى سأل ، وأدرك فتنة المختار فقتل فيها .

                                                                                      عمرو بن مرزوق : حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيب قال : خرجت جارية لسعد عليها قميص جديد ، فكشفتها الريح ، فشد عمر عليها بالدرة ، وجاء سعد ليمنعه ، فتناوله بالدرة ، فذهب سعد يدعو على عمر ، فناوله الدرة وقال : اقتص . فعفا عن عمر .

                                                                                      أسد بن موسى : حدثنا يحيى بن زكريا ، حدثنا إسماعيل ، عن قيس قال : كان لابن مسعود على سعد مال : فقال له ابن مسعود : أد المال . قال : ويحك مالي ، ولك ؟ قال : أد المال الذي قبلك . فقال سعد : والله إني لأراك لاق مني شرا ، هل أنت إلا ابن مسعود وعبد بني هذيل . قال : أجل والله ، وإنك لابن حمنة . فقال لهما هاشم بن عتبة : إنكما صاحبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إليكما الناس . فطرح سعد عودا كان في يده ، ثم رفع يده ، فقال : اللهم رب السماوات . فقال له عبد الله : قل قولا ولا تلعن ، فسكت ، ثم قال سعد : أما والله لولا اتقاء الله ، لدعوت عليك دعوة لا تخطئك . [ ص: 115 ] رواه ابن المديني ، عن سفيان ، عن إسماعيل وكان قد أقرضه شيئا من بيت المال .

                                                                                      ومن مناقب سعد أن فتح العراق كان على يدي سعد ، وهو كان مقدم الجيوش يوم وقعة القادسية ونصر الله دينه . ونزل سعد بالمدائن ، ثم كان أمير الناس يوم جلولاء فكان النصر على يده ، واستأصل الله الأكاسرة .

                                                                                      فروى زياد البكائي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر قال : قال ابن عم لنا يوم القادسية :

                                                                                      ألم تر أن الله أنزل نصره وسعد بباب القادسية معصم     فأبنا وقد آمت نساء كثيرة
                                                                                      ونسوة سعد ليس فيهن أيم

                                                                                      فلما بلغ سعدا قال : اللهم اقطع عني لسانه ويده . فجاءت نشابة أصابت فاه ، فخرس ، ثم قطعت يده في القتال . وكان في جسد سعد قروح ، فأخبر الناس بعذره عن شهود القتال .

                                                                                      وروى نحوه سيف بن عمر ، عن عبد الملك .

                                                                                      هشيم : عن أبي مسلم ، عن مصعب بن سعد ، أن رجلا نال من علي ، [ ص: 116 ] فنهاه سعد ، فلم ينته ، فدعا عليه . فما برح حتى جاء بعير ناد فخبطه حتى مات .

                                                                                      ولهذه الواقعة طرق جمة رواها ابن أبي الدنيا في " مجابي الدعوة " وروى نحوها الزبير بن بكار ، عن إبراهيم بن حمزة ، عن أبي أسامة ، عن ابن عون ، عن محمد بن محمد الزهري ، عن عامر بن سعد . وحدث بها أبو كريب عن أبي أسامة . ورواها ابن حميد ، عن ابن المبارك ، عن ابن عون ، عن محمد بن محمد بن الأسود .

                                                                                      وقرأتها على عمر بن القواس ، عن الكندي ، أنبأنا أبو بكر القاضي ، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي ، حضورا ، أنبأنا ابن ماسي أنبأنا أبو مسلم ، حدثنا الأنصاري ، حدثنا ابن عون ، وحدث بها ابن علية ، عن محمد بن محمد .

                                                                                      ورواها ابن جدعان : عن ابن المسيب أن رجلا كان يقع في علي وطلحة والزبير ، فجعل سعد ينهاه ويقول : لا تقع في إخواني ، فأبى ، فقام سعد ، وصلى ركعتين ودعا ، فجاء بختي يشق الناس ، فأخذه بالبلاط ، فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه ، فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا يقولون : هنيئا لك يا أبا إسحاق ، استجيبت دعوتك . [ ص: 117 ]

                                                                                      قلت : في هذا كرامة مشتركة بين الداعي والذين نيل منهم .

                                                                                      جرير الضبي : عن مغيرة ، عن أمه قالت : زرنا آل سعد ، فرأينا جارية كأن طولها شبر . قلت : من هذه ؟ قالوا : ما تعرفينها ؟ هذه بنت سعد ، غمست يدها في طهوره ، فقال : قطع الله قرنك ، فما شبت بعد .

                                                                                      وروى عبد الرزاق : عن أبيه ، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف ، أن امرأة كانت تطلع على سعد ، فينهاها ، فلم تنته ، فاطلعت يوما وهو يتوضأ ، فقال : شاه وجهك ، فعاد وجهها في قفاها .

                                                                                      مينا : متروك .

                                                                                      حاتم بن إسماعيل : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن جده قال : دعا سعد بن أبي وقاص فقال : يا رب ، بني صغار ، فأخر عني الموت حتى يبلغوا ، فأخر عنه الموت عشرين سنة .

                                                                                      قال خليفة بن خياط : وفي سنة خمس عشرة وقعة القادسية ، وعلى المسلمين سعد ، وفي سنة إحدى وعشرين شكا أهل الكوفة سعدا أميرهم إلى عمر ، فعزله . [ ص: 118 ]

                                                                                      وقال الليث بن سعد : كان فتح جلولاء سنة تسع عشرة ، افتتحها سعد بن أبي وقاص .

                                                                                      قلت : قتل المجوس يوم جلولاء قتلا ذريعا ، فيقال : بلغت الغنيمة ثلاثين ألف ألف درهم .

                                                                                      وعن أبي وائل قال : سميت جلولاء فتح الفتوح .

                                                                                      قال الزهري : لما استخلف عثمان ، عزل عن الكوفة المغيرة ، وأمر عليها سعدا .

                                                                                      وروى حصين ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمر أنه لما أصيب ، جعل الأمر شورى في الستة وقال : من استخلفوه فهو الخليفة بعدي ، وإن أصابت سعدا ، وإلا فليستعن به الخليفة بعدي ، فإنني لم أنزعه ، يعني عن الكوفة ، من ضعف ولا خيانة .

                                                                                      ابن علية : حدثنا أيوب ، عن محمد قال : نبئت أن سعدا قال : ما أزعم أني بقميصي هذا أحق مني بالخلافة ، جاهدت وأنا أعرف بالجهاد ، ولا أبخع نفسي إن كان رجلا خيرا مني ، لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان ، فيقول : هذا مؤمن وهذا كافر . [ ص: 119 ]

                                                                                      وتابعه معمر ، عن أيوب .

                                                                                      أخبرنا أبو الغنائم القيسي ، وجماعة ، كتابة ، قالوا : أنبأنا حنبل ، أنبأنا هبة الله ، أنبأنا ابن المذهب ، أنبأنا القطيعي ، حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الملك بن عمرو ، حدثنا كثير بن زيد ، عن المطلب ، عن عمر بن سعد ، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال : أي بني ، أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسا ؟ لا والله ، حتى أعطى سيفا ، إن ضربت به مسلما ، نبا عنه ، وإن ضربت كافرا قتله ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله يحب الغني الخفي التقي " .

                                                                                      الزبير : حدثنا محمد بن الضحاك الحزامي ، عن أبيه قال : قام علي على منبر الكوفة ، فقال حين اختلف الحكمان : لقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة ، فعصيتموني . فقام إليه فتى آدم ، فقال : إنك والله ما نهيتنا ، بل أمرتنا وذمرتنا فلما كان منها ما تكره ، برأت نفسك ، ونحلتنا ذنبك . فقال علي - رضي الله عنه - : ما أنت وهذا الكلام قبحك الله ! والله لقد كانت الجماعة ، فكنت فيها خاملا ، فلما ظهرت الفتنة ، نجمت فيها نجوم [ ص: 120 ] قرن الماعز . ثم التفت إلى الناس فقال : لله منزل نزله سعد بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، والله لإن كان ذنبا ، إنه لصغير مغفور ، ولإن كان حسنا ، إنه لعظيم مشكور .

                                                                                      أبو نعيم : حدثنا أبو أحمد الحاكم ، حدثنا ابن خزيمة ، حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا محمد بن جحادة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي حازم ، عن حسين بن خارجة الأشجعي قال : لما قتل عثمان ، أشكلت علي الفتنة ، فقلت : اللهم أرني من الحق أمرا أتمسك به ، فرأيت في النوم الدنيا والآخرة بينهما حائط ، فهبطت الحائط ، فإذا بنفر ، فقالوا : نحن الملائكة ، قلت : فأين الشهداء ؟ قالوا : اصعد الدرجات ، فصعدت درجة ثم أخرى ، فإذا محمد وإبراهيم - صلى الله عليهما - وإذا محمد يقول لإبراهيم : استغفر لأمتي ، قال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم أهراقوا دماءهم ، وقتلوا إمامهم ، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد ؟

                                                                                      قال : قلت : لقد رأيت رؤيا ، فأتيت سعدا ، فقصصتها عليه ، فما أكثر فرحا ، وقال : قد خاب من لم يكن إبراهيم - عليه السلام - خليله ، قلت : مع أي الطائفتين أنت ؟ قال : ما أنا مع واحد منهما ، قلت : فما تأمرني ؟ قال : هل لك من غنم ؟ قلت : لا ، قال : فاشتر غنما ، فكن فيها حتى تنجلي .

                                                                                      أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن ، أنبأنا أبو محمد بن قدامة ، أنبأنا هبة الله [ ص: 121 ] ابن الحسن ، أنبأنا عبد الله بن علي الدقاق ، أخبرنا علي بن محمد ، أنبأنا محمد بن عمرو ، حدثنا سعدان بن نصر ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه ، فأتاني رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - ، يعودني ، فقلت : " يا رسول الله ، إن لي مالا كثيرا ، وليس يرثني إلا ابنة ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : لا ، قلت : فالشطر ، قال : لا ، قلت : فالثلث ، قال : والثلث كثير ، إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ، لعلك تؤخر على جميع أصحابك ، وإنك لن تنفق نفقة تريد بها وجه الله ، إلا أجرت فيها ، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ، قلت : يا رسول الله إني أرهب أن أموت بأرض هاجرت منها ، قال : لعلك أن تبقى حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة " ، يرثي له أنه مات بمكة .

                                                                                      متفق عليه من طرق عن الزهري . [ ص: 122 ]

                                                                                      وعن علي بن زيد : عن الحسن قال : لما كان الهيج في الناس ، جعل رجل يسأل عن أفاضل الصحابة ، فكان لا يسأل أحدا إلا دله على سعد بن مالك .

                                                                                      وروى عمر بن الحكم : عن عوانة قال : دخل سعد على معاوية ، فلم يسلم عليه بالإمرة ، فقال معاوية : لو شئت أن تقول غيرها لقلت ، قال : فنحن المؤمنون ولم نؤمرك ، فإنك معجب بما أنت فيه ، والله ما يسرني أني على الذي أنت عليه وأني هرقت محجمة دم .

                                                                                      قلت : اعتزل سعد الفتنة ، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم ، ولقد كان أهلا للإمامة ، كبير الشأن ، رضي الله عنه .

                                                                                      روى نعيم بن حماد ، حدثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن ابن سيرين أن سعد بن أبي وقاص طاف على تسع جوار في ليلة ، ثم استيقظت العاشرة لما أيقظها ، فنام هو ، فاستحيت أن توقظه .

                                                                                      حماد بن سلمة : عن سماك ، عن مصعب بن سعد أنه قال : كان رأس أبي في حجري ، وهو يقضي ، فبكيت ، فرفع رأسه إلي ، فقال : أي بني ما يبكيك ؟ قلت : لمكانك وما أرى بك . قال : لا تبك ; فإن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة .

                                                                                      قلت : صدق والله ، فهنيئا له .

                                                                                      الليث ، عن عقيل ، عن الزهري أن سعد بن أبي وقاص لما احتضر ، دعا بخلق جبة صوف ، فقال : كفنوني فيها ; فإني لقيت المشركين فيها يوم بدر ، [ ص: 123 ] وإنما خبأتها لهذا اليوم .

                                                                                      ابن سعد : أنبأنا محمد بن عمر ، حدثنا فروة بن زبيد عن عائشة بنت سعد قالت : أرسل أبي إلى مروان بزكاته خمسة آلاف ، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألفا .

                                                                                      قال الزبير بن بكار : كان سعد قد اعتزل في آخر عمره ، في قصر بناه بطرف حمراء الأسد .

                                                                                      وعن أم سلمة أنها قالت : لما مات سعد ، وجيء بسريره ، فأدخل عليها ، جعلت تبكي وتقول : بقية أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

                                                                                      النعمان بن راشد : عن الزهري ، عن عامر بن سعد قال : كان سعد آخر المهاجرين وفاة .

                                                                                      قال المدائني ، وأبو عبيدة ، وجماعة : توفي سنة خمس وخمسين [ ص: 124 ]

                                                                                      وروى نوح بن يزيد عن إبراهيم بن سعد أن سعدا مات وهو ابن اثنتين وثمانين سنة ، في سنة ست وخمسين ، وقيل : سنة سبع .

                                                                                      وقال أبو نعيم الملائي : سنة ثمان وخمسين وتبعه قعنب بن المحرز . والأول هو الصحيح .

                                                                                      وقع له في " مسند بقي بن مخلد " مائتان وسبعون حديثا . فمن ذاك في الصحيح ثمانية وثلاثون حديثا .

                                                                                      التالي السابق


                                                                                      الخدمات العلمية