الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم

جزء التالي صفحة
السابق

( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ) أي وأقسم أولئك المشركون المعاندون بالله أشد أيمانهم تأكيدا ومنتهى جهدهم ووسعهم مبالغة فيها ، لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التي اقترحوها أو مطلقا ليؤمنن بها أنها من عند الله للدلالة على صدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيكون إيمانهم بها إيمانا به أو ليؤمنن بما دعاهم إليه بسببها : ( قل إنما الآيات عند الله ; أي قل أيها الرسول إنما الآيات عند الله تعالى فهو وحده القادر عليها والمتصرف فيها يعطيها من يشاء ويمنعها من يشاء بحكمته ، ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) 13 : 38 ومشيئته ، وكمال الأدب معه تعالى أن يفوض إليه الأمر في ذلك . وتقدم تحقيق المسألة في أوائل تفسير السورة .

روى أبو الشيخ عن ابن جريج أن هذا نزل في المستهزئين الذين سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآية ، وأخرج ابن جرير مثله عن محمد بن كعب القرظي مفصلا ، فذكر أنهم ذكروا له أخبارا بعصا موسى وإحياء عيسى الموتى وناقة ثمود وطلبوا منه أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأقسموا بالله لئن فعل ليتبعنه أجمعين ، فقام - صلى الله عليه وسلم - يدعو فجاءه جبريل فخيره بين أن يصبح الصفا ذهبا على أن يعذبهم الله إذا لم يؤمنوا - أي عذاب الاستئصال حسب سنته تعالى كما تقدم في هذه السورة - وبين أن يتركهم حتى يتوب تائبهم فاختار الثاني فأنزل الله فيهم ( وأقسموا بالله ) حتى ( ولكن أكثرهم يجهلون ) أي فأنزل الله هذه الآيات في ضمن السورة التي نزلت دفعة واحدة ، وتقدم تحقيق مثله مرارا .

( ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أي إنكم ليس لكم شيء من أسباب الشعور بهذا الأمر الغيبي الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى ، وهو أنهم لا يؤمنون إن جاءت الآية . والخطاب للمؤمنين الذين تمنوا مجيء الآية ليومنوا والنبي - صلى الله عليه وسلم - معهم ، وقيل لهم وحدهم ، ويؤيد الأول رواية دعائه بذلك ، ورواية طلبه القسم منهم ليؤمنن بها ، وقد غفل من غفل من المفسرين عن كون الاستفهام إنكاريا نافيا لشعورهم بهذا الأمر الثابت عنده تعالى في علم الغيب ، فذهب إلى أن المعنى وما يشعركم أنهم يؤمنون إذا جاءت ؟ فجعلوا النفي لغوا ، وذهب بعضهم إلى أن ( أنها ) بمعنى لعلها ، ونقلوا هذا عن الخليل وجاءوا عليه بشواهد ، هم في غنى عنه وعنها . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بخلاف عنه عن عاصم ويعقوب ( إنها ) بكسر الهمزة كأنه قال : وما يشعركم ما يكون منهم إذا [ ص: 560 ] جاءت ؟ وكأنهم قالوا : ماذا يكون منهم ؟ فأخبرهم بذلك قائلا : أنها إذا جاءت لا يؤمنون وقرأ ابن عامر وحمزة ( لا تؤمنون ) الخطاب للمشركين ، وهو كسابقه التفات وتلوين .

( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) هذا عطف على قوله : ( لا يؤمنون ) وبيان لسنة الله تعالى في عدم إيمانهم برؤية الآية . أي وما يشعركم أيضا أننا نقلب أفئدتهم عند مجيء الآية بالخواطر والتأويلات والتفكر في استنباط الاحتمالات وأبصارهم في توهم التخيلات . كشأنهم في عدم إيمانهم بما جاءهم أول مرة من الآيات ، وقيل الضمير في قوله تعالى : ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) ( 15 : 14 : 15 ) فإن من لم يقنعه ما اشتمل عليه القرآن من الآيات العقلية العلمية ، لا يقنعه ما يراه بعينه من الآيات الحسية ، بل يدعي أن عينيه خدعتا أو أصيبتا بآفة فهي لا ترى إلا صورا خيالية ، أو أنه من أعمال السحر الصناعية ، وهل هذا إلا خلق الأولين ، في مكابرة آيات من بعث فيهم من المرسلين ؟

( ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) العمه : التردد في الأمر من الحيرة فيه ، أي وندعهم في تجاوزهم الحدود في الكفر والعصيان ، المشابه لطغيان الماء في الطوفان ، الذي رسخوا فيه فترتب عليه ما ذكر من سنتنا في تقليب القلوب والأبصار ، يترددون متحيرين فيما سمعوا ورأوا من الآيات ، هل هو الحق المبين ، أم السحر الذي يخدع الناظرين ؟ وهل الأرجح اتباع الحق بعد ما تبين ، أم المكابرة له والجدال فيه كبرا وأنفة من الخضوع لمن يرونه دونهم ؟ وهذا صريح في أن رسوخهم في الطغيان الذي هو منتهى الإسراف في الكفر والعصيان ، وهو سبب تقليب القلوب والأبصار وإنما إسناده إلى الخالق لها لبيان سنته الحكيمة فيها . كغيره من ربط المسببات بأسبابها ، وإنما يخطئ كثير من الناس هذا الأمر الواقع لعدم التأمل فيه ، وتوهم أن جميع ما يسند إليه تعالى فهو من الخلق المستقل دون نظام للمقادير ، وهى نزعة قدرية داخلة في قولهم " الأمر أنف " أو لا نظام فيه ولا قدر ، يتبعهم خصومهم فيها وهم لا يشعرون ، ويوقعهم التعصب للمذاهب في أظهر التناقض وهم غافلون ، فنسأله تعالى أن يثبت أفئدتنا وأبصارنا على الحق ، ويحفظنا من الطغيان والعمه في كل أمر ، ويجعلنا ممن أبصر بما جاءه من البصائر ، ويصلح لنا السرائر والظواهر ، اللهم آمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث