الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم

641 [ ص: 418 ] حديث أول لأبي طوالة

مالك ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري ، عن أبي يونس مولى عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف على الباب ، وأنا أسمع : يا رسول الله إني أصبح جنبا ، وأنا أريد الصيام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أصبح جنبا ، وأنا أريد الصيام ، فأغتسل وأصوم فقال له الرجل : يا رسول الله إنك لست مثلنا ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : والله إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي .

التالي السابق


هكذا روى يحيى هذا الحديث مرسلا ، وهي رواية عبيد الله ابنه عنه .

وأما ابن وضاح في روايته عن يحيى في الموطأ ، فإنه جعله عن عائشة فوصله وأسنده ، وكذلك هو عند جماعة الرواة للموطأ مسندا عن عائشة ، منهم : ابن القاسم ، والقعنبي ، [ ص: 419 ] وابن بكير ، وأبو المصعب ، وعبد الله بن يوسف ، وابن عبد الحكم ، وابن وهب .

حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا أبو الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، حدثنا مالك ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر أبي طوالة الأنصاري ، عن أبي يونس مولى عائشة ، عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف بالباب : يا رسول الله إني أصبح جنبا ، وأنا أريد الصيام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أصبح جنبا ، وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم فقال : يا رسول الله إنك لست مثلنا ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ، وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي .

وقد ذكر أبو داود رواية القعنبي عن مالك لهذا الحديث ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر ، عن يونس مولى عائشة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مسندا كما ذكرنا إلا أنه قال في آخره : وأعلمكم بما أتبع .

ورواية ابن القاسم وغيره له كما وصفنا مسندا ، عن عائشة ، وهو محفوظ صحيح عن عائشة من طرق شتى من كل طريق في الموطأ ، حاشا رواية يحيى . وبالله التوفيق .

[ ص: 420 ] أخبرنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل ، يعني ابن جعفر ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أن أبا يونس مولى عائشة أخبره عن عائشة أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي تسمع من وراء الباب ، فقال : يا رسول الله تدركني الصلاة ، وأنا جنب فأصوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا تدركني الصلاة ، وأنا جنب فأصوم قال : لست مثلنا يا رسول الله ، قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك ، وما تأخر ، قال : والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي .

وفي هذا الحديث من المعاني سؤال العالم ، وهو واقف ، فذلك جائز بدلالة هذا الحديث .

وفيه الرواية ، والشهادة على السماع ، وإن لم ير المشهد أو المحدث إذا كان المعنى المسموع مستوفى ، قد استوقن وأحيط به علما ، وفي هذا دليل على جواز شهادة الأعمى ، وقد مضى القول فيها في غير موضع من كتابنا هذا ، والحمد لله .

وفيه المعنى المقصود إليه في هذا الحديث ، وذلك أن الجنب إذا لحقته جنابة ليلا قبل الفجر لم يضر صيامه أن لا يغتسل إلا بعد الفجر ، وقد اختلفت الآثار في هذا الباب . واختلف فيه العلماء أيضا ، وإن كان الاختلاف في ذلك كله عندي ضعيفا يشبه الشذوذ .

فأما اختلاف الآثار فإن أبا هريرة كان يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن من أدركه [ ص: 421 ] الصبح ، وهو جنب ، فقد أفطر ، ولم يجز له صيام ذلك اليوم وهذا الحديث لم يسمعه أبو هريرة من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد أحال إذ وقف عليه مرة على الفضل بن عباس ، ومرة على أسامة بن زيد ، ومرة قال : أخبرنيه مخبر ، ومرة قال : حدثني فلان وفلان . وسنذكر ذلك كله ، أو بعضه في باب ( سمي ) من كتابنا هذا إن شاء الله .

أخبرنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا محمد بن منصور ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن يحيى بن جعدة ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو القاري ، قال : سمعت أبا هريرة ، يقول : لا ورب هذا البيت ما أنا قلته من أدركه الصبح وهو جنب ، فلا يصم , محمد ورب الكعبة قاله . وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا بكر بن حماد ، حدثنا مسدد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة ، عن عبد الله بن عمرو القاري [ ص: 422 ] سمع أبا هريرة ، يقول : ورب هذا البيت ما قلت : من أدركه الصبح وهو جنب ، فلا صوم له محمد ورب البيت قاله .

أخبرنا محمد بن إبراهيم بن سعيد ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه ، حدثنا بشر بن شعيب ، حدثني أبي ، عن الزهري ، قال : أخبرني عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه احتلم ليلا في رمضان واستيقظ قبل أن يطلع الفجر ، ثم نام قبل أن يغتسل ، فلم يستيقظ حتى أصبح ، قال : فلقيت أبا هريرة حين أصبحت فاستفتيته في ذلك ، فقال : أفطر ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا . قال عبد الله بن عبد الله بن عمر فجئت عبد الله بن عمر ، فذكرت له الذي أفتاني به أبو هريرة ، فقال : إني أقسم بالله لئن أفطرت لأوجعن متنيك ، فإن بدا لك أن تصوم يوما آخر فافعل .

قال أبو عمر : هكذا يقول شعيب بن أبي جمرة في هذا الحديث ، عن الزهري ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر . ورواه الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، فجعل مكان عبد الله عبيد الله ، وجاء بالحديث سواء ، وعبد الله ، وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر ، ثقتان ، وقد ذكرناهما فيما سلف من كتابنا هذا بما فيه كفاية في معرفتهما .

[ ص: 423 ] وروى هذا الحديث معمر ، عن الزهري أن ابنا لعبد الله بن عمر فذكر معناه ، لم يقل : عبد الله ، ولا عبيد الله .

قال أبو عمر : روي عن أبي هريرة أنه رجع عن هذه الفتوى في هذه المسألة إلى ما عليه الناس من حديث عائشة ، ومن تابعها في هذا الباب .

روى عبد الله بن المبارك ، عن ابن أبي ذئب ، عن سليمان بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أخيه محمد بن عبد الرحمن أنه كان سمع أبا هريرة ، يقول : من احتلم من الليل ، أو واقع أهله ، ثم أدركه الفجر ، ولم يغتسل ، فلا يصم . قال : ثم سمعته نزع عن ذلك .

وروى منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أبا هريرة كف عن قوله ذلك لحديث عائشة فيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وروى أسباط بن محمد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أنه نزع عن ذلك أيضا لحديث أم سلمة فيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

أخبرنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي ، حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، حدثنا أبو عباد ، عن شعبة ، حدثني عبد الله بن أبي السفر ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا ، ثم يغتسل ، ثم يخرج إلى الصلاة ويصلي وأسمع قراءته ، ثم يصوم .

[ ص: 424 ] قال أبو عمر : روي هذا الحديث عن عائشة من وجوه كثيرة وطرق متواترة ، وكذلك روي أيضا عن أم سلمة .

وأما اختلاف العلماء في هذا الباب فالذي عليه جماعة فقهاء الأمصار بالعراق ، والحجاز - القول بحديث عائشة ، وأم سلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا ويصوم ذلك اليوم ، منهم : مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهم وأحمد ، وأبو ثور ، وإسحاق ، وعامة أهل الفتوى من أهل الرأي ، والحديث .

روي عن إبراهيم النخعي ، وعروة بن الزبير وطاوس أن الجنب في رمضان إذا علم بجنابته ، فلم يغتسل حتى يصبح ، فهو مفطر ، وإن لم يعلم حتى يصبح فهو صائم .

وروي مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا ، والمشهور عن أبي هريرة أنه قال : لا صوم له ، علم أو لم يعلم ، إلا أنه قد روينا عنه من طرق صحاح أنه رجع عن ذلك ، فالله أعلم .

وروي عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنهما قالا : يتم صيام يومه ذلك ويقضيه إذا أصبح فيه جنبا . وقال إبراهيم النخعي في رواية غير الرواية الأولى عنه : إن ذلك يجزيه في التطوع ويقضي في الفرض ، وكان الحسن بن حي يستحب إن أصبح جنبا في رمضان أن يقضي ذلك اليوم ، وكان يقول : يصوم الرجل تطوعا ، وإن أصبح جنبا ولا قضاء عليه ، وكان يرى على الحائض إذا أدركها الصبح ولم تغتسل أن تقضي ذلك [ ص: 425 ] اليوم . وذهب عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون في الحائض نحو هذا المذهب ، وذلك أنه قال : إذا طهرت الحائض قبل الفجر فأخرت غسلها حتى طلع الفجر فيومها يوم فطر ; لأنها في بعضه غير طاهر ، وليست كالذي يصبح جنبا فيصوم ; لأن الاحتلام لا ينقض الصوم ، والحيض ينقضه .

قال أبو عمر : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصائم يصبح جنبا - ما فيه شفاء وغنى واكتفاء عن قول كل قائل من حديث عائشة وغيرها ، ودل كتاب الله عز وجل على مثل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك .

قال الله عز وجل : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وإذا أبيح الجماع ، والأكل ، والشرب حتى يتبين الفجر فمعلوم أن الغسل لا يكون حينئذ إلا بعد الفجر ، وقد نزع بهذا جماعة من العلماء ، منهم : ربيعة ، والشافعي ، وغيرهما ، ومن الحجة أيضا فيما ذهبت إليه الجماعة في هذا الباب إجماعهم على أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصيام ، فترك الاغتسال من جنابة تكون ليلا أحرى أن لا يفسد الصوم ، والله أعلم .

وممن ذهب إلى ما قلنا من [ ص: 426 ] العلماء : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأبو الدرداء ، وأبو ذر ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعائشة ، وأم سلمة ، وبه قال مالك في علماء المدينة ، والشافعي في سائر علماء المكيين ، والحجازيين ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وابن علية في جماعة فقهاء العراقيين ، والأوزاعي والليث في فقهاء أهل الشام ، والمغرب ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود بن علي ، والطبري ، وجماعة أهل الحديث .

وأما اختلاف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر فلا تغتسل حتى يطلع الفجر ، فإن مالكا ، والشافعي ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبا ثور يقولون : هي بمنزلة الجنب وتغتسل وتصوم ويجزيها صوم ذلك اليوم . وقال عبيد الله بن الحسن العنبري ، والحسن بن حي ، والأوزاعي : تصومه وتقضيه . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إن كانت أيامها أقل من عشرة صامته وقضته ، وإن كانت أيامها عشرة ، فإنها تصوم ، ولا تقضي .

قال أبو عمر : قد اتفق هؤلاء كلهم على أنها تصومه ، واختلفوا في قضائه ، ولا حجة مع من أوجب القضاء فيه ، وإيجاب فرض . والفرائض لا تثبت من جهة الرأي ، وإنما تثبت من جهة التوقيف بالأصول الصحاح ، ولا أدري : إن كان عبد الملك بن الماجشون يرى صومه أم لا ; لأنه يقول : إن يومها ذلك يوم فطر ، فإن كان لا يرى صومه ، فهو شاذ ، والشذوذ لا نعرج [ ص: 427 ] عليه ، ولا معنى لما اعتل به من أن الحيض ينقض الصوم ، والاحتلام لا ينقضه ; لأن من طهرت من حيضتها ليست بحائض ، والغسل بالماء عبادة ، ومعلوم أن الغسل معنى ، والطهر غيره ، فتدبر ، والصحيح في هذا الباب ما ذهب إليه مالك ، والشافعي ، والثوري ، ومن تابعهم . وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث