الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ) هذه الآية معطوفة على ما قبلها مسوقة لبيان منة أو منن أخرى على أهل الحرم ، وهي ما تضمنه دعاء إبراهيم من جعل البلد آمنا في نفسه ، وهو غير ما سبقت به المنة من جعل البيت آمنا . وقد فسر الجلال ( أمنا ) بقوله : ذا أمن : مع أن المعنى ظاهر وهو أن يكون محفوظا من الأعداء الذين يقصدونه بالسوء ، وهو غير معنى كونه ذا أمن ، أي أن من يكون فيه يكون آمنا ممن يسطو عليه فيظلمه أو ينتقم منه . وقد استجاب الله دعاء إبراهيم في ذلك ، ومن تعدى على البيت لم يطل زمن تعديه بحيث يقال : إنه قد مر زمن طويل لم يكن البيت فيه آمنا ، بل لم ينجح أحد تعدى عليه لذاته ، وإنما كان التعدي القصير هو التعدي العارض على بعض من اعتصم فيه ( وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ) فسر ( الجلال ) الرزق من الثمرات بنقل جبريل الطائف من حوران في بلاد الشام أو فلسطين إلى مكانه الآن في أرض الحجاز ، مع أن الكلام في البيت وبلده مكة لا في الطائف . ورزق أهل هذا البلد الأمين من الثمرات ظاهر معروف بالمشاهدة والاختبار المصدقين لما جاء به الكتاب في سورة القصص بقوله : ( أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء ) ( 28 : 57 ) فالثمرات تجبى وتجمع من حيث تكون وتساق إلى مكة ، ولا فرق في ذلك بين كونها من الطائف أو من الشام أو مصر أو الروم مثلا ، وكونها تجمع من أقطار متفرقة أظهر في صدق الآية وأدل على التسخير . وحديث نقل الطائف لا يصح ، ولكنهم ألصقوه بكتاب الله وجعلوه تفسيرا له وهو برئ منه وغير محتاج في صدقه إليه .

[ ص: 382 ] وقد خص إبراهيم بدعائه المؤمنين كما هو اللائق به ، ولكن الله واسع الرحمة وقد جعل رزق الدنيا عاما للمؤمن والكافر ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ) ( 17 : 20 ) ولكن تمتيع الكافر محدود بهذا العمر القصير ، ومصيره في الآخرة إلى شر مصير ، وذلك جواب الله - تعالى - لإبراهيم : ( قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) أي وأرزق من كفر أيضا فأمتعه بهذا الرزق قليلا ، وهو مدة وجوده في الدنيا ثم أسوقه إلى عذاب النار سوقا اضطراريا لا يقصده هو ولا يعلم أن كفره ينتهي به إليه ، وذلك أن لجميع أعمال البشر الاختيارية غايات وآثارا اضطرارية تفضي وتنتهي إليها بطبيعتها بحسب نظام الأسباب والمسببات ، كما يفضي الإسراف في الشهوات أو التعب أو الراحة إلى بعض الأمراض في الدنيا . فالكفار والفساق مختارون في كفرهم وفسقهم ، فعقابهم عليها إنما هو عقاب على أعمال اختيارية ، وهو أن كفرهم بآيات الله سيسوقهم إلى عذاب الله بما أقام الله - تعالى - عليه الإنسان من السنن الحكيمة ، وأساسها أن علم الإنسان وأعماله النفسية والبدنية لها الأثر الذي يفضي به إلى سعادته أو شقائه اضطرارا ، ولما كانت هذه السنة بقضاء الله وتقديره صح أن يقال : إن الله قد اضطر الكافر إلى العذاب وألجأه إليه ، إذ جعل الأرواح المدنسة بالعقائد الفاسدة والأخلاق المذمومة محل سخطه ، وموضع انتقامه في الآخرة ، كما جعل أصحاب الأجساد القذرة عرضة للأمراض في الدنيا .

ولما كانت هذه العقائد والمعارف والأخلاق والأعمال كسبية ، وكان الإنسان متمكنا من اختيار الحق على الباطل والطيب على الخبيث ، وقد هداه الله إلى ذلك بما أعطاه من العقل ، وما نزله من الوحي ، صح أن يقال : إنه ظلم نفسه وعرضها للعذاب والشقاء بأعماله التي مبدؤها كسبي ، وأثرها ضروري .

وفي قوله - تعالى - : ( ومن كفر ) . . . إلخ إيجاز بالعطف على محذوف ، علم منه أنه - تعالى - استجاب دعاء إبراهيم في المؤمنين ، فجعل لهم هذا الخبر في الدنيا ، وأعد لهم ما هو أفضل منه في الآخرة .

وهو إيجاز لم يكن يعهد في غير القرآن ، جار على الأصل الذي تقدم بيانه في خطاب القرآن للعرب خاصة دون ما كان يخاطب به بني إسرائيل ، وإن كان كل ما في القرآن عبرة عامة لجميع المعتبرين ، كما تكرر عن الأستاذ الإمام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث