الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله

[ ص: 91 ] وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم

قال جمهور المفسرين : قوله : فأولئك منكم أي مثلكم في النصر والموالاة . قال مالك : إن الآية ليست في المواريث . وقال أبو بكر بن العربي : قوله : فأولئك منكم يعني في الموالاة والميراث على اختلاف الأقوال ، أي اختلاف القائلين في أن المهاجر يرث الأنصاري والعكس ، وهو قول فرقة . وقالوا : إنها نسخت بآية المواريث .

عطف جملة على جملة فلا يقتضي اتحادا بين المعطوفة والمعطوف عليها ولكن وقوع هذه الآية بإثر التقاسيم يؤذن بأن لها حظا في إتمام التقسيم وقد جعلت في المصاحف مع التي قبلها آية واحدة .

فيظهر أن التقاسيم السابقة لما أثبتت ولاية بين المؤمنين ، ونفت ولاية من بينهم وبين الكافرين ، ومن بينهم وبين الذين آمنوا ولم يهاجروا حتى يهاجروا ، ثم عادت على الذين يهاجرون من المؤمنين بعد تقاعسهم عن الهجرة بالبقاء في دار الكفر مدة ، فبينت أنهم إن تداركوا أمرهم وهاجروا يدخلون بذلك في ولاية المسلمين وكان ذلك قد يشغل السامعين عن ولاية ذوي أرحامهم من المسلمين - جاءت هذه الآية تذكر بأن ولاية الأرحام قائمة وأنها مرجحة لغيرها من الولاية فموقعها كموقع الشروط . وشأن الصفات والغايات بعد الجمل المتعاطفة أنها تعود إلى جميع تلك الجمل ، وعلى هذا الوجه لا تكون هذه الآية ناسخة لما اقتضته الآيات قبلها من الولاية بين المهاجرين والأنصار بل مقيدة الإطلاق الذي فيها .

وظاهر لفظ الأرحام جمع رحم وهو مقر الولد في بطن أمه ، فمن العلماء من أبقاه على ظاهره في اللغة فجعل المراد من أولي الأرحام ذوي القرابة الناشئة عن الأمومة ، وهو ما درج عليه جمهور المفسرين ، ومنهم من جعل المراد من الأرحام العصابات دون المولودين بالرحم . قاله القرطبي ، واستدل له بأن لفظ الرحم يراد به العصابة ، كقول العرب في الدعاء وصلتك رحم ، وكقول قتيلة بنت النضر بن الحارث :

ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تـمـزق

[ ص: 92 ] حيث عبرت عن نوش بني أبيه بتمزيق أرحام .

وعلم من قوله : " أولي " هو صيغة تفضيل أن الولاية بين ذوي الأرحام لا تعتبر إلا بالنسبة لمحل الولاية الشرعية فأولو الأرحام أولى بالولاية ممن ثبتت لهم ولاية تامة أو ناقصة كالذين آمنوا ولم يهاجروا في ولاية النصر في الدين إذ لم يقم دونها مانع من كفر أو ترك هجرة . فالمؤمنون بعضهم لبعض أولياء ولاية الإيمان ، وأولو الأرحام منهم بعضهم لبعض أولياء ولاية النسب ، ولولاية الإسلام حقوق مبينة بالكتاب والسنة ، ولولاية الأرحام حقوق مبينة أيضا ، بحيث لا تزاحم إحدى الولايتين الأخرى ، والاعتناء بهذا البيان مؤذن بما لوشائج الأرحام من الاعتبار في نظر الشريعة فلذلك علقت أولوية الأرحام بأنها كائنة في كتاب الله أي في حكمه .

وكتاب الله قضاؤه وشرعه ، وهو مصدر ، إما باق على معنى المصدرية ، أو هو بمعنى المفعول ، أي مكتوبة كقول الراعي كان كتابها مفعولا ، وجعل تلك الأولوية كائنة في كتاب الله كناية عن عدم تعبيرها لأنهم كانوا إذا أرادوا توكيد عهد كتبوه . قال الحارث بن حلزة :

حذر الجور والتطاخي وهل     ينقض ما في المهارق الأهواء

فتقييد أولوية أولي الأرحام بأنها في كتاب الله للدلالة على أن ذلك حكم فطري قدره الله وأثبته بما وضع في الناس من الميل إلى قراباتهم ، كما ورد في الحديث إن الله لما خلق الرحم أخذت بقائمة من قوائم العرش وقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة الحديث . فلما كانت ولاية الأرحام أمرا مقررا في الفطرة ، ولم تكن ولاية الدين معروفة في الجاهلية بين الله أن ولاية الدين لا تبطل ولاية الرحم إلا إذا تعارضتا ; لأن أواصر العقيدة والرأي أقوى من أواصر الجسد ، فلا يغيره ما ورد هنا من أحكام ولاية الناس بعضهم بعضا ، وبذلك الاعتبار الأصلي لولاية ذوي الأرحام كانوا مقدمين على أهل الولاية ، حيث تكون الولاية ، وينتفي التفضيل بانتفاء أصلها ، فلا ولاية لأولي الأرحام إذا كانوا غير مسلمين .

[ ص: 93 ] واختلف العلماء في أن ولاية الأرحام هنا هل تشمل ولاية الميراث : فقال مالك بن أنس هذه الآية ليست في المواريث أي فهي ولاية النصر وحسن الصحبة ، أي فتقصر على موردها . ولم يرها مساوية للعام الوارد على سبب خاص إذ ليست صيغتها صيغة عموم لأن مناط الحكم قوله : أولى ببعض لا قوله : أولو الأرحام

وقال جماعة : تشمل ولاية الميراث ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : نسخت هذه الولاية بآية المواريث فبطل توريث ذوي الأرحام بقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر فيكون تخصيصا للعموم عندهم .

وقال جماعة : يرث ذوو الأرحام وهم مقدمون على أبناء الأعمام . وهذا قول أبي حنيفة وفقهاء الكوفة ، فتكون هذه الآية مقيدة لإطلاق آية المواريث ، وقد علمت مما تقدم كله أن في هذه الآيات غموضا جعلها مرامي لمختلف الأفهام والأقوال . وأيا ما كانت فقد جاء بعدها من القرآن والسنة ما أغنى عن زيادة البسط .

وقوله : إن الله بكل شيء عليم تذييل هو مؤذن بالتعليل لتقرير أولوية ذوي الأرحام بعضهم ببعض فيما فيه اعتداد بالولاية ، أي إنما اعتبرت تلك الأولوية في الولاية لأن الله قد علم أن لآصرة الرحم حقا في الولاية هو ثابت ما لم يمانعه مانع معتبر في الشرع لأن الله بكل شيء عليم . وهذا الحكم مما علم الله أن إثباته رفق ورأفة بالأمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث