الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بلاغ مالك أن الهلال رؤي في زمان عثمان بعشي فلم يفطر عثمان حتى غابت الشمس

13763 - وأما قول مالك : " من رأى هلال رمضان وحده فإنه يصوم ، لا ينبغي له أن يفطر ، وهو يعلم أن ذلك اليوم من رمضان ، ومن رأى هلال شوال وحده فإنه لا يفطر ; لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس بمأمون "

التالي السابق


فلا أعلم خلافا في هلال رمضان أنه من رآه يلزمه الصوم إلا عطاء بن أبي رباح ، فإنه قال : لا يصوم وحده ، ولا يفطر وحده وإن رآه .

13764 - واتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم فيمن رأى هلال [ ص: 25 ] رمضان وحده أنه يصوم .

13765 - وهو قول الثوري ، والحسن بن حي ، وأحمد بن حنبل ، لا يسعه عندهم غير ذلك .

13766 - وهو قول أبي ثور .

13767 - واختلفوا في هلال شوال يراه الرجل وحده ، : فقال مالك ، وأبو حنيفة : لا يفطر .

13768 - وهو قول أحمد بن حنبل .

13769 - وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كره لمن رأى هلال شوال وحده أن يفطر .

13770 - وقال الشافعي : يفطر الذي رأى هلال شوال وحده ، إذا لم يشك فيه ، فإن شك أو خاف أن يتهم لم يأكل .

13771 - وهو قول أبي ثور .

13772 - قال : ولا يسعه أن يصوم ، فإن خاف التهمة اعتقد الفطر ، وأمسك عن الأكل والشرب .

13773 - وقال مالك : من رأى هلال رمضان وحده ، فأفطر عامدا كان عليه القضاء والكفارة .

[ ص: 26 ] 13774 - وقال أبو حنيفة : عليه القضاء ولا كفارة عليه ؛ للشبهة .

13775 - وهذا قول أكثر الفقهاء .

13776 - قال أبو عمر : لم يذكر مالك في موطئه حكم إشهاده على هلال رمضان ، وذكره غير واحد من أصحابه عنه ، ولم يختلف قوله وقول أصحابه أنه لا يجوز على شهادة رمضان أقل من رجلين عدلين ، وهلال شوال ، وسائر الأحكام .

13777 - وقال الشافعي فيما ذكر عنه المزني : إن شهد على هلال رمضان شاهد واحد عدل رأيت أن أقبله ; للأثر الذي جاء فيه .

13778 - قال : القياس ألا يقبل فيه إلا شهادة عدلين .

13779 - قال : وأما هلال الفطر فلا يقبل فيه إلا عدلان .

13780 - والذي ذكر المزني عن الشافعي في قبول شهادة الواحد في هلال رمضان - هو قول الكوفيين ، وابن المبارك ، وأحمد .

13781 - وقال إسحاق : لا يقبل في هلال رمضان وشوال إلا عدلان .

13782 - وقال أبو بطين ، عن الشافعي : ولا يصام رمضان ، ولا يفطر منه بأقل من عدلين حرين لسائر الحقوق .

13783 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا كان في السماء علة ; قبلت شهادة رجل عدل في هلال رمضان .

[ ص: 27 ] 13784 - قالوا : وإن لم تكن في السماء علة ; قبلت شهادة رجل عدل في هلال رمضان .

13785 - قالوا : وإن لم تكن في السماء علة ; قبلت شهادة رجل عدل في هلال رمضان .

13786 - قالوا : وإن لم تكن في السماء علة ; لم تقبل إلا شهادة عدلين .

13787 - وهذا قول داود ، وطائفة من أصحاب الظاهر .

13788 - وقال الثوري ، والأوزاعي ، والليث ، والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن كقول مالك : يقبل في الشهادة على هلال شوال عدلان في الصحو والغيم ، ولا يقبل أقل من عدلين .

13789 - وهو قول الشافعي .

13790 - قال أبو عمر : حديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أجاز شهادة الأعرابي وحده في هلال رمضان ، مختلف فيه ، فمنهم من أسنده ، وأكثرهم أرسله عن عكرمة .

13791 - كذلك رواه الثوري ، وجماعة ، وعن سماك بن حرب ، عن عكرمة [ ص: 28 ] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا وهو قول أكثر الفقهاء .

13792 - ورواه زائدة بن قدامة ، والوليد بن ثور ، وحماد بن سماك ، عن حماد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسندا .

13793 - ورواه ابن وهب ، عن يحيى بن عبد الله بن سالم ، عن أبي بكر بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : تراءى الناس الهلال ، فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته ، فصام وأمر الناس بالصيام .

13794 - واختلف العلماء في حكم هلال رمضان أو شوال يراه أهل بلد دون [ ص: 29 ] غيرهم .

13795 - فكان مالك - فيما رواه عنه ابن القاسم والمصريون - إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه فعليهم القضاء لذلك اليوم الذي أفطروه ، ولصيام غيرهم برؤية صحيحة .

13796 - وهو قول الليث ، والشافعي ، والكوفيين ، وأحمد . 13797 - وروى المدنيون ، عن مالك ، وهو قول المغيرة ، وابن دينار ، وابن الماجشون : إن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه ، إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك .

13798 - أما اختلاف الأعمال والسلاطين فلا ، إلا في البلد الذي رأى فيه الهلال وفي عمله هذا بمعنى قولهم .

13799 - وروي عن ابن عباس أنه قال : لكل قوم رؤيتهم .

13800 - وبه قال عكرمة ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وإليه ذهب ابن المبارك ، وإسحاق ابن راهويه ، وطائفة .

13801 - قال أبو عمر : حجة من قال بهذا القول ما أخبرنا به أبو محمد عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، قال : حدثني محمد بن أبي حرملة ، قال : أخبرني كريب ، أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ، قال : فقدمت الشام ، فقضيت حاجتها ، فاستهل [ ص: 30 ] رمضان وأنا بالشام ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني ابن عباس ، ثم ذكر الهلال ، فقال : متى رأيتم الهلال ؟ قلت : رأيته ليلة الجمعة . قال : أنت رأيته ؟ قلت : نعم ، ورآه الناس ، وصاموا وصام معاوية . قال : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين أو نراه . فقلت : أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ قال : لا ؛ هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

13802 - وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا حمزة بن محمد بن علي ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب النسوي ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، قال : حدثنا محمد بن أبي حرملة ، قال : أخبرني كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام ، قال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها ، فاستهل علي هلال رمضان ، وذكر رمضان . . . ، الحديث سواء كما تقدم لأبي بكر .

13803 - قال أبو عمر : قد أجمعوا أنه لا تراعى الرؤية فيما أخر من البلدان ، كالأندلس من خراسان ، وكذلك كل بلد له رؤيته إلا ما كان كالمصر الكبير ، وما تقاربت أقطاره من بلاد المسلمين - والله أعلم - . 13804 - وأما قول مالك في الناس يصومون يوم الفطر لرؤيته من رمضان ، فيأتيهم الثبت أن هلال شوال قد رؤي البارحة ، أو هلال رمضان قد رؤي قبل أن [ ص: 31 ] يصوموا بيوم ، وأن يومهم ذلك يوم الفطر أحد وثلاثون يوما ، فإنهم يفطرون ذلك اليوم أي ساعة جاءهم الخبر ، غير أنهم لا يصلون صلاة العيد ، إن كان ذلك جاءهم بعد زوال الشمس .

13805 - وقد مضى ما للعلماء في معنى ما ذكر إلا في صلاة العيد ، فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك .

13806 - فمذهب مالك الذي لا خلاف فيه عنه وعن أصحابه أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم العيد ، ولا في يوم العيد بعد زوال الشمس .

13807 - واختلف قول الشافعي في هذه المسألة ، فمرة قال بقول مالك : لا تصلى صلاة العيد بعد الزوال .

13808 - واختاره المزني ، وقال : إذا لم يجز أن تصلى في يوم العيد بعد الزوال ، فاليوم الثاني أبعد من وقتها وأحرى أن لا تصلى فيه .

[ ص: 32 ] 13809 - وعن الشافعي رواية أخرى أنها تصلى في اليوم الثاني ضحى .

13810 - وقال البويطي عنه : لا تصلى بعد إلا إن ثبت في ذلك حديث .

13811 - قال أبو عمر : لو قضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض ، وقد أجمعوا في سائر السنن أنها لا تقضى ، فهذه مثلها .

13812 - وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد ذكر الطحاوي ، قال : كان ابن أبي عمر يحكي أن أبا حنيفة كان يقول : إذا لم تدرك صلاة العيد حتى تزول الشمس ; لم تصل بعد .

13813 - وقال أبو يوسف في " الإملاء " : إذا فاتتهم الصلاة يوم العيد بزوال الشمس صلاها بها إمامهم من الغد ما بينهم وبين الزوال ، فإن لم يفعل لم يصل بعد هذا في الفطر ، وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث .

13814 - وقال ابن سماعة مثل ذلك عن محمد بن الحسن ، ولم يذكر خلافا .

13815 - وقال الثوري : في الفطر يخرجون من الغد .

13816 - وقال أحمد : يخرجون في الغد .

13817 - وقال الحسن بن حي : لا يخرجون في الفطر ، ويخرجون في الأضحى .

13818 - قال أبو عمر : لأن الأضحى أيام عيد ، وهي صلاة عيد ، وليس للفطر صلاة عيد إلا واحد ، فإذا لم تصل فيه لم تقض في غيره ; لأنها ليست بفريضة فتقضى .

13819 - وقال الليث بن سعد : يخرجون في الفطر والأضحى من الغد .

[ ص: 33 ] 13820 - وقال الأوزاعي : إذا شهد على رؤية هلال شوال بعد الزوال أنهم رأوه بالأمس أفطر الناس ، ولو كان ذلك قبل مغيب الشمس بيسير وخرجوا إلى مصلاهم من الغد .

13821 - والحجة لمن قال إنها تصلى من الغد حديث هشيم وغيره ، عن أبي بشر ، عن أبي عمير بن أنس ، عن عمومة أمه من الأنصار أنهم حدثوه قالوا : أغمي علينا هلال شوال ; فأصبحنا صياما ، فجاء ركب من آخر النهار ، فشهدوا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم رأوه بالأمس ، فأمر النبي - عليه السلام - الناس أن يفطروا من يومهم ويخرجوا لصلاتهم من الغد .

13822 - أخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمر بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثني شعبة ، قال : حدثني أبو بشر ، عن أبي عمير بن أنس ، عن عمومة له ، أن قوما رأوا الهلال وأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمرهم أن يفطروا بعد ما ارتفع النهار ، وأن يخرجوا إلى العيد من الغد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث