الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وعن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت يريد والإمام يخطب زاد فيه الشيخان يوم الجمعة والإمام يخطب ، وفي رواية لمسلم فقد لغيت قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة ، وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلت للناس أنصتوا وهم يتكلمون فقد ألغيت على نفسك .

التالي السابق


الحديث السادس عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت يريد والإمام يخطب لم يقل الشيخان يريد ، وعن همام وعن أبي هريرة [ ص: 191 ] قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلت للناس أنصتوا وهم يتكلمون فقد ألغيت على نفسك .

(فيه) فوائد :

(الأولى) كذا في رواية أبي مصعب عن مالك والقائل يريد والإمام يخطب هو مالك ورواه يحيى بن يحيى وجمهور رواة الموطإ تاما إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت وأخرجه مسلم من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغيت قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة وإنما هو فقد لغوت ورواه الشافعي عن مالك بلفظ لغوت وعن ابن عيينة بلفظ لغيت وقال قال ابن عيينة لغيت لغة أبي هريرة ورواه البيهقي وابن عبد البر من طريق محمد بن عجلان عن أبي الزناد بزيادة لفظة في آخره عليك بنفسك وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طريق عقيل بن خالد ، وأبو داود والنسائي أيضا من طريق مالك وابن ماجه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ثلاثتهم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت لفظ الشيخين إلا أن مسلما قدم قوله أنصت على قوله يوم الجمعة ولم يذكر أبو داود لصاحبك يوم الجمعة ولفظ أبي داود والنسائي من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا ولم يقل الترمذي لصاحبه وأخرجه النسائي من طريق الزهري عن ابن المسيب وعن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ كلاهما عن أبي هريرة وفي رواية لمسلم إبراهيم بن عبد الله بن قارظ .

(الثانية) قال في الصحاح الإنصات السكوت والاستماع للحديث وقال في المشارق السكوت الاستماع لما يقال وقال في النهاية أنصت سكت سكوت مستمع وهذه العبارة متفقة في المعنى واقتصر في المحكم على أنه السكوت ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى فاستمعوا له وأنصتوا وكذا قال أصحابنا الفقهاء والإنصات هو السكوت والاستماع شغل السمع بالسماع ويستعمل رباعيا وهو أفصح وثلاثيا فيقال أنصت ونصت فيجوز في قوله في الحديث أنصت قطع الهمزة ووصلها والأول أفصح وأشهر والصاد مكسورة على كل حال .

(الثالثة) قال في الصحاح لغا يلغوا لغوا [ ص: 192 ] أي قال باطلا ولغي بالكسر يلغى لغا وقال في المحكم اللغو واللغاء السقط وما لا يعتد به ثم قال ولغوت في القول ألغي لغوا ولغيت لغا أخطأت وكلمة لاغية فاحشة وقال في المشارق لغو الكلام لغطه وما لا محصول له ، يقال لغوت ألغو وألغى لغوا ولغيت أيضا وألغيت أتيت بلغو مثل أفحشت إذا أتيت بفحش وصرح بأن الرواية التي في صحيح مسلم من طريق أبي الزناد فقد لغيت بكسر الغين وذكر النووي في شرح مسلم أن لغا يلغو أفصح من لغا يلغى ثم قال وظاهر القرآن يقتضي هذه اللغة الثانية التي هي لغة أبي هريرة قال الله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه قال وهذا من لغا يلغى ولو كان من الأول لقال والغوا فيه بضم الغين وقال في النهاية لغا الإنسان يلغو ولغا يلغى ولغي يلغى إذا تكلم بالمطرح من القول وما لا يعني انتهى وقال ابن بطال واللغو كل شيء من الكلام ليس يحسن عند أبي عبيدة وقوله في الرواية الثانية فقد ألغت بهمز أوله قال في الصحاح ألغيت الشيء أبطلته وقال في المشارق طرحته وقال في المحكم كل ما أسقطته فلم تعتد به فقد ألغيته وقال في النهاية وألغى إذا أسقط وهذه العبارات بمعنى واحد وعلى هذا فالمفعول المحذوف الجمعة فيما يظهر فقوله ألغيت أي جمعتك وتقدم أن صاحب المشارق ذكر أيضا أنه يقال ألغيت أتيت بلغو فعلى هذا الثاني يكون لازما بمعنى الرواية المشهورة .

(الرابعة) استدل به على وجوب الإنصات للخطبة وتحريم الكلام فيها إذا لم تغتفر هذه الكلمة مع خفتها وكونها أمرا بمعروف محتاج إليه في تلك الحالة فما عداها أولى بالمنع وهذا أحد قولي الشافعي نص عليه في القديم والإملاء وبه قال مالك وأبو حنيفة وهو المشهور من مذهب أحمد وقال ابن المنذر نهى عثمان وابن عمر عن الكلام والإمام يخطب .

وقال ابن مسعود إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فأقرع رأسه بالعصا وكره ذلك ابن عباس والشافعي وعوام أهل العلم وقال الترمذي في جامعه بعد رواية هذا الحديث والعمل عليه عند أهل العلم كرهوا للرجل أن يتكلم والإمام يخطب وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي والمتقدمون يطلقون كثيرا الكراهة ويريدون بها التحريم انتهى وقال ابن بطال : جماعة [ ص: 193 ] أئمة الفتوى على وجوب الإنصات وقال ابن عبد البر لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها انتهى .

(والقول الثاني) للشافعي أن الإنصات سنة والكلام ليس بحرام وهو نصه في الجديد وهو رواية عن أحمد حكاها ابن قدامة وقال ابن المنذر كان النخعي وسعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر والشعبي وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب وقال بعضهم إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا قال ابن المنذر واتباع السنة أولى انتهى قال والدي رحمه الله فيحتمل أن يراد بهذا الإشارة للحجاج لما كان فيه من الظلم وهو الظاهر ويحتمل أن يراد لهذا الأمر قلت ويحتمل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحجاج لا ينبغي سماعه لما فيه من سب الصحابة رضي الله عنهم أو الأمر بالظلم وما لا يجب امتثاله أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة فيها ما لا ينبغي فعله وقد قال ابن حزم روينا من طريق سفيان الثوري عن مجالد قال رأيت الشعبي وأبا بردة بن أبي موسى الأشعري يتكلمان والحجاج يخطب حين قال لعن الله ولعن الله فقلت أتتكلمان في الخطبة ؟ فقالا لم نؤمر بأن ننصت لهذا وعن إبراهيم النخعي أنه كان يتكلم والإمام يخطب زمن الحجاج قال ابن حزم كان الحجاج وخطباؤه يلعنون عليا وابن الزبير رضي الله عنهما وذكر ابن عبد البر أن عبد الله بن عروة كان ينصت للخطيب فإذا شتم عليا تكلم ويقول إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي ومحمد بن علي بن الحسين أنه لا بأس بالكلام والصحف تقرأ يوم الجمعة وعن أبي بردة وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة وعن حماد بن أبي سليمان إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب الله وقالوا فيه : فنسكت لصحفهم هذه ، وعن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام والصحف تقرأ وعن إبراهيم النخعي أنه قيل له إن الكتب تجيء من قبل قتيبة فيها الباطل والكذب فأكلم صاحبي أو أنصت ؟ قال لا بل أنصت يعني في الجمعة فطرد النخعي والحسن منع الكلام في الخطبة وسدا الباب في ذلك قال ابن بطال وروى ابن وهب [ ص: 194 ] وابن قانع وعلي بن زياد عن مالك أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون وروي عنه أنه إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه أو نحو ذلك فليس على الناس الإنصات ورأى الليث إذا أخذ الإمام في غير ذكر الله والموعظة أن يتكلم ولا ينصت انتهى وقال ابن حزم فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى ولا من الدعاء المأمور به فالكلام مباح حينئذ فهذان مذهبان آخران مفصلان إما بين أئمة الجور وغيرهم وإما بين إمام الوعظ وغيره وحكى ابن عبد البر قولا خامسا أنه إنما يجب الإنصات عند تلاوة القرآن خاصة قال روى عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وأبي بردة قال وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنة الثابتة وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك لأنه حديث انفرد به أهل المدينة ولا علم لمتقدمي أهل العراق به وقال ابن بطال استماع الخطبة واجب وجوبه سنة عند أكثر العلماء ومنهم من جعله فريضة انتهى وهذا على قاعدة المالكية من وجوب السنن ومعناه أنه سنة مؤكدة وهو قول الشافعي في الجديد فيكون ابن بطال نقل استحباب الإنصات عن الأكثرين فمن أوجب الإنصات أخذ بقول من قال إن اللغو الباطل ومن استحبه أخذ بقول من قال إنه السقط وما لا يعتد به ولغط الكلام وما لا محصول له أو المطرح من القول وما لا يعني فإن هذه العبارات متقاربة المعنى ومقتضاها أن قائل اللغط غير مرتكب حراما وقد قال الشافعي رحمه الله في قوله لغوت تكلمت في موضع الأدب فيه أن لا تتكلم ؛ واحتج الشافعي في القديم على عدم تحريم الكلام في الخطبة بحديث أنس في الرجل الذي قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وهو يخطب فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله ؛ وهو في الصحيحين وبحديث عثمان حيث دخل يوم الجمعة وعمر يخطب فكلمه وأجابه وقد تقدم قريبا واحتج على ذلك في الجديد بالحديث المتقدم قبل هذا في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الداخل وهو يخطب عن كونه صلى وإجابته له بقوله لا وقوله له صل ركعتين وبكونه عليه الصلاة والسلام كلم الذين قتلوا ابن أبي الحقيق على المنبر وكلموه وتداعوا قتله وقد رواه الشافعي مرسلا قال [ ص: 195 ] البيهقي وهذا وإن كان مرسلا فهو مشهور فيما بين أهل العلم بالمغازي وروي من وجه آخر موصولا عن عبد الله بن أنيس انتهى ومن ذهب إلى تحريم الكلام أجاب عن هذه الأحاديث بأن المخاطبة فيها من الإمام أو معه فلا يشتغل بذلك عن سماع الخطبة بخلاف كلام الحاضرين بعضهم مع بعض .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث