الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت

جزء التالي صفحة
السابق

وعن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت يريد والإمام يخطب زاد فيه الشيخان يوم الجمعة والإمام يخطب ، وفي رواية لمسلم فقد لغيت قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة ، وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلت للناس أنصتوا وهم يتكلمون فقد ألغيت على نفسك .

التالي السابق


الحديث السادس عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت يريد والإمام يخطب لم يقل الشيخان يريد ، وعن همام وعن أبي هريرة [ ص: 191 ] قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلت للناس أنصتوا وهم يتكلمون فقد ألغيت على نفسك .

(فيه) فوائد :

(الأولى) كذا في رواية أبي مصعب عن مالك والقائل يريد والإمام يخطب هو مالك ورواه يحيى بن يحيى وجمهور رواة الموطإ تاما إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت وأخرجه مسلم من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغيت قال أبو الزناد هي لغة أبي هريرة وإنما هو فقد لغوت ورواه الشافعي عن مالك بلفظ لغوت وعن ابن عيينة بلفظ لغيت وقال قال ابن عيينة لغيت لغة أبي هريرة ورواه البيهقي وابن عبد البر من طريق محمد بن عجلان عن أبي الزناد بزيادة لفظة في آخره عليك بنفسك وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طريق عقيل بن خالد ، وأبو داود والنسائي أيضا من طريق مالك وابن ماجه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ثلاثتهم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت لفظ الشيخين إلا أن مسلما قدم قوله أنصت على قوله يوم الجمعة ولم يذكر أبو داود لصاحبك يوم الجمعة ولفظ أبي داود والنسائي من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغا ولم يقل الترمذي لصاحبه وأخرجه النسائي من طريق الزهري عن ابن المسيب وعن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ كلاهما عن أبي هريرة وفي رواية لمسلم إبراهيم بن عبد الله بن قارظ .

(الثانية) قال في الصحاح الإنصات السكوت والاستماع للحديث وقال في المشارق السكوت الاستماع لما يقال وقال في النهاية أنصت سكت سكوت مستمع وهذه العبارة متفقة في المعنى واقتصر في المحكم على أنه السكوت ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى فاستمعوا له وأنصتوا وكذا قال أصحابنا الفقهاء والإنصات هو السكوت والاستماع شغل السمع بالسماع ويستعمل رباعيا وهو أفصح وثلاثيا فيقال أنصت ونصت فيجوز في قوله في الحديث أنصت قطع الهمزة ووصلها والأول أفصح وأشهر والصاد مكسورة على كل حال .

(الثالثة) قال في الصحاح لغا يلغوا لغوا [ ص: 192 ] أي قال باطلا ولغي بالكسر يلغى لغا وقال في المحكم اللغو واللغاء السقط وما لا يعتد به ثم قال ولغوت في القول ألغي لغوا ولغيت لغا أخطأت وكلمة لاغية فاحشة وقال في المشارق لغو الكلام لغطه وما لا محصول له ، يقال لغوت ألغو وألغى لغوا ولغيت أيضا وألغيت أتيت بلغو مثل أفحشت إذا أتيت بفحش وصرح بأن الرواية التي في صحيح مسلم من طريق أبي الزناد فقد لغيت بكسر الغين وذكر النووي في شرح مسلم أن لغا يلغو أفصح من لغا يلغى ثم قال وظاهر القرآن يقتضي هذه اللغة الثانية التي هي لغة أبي هريرة قال الله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه قال وهذا من لغا يلغى ولو كان من الأول لقال والغوا فيه بضم الغين وقال في النهاية لغا الإنسان يلغو ولغا يلغى ولغي يلغى إذا تكلم بالمطرح من القول وما لا يعني انتهى وقال ابن بطال واللغو كل شيء من الكلام ليس يحسن عند أبي عبيدة وقوله في الرواية الثانية فقد ألغت بهمز أوله قال في الصحاح ألغيت الشيء أبطلته وقال في المشارق طرحته وقال في المحكم كل ما أسقطته فلم تعتد به فقد ألغيته وقال في النهاية وألغى إذا أسقط وهذه العبارات بمعنى واحد وعلى هذا فالمفعول المحذوف الجمعة فيما يظهر فقوله ألغيت أي جمعتك وتقدم أن صاحب المشارق ذكر أيضا أنه يقال ألغيت أتيت بلغو فعلى هذا الثاني يكون لازما بمعنى الرواية المشهورة .

(الرابعة) استدل به على وجوب الإنصات للخطبة وتحريم الكلام فيها إذا لم تغتفر هذه الكلمة مع خفتها وكونها أمرا بمعروف محتاج إليه في تلك الحالة فما عداها أولى بالمنع وهذا أحد قولي الشافعي نص عليه في القديم والإملاء وبه قال مالك وأبو حنيفة وهو المشهور من مذهب أحمد وقال ابن المنذر نهى عثمان وابن عمر عن الكلام والإمام يخطب .

وقال ابن مسعود إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فأقرع رأسه بالعصا وكره ذلك ابن عباس والشافعي وعوام أهل العلم وقال الترمذي في جامعه بعد رواية هذا الحديث والعمل عليه عند أهل العلم كرهوا للرجل أن يتكلم والإمام يخطب وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي والمتقدمون يطلقون كثيرا الكراهة ويريدون بها التحريم انتهى وقال ابن بطال : جماعة [ ص: 193 ] أئمة الفتوى على وجوب الإنصات وقال ابن عبد البر لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها انتهى .

(والقول الثاني) للشافعي أن الإنصات سنة والكلام ليس بحرام وهو نصه في الجديد وهو رواية عن أحمد حكاها ابن قدامة وقال ابن المنذر كان النخعي وسعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر والشعبي وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب وقال بعضهم إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا قال ابن المنذر واتباع السنة أولى انتهى قال والدي رحمه الله فيحتمل أن يراد بهذا الإشارة للحجاج لما كان فيه من الظلم وهو الظاهر ويحتمل أن يراد لهذا الأمر قلت ويحتمل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحجاج لا ينبغي سماعه لما فيه من سب الصحابة رضي الله عنهم أو الأمر بالظلم وما لا يجب امتثاله أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة فيها ما لا ينبغي فعله وقد قال ابن حزم روينا من طريق سفيان الثوري عن مجالد قال رأيت الشعبي وأبا بردة بن أبي موسى الأشعري يتكلمان والحجاج يخطب حين قال لعن الله ولعن الله فقلت أتتكلمان في الخطبة ؟ فقالا لم نؤمر بأن ننصت لهذا وعن إبراهيم النخعي أنه كان يتكلم والإمام يخطب زمن الحجاج قال ابن حزم كان الحجاج وخطباؤه يلعنون عليا وابن الزبير رضي الله عنهما وذكر ابن عبد البر أن عبد الله بن عروة كان ينصت للخطيب فإذا شتم عليا تكلم ويقول إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي ومحمد بن علي بن الحسين أنه لا بأس بالكلام والصحف تقرأ يوم الجمعة وعن أبي بردة وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة وعن حماد بن أبي سليمان إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب الله وقالوا فيه : فنسكت لصحفهم هذه ، وعن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام والصحف تقرأ وعن إبراهيم النخعي أنه قيل له إن الكتب تجيء من قبل قتيبة فيها الباطل والكذب فأكلم صاحبي أو أنصت ؟ قال لا بل أنصت يعني في الجمعة فطرد النخعي والحسن منع الكلام في الخطبة وسدا الباب في ذلك قال ابن بطال وروى ابن وهب [ ص: 194 ] وابن قانع وعلي بن زياد عن مالك أن الإمام إذا لغا وشتم الناس فعلى الناس الإنصات ولا يتكلمون وروي عنه أنه إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه أو نحو ذلك فليس على الناس الإنصات ورأى الليث إذا أخذ الإمام في غير ذكر الله والموعظة أن يتكلم ولا ينصت انتهى وقال ابن حزم فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى ولا من الدعاء المأمور به فالكلام مباح حينئذ فهذان مذهبان آخران مفصلان إما بين أئمة الجور وغيرهم وإما بين إمام الوعظ وغيره وحكى ابن عبد البر قولا خامسا أنه إنما يجب الإنصات عند تلاوة القرآن خاصة قال روى عن الشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وأبي بردة قال وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنة الثابتة وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك لأنه حديث انفرد به أهل المدينة ولا علم لمتقدمي أهل العراق به وقال ابن بطال استماع الخطبة واجب وجوبه سنة عند أكثر العلماء ومنهم من جعله فريضة انتهى وهذا على قاعدة المالكية من وجوب السنن ومعناه أنه سنة مؤكدة وهو قول الشافعي في الجديد فيكون ابن بطال نقل استحباب الإنصات عن الأكثرين فمن أوجب الإنصات أخذ بقول من قال إن اللغو الباطل ومن استحبه أخذ بقول من قال إنه السقط وما لا يعتد به ولغط الكلام وما لا محصول له أو المطرح من القول وما لا يعني فإن هذه العبارات متقاربة المعنى ومقتضاها أن قائل اللغط غير مرتكب حراما وقد قال الشافعي رحمه الله في قوله لغوت تكلمت في موضع الأدب فيه أن لا تتكلم ؛ واحتج الشافعي في القديم على عدم تحريم الكلام في الخطبة بحديث أنس في الرجل الذي قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وهو يخطب فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله ؛ وهو في الصحيحين وبحديث عثمان حيث دخل يوم الجمعة وعمر يخطب فكلمه وأجابه وقد تقدم قريبا واحتج على ذلك في الجديد بالحديث المتقدم قبل هذا في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الداخل وهو يخطب عن كونه صلى وإجابته له بقوله لا وقوله له صل ركعتين وبكونه عليه الصلاة والسلام كلم الذين قتلوا ابن أبي الحقيق على المنبر وكلموه وتداعوا قتله وقد رواه الشافعي مرسلا قال [ ص: 195 ] البيهقي وهذا وإن كان مرسلا فهو مشهور فيما بين أهل العلم بالمغازي وروي من وجه آخر موصولا عن عبد الله بن أنيس انتهى ومن ذهب إلى تحريم الكلام أجاب عن هذه الأحاديث بأن المخاطبة فيها من الإمام أو معه فلا يشتغل بذلك عن سماع الخطبة بخلاف كلام الحاضرين بعضهم مع بعض .



(الخامسة) ظاهر الحديث يقتضي أنه لا فرق في الحكم على الكلام في حالة الخطبة بأنه لغو بين أن يكون صادرا من العدد الذين تنعقد بهم الجمعة وبين أن يكون صادرا من الزيادة عليهم وهو مقتضى كلام أكثر المتكلمين في هذه المسألة فإنهم لم يفصلوا وذهب الغزالي من أصحابنا إلى أن محل قولي الشافعي المتقدم ذكرهما في الزيادة على الأربعين الذين تنعقد بهم الجمعة أما الأربعون فيجب عليهم الإنصات قطعا وتعقب الرافعي كلامه باستبعاده ومخالفته لنقل الأصحاب أما بعده فلأن كلامه مفروض في السامعين للخطبة وإذا حضر جماعة يزيدون على الأربعين فلا يمكن أن يقال تنعقد الجمعة بأربعين منهم على التعيين فيحرم الكلام عليهم قطعا والخلاف في الباقين ، بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين وأما مخالفته فلأنك لا تجد للجمهور إلا إطلاق قولين في السامعين ووجهين في حق غيرهم وتبع النووي الرافعي على ما ذكره في ذلك ومال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة إلى طريقة الغزالي في ذلك فقال هذه الطريقة المختارة عندنا وكذا رجحها شيخنا الإمام جمال الدين الإسنوي في المهمات ووالدي رحمه الله في شرح الترمذي وقال إن ما قاله الغزالي سبقه إليه شيخه إمام الحرمين وحكاه عن والده ولم يريدوا بذلك أربعين متعينين من خلق يزيدون عليهم بل إن كانوا أربعين فقط وجب عليهم الإصغاء والاستماع وعلى الخطيب رفع الصوت ليسمعهم وانعقدت الجمعة بهم وإن كانوا أزيد من أربعين ولو بلغوا ألوفا وجب على أربعين منهم غير معينين الإصغاء والاستماع فإن لم يسمع غيرهم انعقدت بهم وإن سمع أكثر منهم انعقدت بهم كلهم أو بأربعين منهم غير معينين قال وهذا هو الصواب ولا معنى لوجوب إسماع أربعين وعدم وجوب إنصاتهم بحيث لا يسمعون ولو فرض ذلك لم تنعقد الجمعة وكان عدم سماعهم بسبب الكلام كانقضاضهم انتهى [ ص: 196 ] وحاصل هذا يرجع إلى الجزم بوجوب الإنصات فإنه حينئذ فرض كفاية وفروض الكفاية تتعلق بالجميع لا بطائفة غير معينة على المرجح في الأصول وقد ذهب بعض أصحابنا إلى القطع بوجوب الإنصات وإنكار القولين في ذلك مطلقا والله أعلم .



(السادسة) لفظ الحديث لا يتناول الخطيب لأن شأنه أن يأمر الناس بالإنصات وغيره من المواعظ ولأنه لا يمكن أن يتكلم والإمام يخطب وبهذا قطع أكثر الشافعية وهو مذهب المالكية والحنابلة وحكى بعض الشافعية في ذلك وجهين ونقل ابن الجوزي في التحقيق التسوية بين الخطيب والمستمع عن الأكثرين وفيه نظر .



(الثامنة) ظاهر الحديث أنه لا فرق بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها فكلاهما مأمور بالإنصات وبه قال المالكية والحنابلة والظاهرية وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر العلماء وحكاه ابن عبد البر عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وهو الأصح عند الشافعية تفريعا على القديم في وجوب الإنصات أما على الجديد فالإنصات مستحب في حق السامع فكيف بمن لا يسمع واختلف الحنفية في هذه المسألة وروى ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة والمختلف فيه هو كلام الآدميين أما الذكر والتلاوة سرا فليس ممنوعا منهما قطعا قال ابن قدامة وهل ذلك أفضل أو الإنصات ؟ يحتمل وجهين أحدهما الإنصات أفضل لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعا يحضر الجمعة ثلاثة نفر رجل حضرها يلغو فهو حظه منها ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ مسلما فهي كفارة إلى [ ص: 197 ] الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام رواه أبو داود ولقول عثمان من كان قريبا يسمع وينصت ومن كان بعيدا ينصت فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع والثاني الذكر أفضل لأنه يحصل له ثوابه من غير ضرر انتهى وقال ابن عقيل من الحنابلة في صورة البعد له المذاكرة في الفقه وصلاة النافلة والمشهور عندهم منع ذلك .



(التاسعة) التقييد بقوله والإمام يخطب يخرج ما قبل ابتداء الإمام من الخطبة وما بعد فراغه منها فلا منع من الكلام حينئذ وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف وأبي محمد بن حزم والأكثرين وذهب أبو حنيفة إلى منع الكلام بمجرد خروج الإمام وإن لم يشرع في الخطبة وقال ابن عبد البر : ابن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام انتهى وروي عن ابن عمر الترخيص في ذلك حكاه عنه ابن قدامة مطلقا وحكاه عنه ابن المنذر فيما بعد الفراغ من الخطبة وروى ابن أبي شيبة الترخيص في الكلام بين الخطبة والصلاة عن عروة بن الزبير وطاوس والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء وحماد بن أبي سليمان ؛ وعن الحكم أنه سئل عن الكلام إذا خرج الإمام حتى يتكلم وإذا نزل قبل أن يصلي فكرهه وحكى ابن المنذر عنه الكراهة في الحالة الثانية وروى ابن أبي شيبة أيضا عن قتادة قال يتكلم ما لم يجلس وهذا مذهب متوسط بين مذهب أبي حنيفة والجمهور وروى ابن أبي شيبة عن طاوس قال لا كلام بعد أن ينزل الإمام من المنبر حتى يقضي الصلاة وعن إبراهيم النخعي أنه كرهه .

(العاشرة) ويخرج أيضا ما بين الخطبتين لأن الإمام لا يخطب في تلك الحالة وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي من الشافعية وأجرى فيه ابن الصباغ والمحاملي وآخرون قولي الشافعي المتقدم ذكرهما وقال ابن المنذر ذكره مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وروي ذلك عن ابن سيرين وكان الحسن البصري يقول لا بأس به وممن ذهب إلى جوازه ابن حزم الظاهري وذكر فيه ابن قدامة الحنبلي احتمالين وجه الأول بأنه غير خاطب ولا متكلم فأشبه ما قبلها وما بعدها ووجه الثاني بأنه سكوت يسير في أثناء الخطبتين أشبه سكوت النفس وأبو حنيفة على المنع من ذلك مطلقا [ ص: 198 ] ولم أر الحنفية استثنوا عن صاحبيه إلا ما قبل الخطبة وما بعدها فاقتضى كلامهم موافقة صاحبيه له على منع الكلام بين الخطبتين والله أعلم .



(الحادية عشرة) سوى الشافعية والجمهور في حالة الخطبة بين الذكر والوعظ والدعاء واختلف الحنابلة في حالة الدعاء فقال ابن قدامة إذا بلغ الخطيب إلى الدعاء فهل يشرع الكلام ؟ فيه وجهان أحدهما الجواز لأنه فرغ من الخطبة وشرع في غيرها فأشبه ما لو ترك ويحتمل أن لا يجوز لأنه تابع للخطبة فيثبت له ما يثبت لها كالتطويل في الموعظة ويحتمل أنه إن كان دعاء مشروعا كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات وللإمام العادل أنصت له وإن كان لغيره لم يلزم الإنصات لأنه لا حرمة له انتهى كلام ابن قدامة وقوله في توجيه الجواز أنه فرغ من الخطبة ممنوع بل هو فيها والحديث متناول لهذه الحالة والله أعلم .



(الثانية عشرة) استثنى أصحابنا الشافعية من تحريم الكلام حالة الخطبة أو كراهية الداخل في أثناء الخطبة فقالوا يجوز له أن يتكلم وأنه يأخذ لنفسه مكانا والقولان فيما بعد قعوده وهم مطالبون بالدليل على استثناء هذه الحالة فظاهر الحديث تناولها والمعنى الذي اقتضى منع الكلام وهو تفويت سماع الخطبة على المتكلم وسامعه موجود في هذه الحالة فهي كغيرها والله أعلم .



(الثالثة عشرة) قال أصحابنا الشافعية محل المنع من الكلام حالة الخطبة في الكلام الذي لا يتعلق به غرض مهم ناجز فأما إذا رأى أعمى يقع في بئر أو عقربا يدب إلى إنسان فأنذره أو علم إنسانا شيئا من الخير أو نهاه عن منكر فهذا ليس بحرام نص عليه الشافعي واتفق أصحابه على التصريح به لكن قالوا يستحب أن يقتصر على الإشارة ولا يتكلم ما أمكن الاستغناء عنه وفي هذا الاستثناء نظر فإن الصورة التي ورد فيها الحديث تعلق بها غرض مهم ناجز فإنه نهي عن منكر تعاطاه المتكلم في تلك الحالة بكلمة خفيفة ومع ذلك فحكم عليه الشارع عليه الصلاة والسلام بأنه لغو وقد فصل الحنابلة في ذلك فجوزوا إنذار الأعمى ومن قصدته حية أو خشي عليه حريق ونحو ذلك وعللوه بأن هذا يجوز في نفس الصلاة [ ص: 199 ] مع إفسادها به فهنا أولى ومنعوا نهي المتكلم لهذا الحديث قالوا ولكن يشير إليه فيضع أصبعه على فيه وما ذكروه في ذلك واضح وتجويز الإنكار على المتكلم من غير تحريم ولا كراهة مصادم لهذا الحديث ولم أر الحنفية والمالكية استثنوا هذه الأحوال وظاهر كلامهم المنع مطلقا وحكى الترمذي عن أهل العلم أنه إن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة وقال ابن حزم ولا يحل أن يقول لمن يتكلم حينئذ أنصت لكن يشير إليه أو يغمزه أو يحصبه وحكى ابن كج عن الشافعي أنه قال وإذا خاف على أحد أو على جماعة لم أر بأسا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أن يتكلم انتهى ومقتضاه أنه لا يجوز النطق إن حصل المقصود بالإشارة وقال ابن عبد البر لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في أنه غير جائز أن يقول الرجل لمن سمعه من الجهال يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت أو صه أو نحو ذلك أخذا بهذا الحديث واستعمالا له وتقبلا لما فيه وروى ابن أبي شيبة في مصنفه الإشارة عن زيد بن صوحان وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعلقمة وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين ومجزأة بن زاهر عن أبيه وحكاه المنذر عن الثوري والأوزاعي وقال به وروى ابن أبي شيبة أيضا عن طاوس أنه قال لا تشر إلى أحد يوم الجمعة ولا تنهاه عن شيء .



(الرابعة عشرة) اختلف العلماء في ابتداء السلام في حالة الخطبة ورده فقال الشافعية إن فرعنا على القديم فينبغي للداخل أن لا يسلم فإن سلم حرمت إجابته باللفظ ويستحب بالإشارة كما في الصلاة وإن قلنا بالجديد جاز رد السلام قطعا وهل يجب ؟ فيه ثلاثة أوجه (أصحها) عند البغوي والنووي في شرح المهذب وجوبه (والثاني) استحبابه وصححه الرافعي في شرح الصغير (والثالث) جوازه بلا استحباب وقطع إمام الحرمين بأنه لا يجب الرد وقال شيخنا الإمام جمال الدين الإسنوي في المهمات الفتوى على وجوب الرد فإنه ظاهر لفظ الشافعي في المختصر وغيره انتهى وعن أحمد في رد السلام روايتان إحداهما يرد لوجوبه والثانية إن كان لا يسمع الخطبة رد السلام وإن سمع لم يفعل وعلى هذه الرواية الثانية فقيل لأحمد الرجل يسمع لغة الإمام بالخطبة ولا يدري ما يقول يرد السلام ؟ فقال لا إذا سمع شيئا قال [ ص: 200 ] ابن قدامة وروي نحو ذلك عن عطاء انتهى ومنع المالكية ابتداء السلام ورده في هذه الحالة مطلقا وهو مقتضى الحديث أما ابتداء السلام فهو سنة فكيف يفوت به الإنصات المأمور به إذا كان الأمر بالإنصات مع وجوبه وخفته لغوا فما ظنك بالسلام الذي هو مستحب وأما جوابه فلأنه مرتب على استحباب الابتداء حيث استحب الابتداء وجب الرد وحيث كان الابتداء غير مستحب كان الرد غير واجب .

(الخامسة عشرة) واختلفوا أيضا في تشميت العاطس في حالة الخطبة فقال أصحابنا إن فرعنا على القديم ففيه ثلاثة أوجه الصحيح المنصوص تحريمه كرد السلام والثاني استحبابه والثالث جوازه من غير استحباب وإن فرعنا على الجديد جاز قطعا والأصح استحبابه وعن أحمد روايتان وطرد المالكية المنع من ذلك مطلقا وقالوا لا بأس أن يحمد الله خافضا صوته وحكى ابن العربي عن سائر فقهاء الأمصار غير الشافعي وأحمد وإسحاق أنه لا يرد السلام ولا يشمت انتهى وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة وأصحابهما أنه لا يرد السلام ولا يشمت العاطس والقول بمنع تشميت العاطس أولى من القول بمنع رد السلام لوجوب الرد واستحباب التشميت ولذلك كان في مذهب الشافعي وجه أنه يرد السلام ولا يشمت العاطس وقد حكى الرافعي إطباق الأئمة على أن تشميت العاطس غير واجب لكن ذكر ابن سراقة من أصحابنا في كتاب له سماه (الدرة) وجوب تشميت العاطس كرد السلام وقال ابن المنذر رخص في تشميت العاطس ورد السلام والإمام يخطب الحسن البصري والنخعي والشعبي والحكم وحماد والثوري وأحمد وإسحاق وقال قتادة يرد السلام ويشمته واختلف قول الشافعي في هذا فكان بالعراق ينهى عنه إلا بإيماء وقال بمصر رأيت أن يرد عليهم بعضهم لأن رد السلام فرض وقال في تشميت العاطس أرجو أن يسعه وكان سعيد بن المسيب يقول لا تشمته وبه قال قتادة وهذا خلاف قوله في رد السلام وكان مالك والأوزاعي لا يريان تشميت العاطس ولا رد السلام والإمام يخطب ، وأصحاب الرأي استحبوا ما قال مالك وقال عطاء إذا كنت تسمع الخطبة فاردد عليه في نفسك وإذا كنت لا تسمع فأردد عليه السلام وأسمعه وقال أحمد إذا لم تسمع الخطبة شمت ورد [ ص: 201 ] انتهى وذهب ابن حزم إلى ابتداء السلام ورده وحمد العاطس وتشميته والرد على المشمت والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر الخطيب بالصلاة عليه والتأمين على دعائه .



(السادسة عشرة) قال أصحابنا حيث حرمنا الكلام فتكلم أثم ولا تبطل جمعته بلا خلاف فإن قلت فقد ورد في أحاديث وآثار أنه لا جمعة للمتكلم في الخطبة فروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي أن أبا ذر أو الزبير بن العوام سمع أحدهما من النبي صلى الله عليه وسلم آية يقرؤها على المنبر يوم جمعة قال فقال لصاحبه متى أنزلت هذه الآية ؟ فلما قضى صلاته قال له عمر بن الخطاب لا جمعة لك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له صدق عمر .

وروى ابن أبي شيبة أيضا وأحمد والبزار في مسنديهما وغيرهم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليس له جمعة .

وروى ابن أبي شيبة أيضا والبزار وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما عن جابر قال قال سعد لرجل يوم الجمعة لا صلاة لك قال فذكر ذلك الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن سعدا قال لا صلاة لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لم يا سعد ؟ قال إنه تكلم وأنت تخطب قال صدق سعد .

وروى ابن أبي شيبة أيضا عن علقمة بن عبد الله قال : " جلست قريبا من ابن عمر فجاء رجل من أصحابي فجعل يحدثني والإمام يخطب فلما أكثر قلت له اسكت فلما قضينا الصلاة ذكرت ذلك لابن عمر فقال أما أنت فلا جمعة لك وأما صاحبك فحمار " .

وروى أبو بكر البزار والبيهقي عن أبي هريرة قال : خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم جمعة فذكر سورة فقال أبو ذر لأبي متى أنزلت هذه السورة ؟ فأعرض عنه أبي فلما انصرف قال ما لك من صلاتك إلا ما لغيت فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدق لفظ البزار ورواه الحاكم في مستدركه وصححه الحاكم على شرط الشيخين بمعناه والبيهقي في سننه من حديث أبي ذر وقال في المعرفة إسناده صحيح ورواه أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء بمعناه أن القصة جرت بينه وبين أبي ورواه ابن ماجه من حديث أبي بن كعب أن القصة جرت له مع أبي ذر أو أبي الدرداء ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وابن حبان في صحيحه [ ص: 202 ] من حديث جابر أن القصة جرت بين ابن مسعود وأبي والمنكر في الروايات كلها أبي ، وصحح البيهقي وابن عبد البر أن القصة جرت لأبي ذر مع أبي وذكر ابن حزم عن إبراهيم النخعي أن رجلا استفتح عبد الله بن مسعود والإمام يخطب فلما صلى قال هذا حظك من الصلاة ويدل لذلك أيضا قوله في رواية المصنف الثانية فقد ألغيت على نفسك على أحد التقريرين المتقدم ذكرهما في الفائدة الثالثة قلت قد حمله العلماء على أن المراد لا جمعة له كاملة وأخذه ابن حزم الظاهري على ظاهره فقال ومن تكلم بغير ما ذكرنا ذاكرا عالما بالنهي فلا جمعة له ثم حكى حديث أبي هريرة المتقدم وأثر ابن عمر وابن مسعود وقال فهؤلاء ثلاثة من الصحابة لا يعرف لهم من الصحابة رضي الله عنهم مخالف كلهم يبطل صلاة من تكلم عامدا في الخطبة وبه نقول وعليه إعادتها في الوقت قال والعجب ممن قال معنى هذا أنه بطل أجره قال ابن حزم وإذا بطل أجره بطل عمله بلا شك انتهى وهو مردود فلا يلزم من بطلان الأجر لمقارنة معصية ساوى إثمها أجر سماع الخطبة بطلان العبادة بالكلية إذا كانت العبادة قد وقعت مستجمعة للشروط والأركان وقد ذكر الشافعي في رواية حرملة أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال للمتكلم يوم الجمعة لا جمعة لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق ولم يأمره بإعادة فدل على أن معنى ذلك لا أجر للجمعة لك حكاه البيهقي في المعرفة وقال ابن بطال بعد أن ذكر أن جماعة الفقهاء مجمعون على أن جمعته مجزئة عنه ولا يصلي أربعا قال ابن وهب من لغا كانت جمعته ظهرا ولم تكن جمعة وحرم فضلها وحكى ابن عبد البر هذا الكلام عن ابن وهب وقال في قوله كانت صلاته ظهرا يعني في الفضل .



(السابعة عشرة) تقييد الخطبة بكونها يوم الجمعة يخرج خطبة غير الجمعة كالعيد والكسوف والاستسقاء فلا يجب الإنصات لها ولا يحرم الكلام والإمام فيها واستماعها مستحب فقط لأنها غير واجبة وقد صرح بذلك أصحابنا وغيرهم وحكاه ابن عبد البر [ ص: 203 ] عن عطاء قال يحرم الكلام ما كان الإمام على المنبر وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله قال ويوم عرفة والعيدين كذلك في الخطبة .



(الثامنة عشرة) استدل به المالكية على ترك تحية المسجد حالة الخطبة لأن الأمر بالإنصات أمر بمعروف وأصله الوجوب فإذا منع مع قصر زمانه وقلة شغله فلأن تمنع الركعتان مع سنيتهما وطول زمانهما والاشتغال بهما أولى وقد تقدم إيضاح المسألة في الكلام على الحديث الذي قبله



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث