الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خروج النبي إلى مكة عام الفتح صائما ثم أفطر وأمره الناس بذلك

جزء التالي صفحة
السابق

653 [ ص: 64 ] ( 7 ) باب ما جاء في الصيام في السفر

613 - ذكر في هذا الباب عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله [ ص: 65 ] بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن عباس ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان ، فصام حتى بلغ الكديد ، ثم أفطر ; فأفطر الناس ، وكانوا يأخذون بالأحدث ، فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 66 ] 614 - وذكر عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس في سفره - عام الفتح - بالفطر ، وقال : " تقووا لعدوكم " وصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال أبو بكر : قال الذي حدثني : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج يصب الماء على رأسه من العطش أو من الحر . ثم قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله . إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت . قال : فلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكديد ، دعا بقدح فشرب ، فأفطر الناس .

615 - وذكر عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ; أنه قال : سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم .

[ ص: 67 ] 616 - وذكر عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن حمزة بن عمرو الأسلمي ، قال : لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، إني رجل أصوم ، أفأصوم في السفر ؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر " .

617 - وذكر عن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان لا يصوم في السفر .

618 - وذكر عن هشام بن عروة ، عن أبيه ; أنه كان يسافر في [ ص: 68 ] رمضان ، ونسافر معه ، فيصوم عروة ، ونفطر نحن . فلا يأمرنا بالصيام .

التالي السابق


13934 - قال أبو عمر : قوله " وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يقولون : إنه من كلام ابن شهاب .

13935 - وفيه دليل أن في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناسخا ومنسوخا .

[ ص: 69 ] 13936 - واحتج من ذهب إلى أن الفطر أفضل في السفر ; لأن آخر فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفطر في السفر .

[ ص: 70 ] 13937 - ورواه معمر عن الزهري ، وقال فيه : قال الزهري : فكان الفطر آخر الأمرين .

13938 - وفي هذا الحديث إباحة السفر في رمضان .

13939 - وفي ذلك رد لقول من قال : من دخل عليه رمضان لم يجز له أن يسافر فيه إلا أن يصوم ; لأنه قد لزمه صومه في الحضر ، ولو دخل عليه رمضان في سفره كان له أن يفطر في سفره ذلك .

[ ص: 71 ] 13940 - وقد أوضحنا معنى هذا القول ومن قال به فيما بعد من هذا الكتاب .

13941 - وفي هذا الحديث أيضا رد لقول من زعم أن الصيام في السفر لا يجزئ ; لأن الفطر عزيمة من الله تعالى .

13942 - روي معنى ذلك عن عمر ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن عباس - على اختلاف عنه ، وعن الحسن البصري [ ص: 72 ] مثله .

13943 - وبه قال قوم من أهل الظاهر .

13944 - وأحاديث هذا الباب تدفع هذا القول ، وتقضي بجواز الصوم للمسافر إن شاء ، وأنه مخير : إن شاء صام ، وإن شاء أفطر ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صام في السفر وأفطر .

13945 - وعلى التخيير في الصوم أو الفطر للمسافر جمهور العلماء ، وجماعة فقهاء الأمصار .

13946 - وفيه أيضا رد لقول علي - رضوان الله عليه - أنه من استهل عليه رمضان مقيما ثم سافر أنه ليس له أن يفطر ; لقول الله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ البقرة - 185 ] .

13947 - والمعنى عندهم : من أدركه رمضان مسافرا أفطر ، وعليه عدة من أيام أخر ، ومن أدركه حاضرا فليصمه .

13948 - روى حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة ، عن علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - قال : من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم ; لأن الله تعالى يقول : فمن شهد منكم الشهر فليصمه [ ص: 73 ] [ البقرة : 185 ] .

13949 - وبه قال عبيدة ، وسويد بن غفلة ، وأبو [ ص: 74 ] مجلز .

13950 - كذا ، قال أبو مجلز : لا يسافر أحد في رمضان ، فإن سافر ولا بد فليصم .

13951 - وقوله مردود ; لسفر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ، وإفطاره فيه .

13952 - واختلف العلماء في فطر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المذكور في هذا الحديث .

13953 - فقال قوم : معناه أنه أصبح مفطرا فقدم الفطر في ليلة ، فتمادى عليه في سفره .

13954 - وهذا جائز للمسافر بإجماع الأمة إن اختار الفطر إن بيته في سفره .

13955 - وقال آخرون : معناه أنه أفطر في نهاره بعد أن مضى صدر منه ، وأن الصائم جائز له أن يفعل ذلك في سفره .

[ ص: 75 ] 13956 - واحتجوا بما حدثنا أحمد بن قاسم ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا حماد ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سافر في رمضان ، فاشتد الصوم على رجل من أصحابه فجعلت ناقته تهيم به تحت الشجر ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمره فدعا لبنا ، فلما رآه الناس على يده أفطروا .

13957 - وبحديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان ، فصام حتى بلغ كراع الغميم ; فصام الناس وهم مشاة وركبان ، فقيل له أن الناس قد شق عليهم الصوم ، وإنما ينظرون إلى ما فعلت ، فدعا بقدح من ماء ، فرفعه حتى نظر الناس إليه ، ثم شرب فأفطر بعض الناس وصام بعض ، فقيل للنبي - عليه السلام - : إن بعضهم قد صام ، فقال : " أولئك العصاة " .

13958 - واختلف العلماء في الذي يختار الصوم في السفر فيبيت الصيام ، [ ص: 76 ] ويبيت صائما ، ثم يفطر نهارا من غير عذر : فكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة ; لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر ، فلما اختار الصوم وبيته لزمه ولم يكن له الفطر ، فإن أفطر عامدا من غير عذر فعليه القضاء والكفارة .

13959 - وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه ، وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فأنه قال : إن أفطر بجماع كفر ; لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له ; لأن المسافر إنما أبيح له الفطر ; ليقوى بذلك على سفره .

13960 - وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز : إنه لا كفارة عليه ، منهم : الشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، وسائر فقهاء الكوفة .

13961 - وروى البويطي عن الشافعي ، قال : يفطر إن صح حديث كراع الغميم ، لم أر بأسا أن يفطر المسافر بعد دخوله في الصوم .

13962 - وروى عنه المزني أنه لا يفطر ، فإن أفطر فلا كفارة عليه .

13963 - قال أبو عمر : الحجة في سقوط الكفارة واضحة من جهة الأثر المذكور عن جابر ، ومن جهة النظر أيضا ; لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه ، وهو مسافر قد دخل في عموم إباحة الفطر .

13964 - وأما حديث سمي فهو مسند صحيح ، ولا فرق فيه بين أن يسمي التابع الصاحب الذي حدثه أو لا يسميه - في جواز العمل بحديثه ; لأن الصحابة كلهم عدول مرضيون ، وهذا أمر مجتمع عليه عند أهل العلم بالحديث .

[ ص: 77 ] 13965 - وقد روى معنى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ابن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، وجابر .

13966 - وفيه أيضا من الفقه ، أن المسافر جائز له الصوم في السفر بخلاف ما روي فيه عمن قدمنا ذكره .

13967 - وأما حديث حميد عن أنس ، فإن ابن وضاح ، زعم أن مالكا لم يتابع على قوله فيه : " كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أو سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . . " فقال : إنما الحديث عن حميد ، عن أنس أنه قال : " كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسافرون ، فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم ; فلا يعيب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم . . " ليس فيه ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أنه كان شاهدهم في حالهم تلك .

13968 - وهذا غلط منه ، وقلة معرفة بالأثر ، وقد تابع مالكا على ذلك جماعة من الحفاظ منهم : أبو إسحاق الفزاري ، وأنس بن عياض ، ومحمد بن عبد الله الأنصاري ، وعبد الوهاب الثقفي ، كلهم رووه عن حميد ، عن أنس بلفظ حديث مالك : " سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . " سواء .

[ ص: 78 ] 13969 - وقد ذكرنا أسانيد ذلك كله في " التمهيد " .

13970 - وروى ابن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل لفظ حديث أنس .

13971 - وما أعلم أحدا روى حديث أنس على ما حكاه ابن وضاح إلا يحيى بن سعيد القطان ، عن حميد ، عن أنس ، قال : " كنا نسافر مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ، منا الصائم ، ومنا المفطر ، فلا يعيب هذا على هذا ، ولا هذا على هذا " .

13972 - ومن هنا ، قال ابن وضاح ما قاله مما ذكرنا عنه - والله أعلم - لأنه قد روى من حديث القطان ثلاثة أجزاء قد كتبناها عن شيوخنا ، وفيها هذا الحديث كما ذكر ، وليس بشيء ، والذي رواه الحفاظ أولى .

13973 - وفي الحديث من الفقه : رد قول من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه الصوم .

13974 - وقد ذكرنا القائلين فيما تقدم من هذا الباب .

13975 - ولا حجة لأحد من السنة الثابتة .

13976 - وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صام في السفر ولم يعب على من أفطر ، ولا على من صام . فثبتت حجته ووجب التسليم له .

13977 - وإنما اختلف الفقهاء في الأفضل من الفطر في السفر أو الصوم فيه لمن قدر عليه .

[ ص: 79 ] 13978 - " فروينا عن عثمان بن أبي العاص ، وأنس بن مالك صاحبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهما قالا : الصوم في السفر أفضل ، لمن قدر عليه .

13979 - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، وهو نحو قول مالك ، والثوري ، قالا : الصوم في السفر أحب إلينا لمن قدر عليه ، فاستدللنا أنهم لم يستحسنوه إلا أنه أفضل عندهم .

13980 - وقال الشافعي : وهو مخير ، ولم يفضل .

13981 - وهو قول ابن علية .

13982 - وقد روي عن الشافعي أن الصوم أحب إليه .

13983 - وروي عن ابن عمر ، وابن عباس ، أن الرخصة أفضل .

13984 - وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد وقتادة ، والأوزاعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه كلهم يقول : الفطر أفضل ; لقوله - عز وجل - : يريد الله بكم اليسر [ البقرة : 185 ] .

13985 - قرأت على عبد الوارث ، عن قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن يزيد قراءة عليه ، قال : حدثنا موسى بن معاوية ، قال : حدثنا وكيع ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن جابر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس من البر الصوم في السفر ، عليكم برخصة الله فاقبلوها " .

[ ص: 80 ] 13986 - وقد روي عن ابن عباس في المسافر : إن شاء صام ، وإن شاء أفطر .

13987 - وهو الثابت عن النبي - عليه السلام - من حديث أنس ، وحمزة بن عمرو ، وابن عباس ، وابن سعيد .

13988 - قال أبو عمر : كان حذيفة ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، [ ص: 81 ] وأبو جعفر محمد بن علي لا يصومون في السفر . وكان عمرو بن ميمون ، والأسود بن يزيد ، وأبو وائل يصومون في السفر ، وكان ابن عمر يكره الصيام في السفر .

13989 - فإن قال قائل ممن يميل إلى قول أهل الظاهر في هذه المسألة : قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " ليس من البر الصيام في السفر " وما لم يكن من البر فهو من الإثم ، يذكر ذلك أن صوم رمضان لا يجزئ في السفر .

13990 - فالجواب أن هذا الحديث خرج لفظه على بعض معين ، وهو رجل رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم ، قد ظلل عليه ، وهو يجود بنفسه ، فقال ذلك القول ، أي ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ ، والله رخص له في الفطر " .

13991 - حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن الجهم ، ومحمد بن أبي العوام ، قالا : حدثنا روح بن عبادة ، قال : حدثنا شعبة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عمرو بن حسن ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه ، فقال : " ما هذا ؟ " فقالوا : صائم . فقال : " ليس من البر أن تصوموا في السفر " .

13992 - قال أبو عمر : يعني إذا بلغ الصوم من أحدكم هذا المبلغ - والله أعلم - .

13993 - قال أبو عمر : الدليل على صحة هذا التأويل صوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، ولو كان الصوم في السفر إثما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبعد الناس منه .

[ ص: 82 ] 13994 - ويحتمل قوله - عليه السلام - : " ليس من البر الصيام في السفر " هو أبر البر ; لأنه قد يكون الإفطار أبر منه إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه .

13995 - وقد يكون الفطر في السفر المباح برا ; لأن الله تعالى أباحه .

13996 - وقوله : " ليس من البر " و " ليس البر " سواء ، إلا أن العرب تقول : ما جاءني من أحد - تريد ما جاءني أحد - .

13997 - ونظير هذا من كلامه - صلى الله عليه وسلم - : " ليس المسكين بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان " قيل : فمن المسكين ؟ قال : " الذي سئل ولا عليه " .

13998 - وقالت عائشة : إن المسكين ليقف على بابي . . . الحديث . [ ص: 83 ] 13999 - ومعلوم أن الطواف مسكين ، وأنه من أهل الصدقة لقوله عز وجل : إنما الصدقات للفقراء والمساكين [ التوبة : 60 ] .

14000 - وأجمعوا أن الطواف منهم ، فعلم أن قوله - عليه السلام - : " ليس المسكين بالطواف " معناه : ليس السائل بأشد الناس مسكنة ; لأن المتعفف الذي لا يسأل الناس أشد مسكنة منه .

14001 - وكذلك قوله - عليه السلام - : " ليس من البر الصيام في السفر " ; لأن الفطر فيه بر أيضا لمن شاء أن يأخذ برخصة الله تعالى ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " إذا وقف المسكين على باب أحدكم فليبره ولو بتمرة " .

14002 - فأما من احتج بقوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ البقرة : 185 ] ، وزعم أن ذلك عزمة ، فلا دليل على ذلك ; لأن ظاهر الكلام وسياقه يدل على الرخصة والتخيير .

14003 - والدليل على ذلك قوله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] .

14004 - ودليل آخر ، أن المريض الحامل على نفسه إذا صام فإن ذلك يجزئ عنه ، فدل ذلك أنه رخصة له ، والمسافر في المعنى مثله ، والله الموفق للصواب .

14005 - وأما حديث حمزة بن عمرو ، فإن يحيى رواه عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن حمزة بن عمرو وسائر أصحاب مالك رواه عن هشام ، عن [ ص: 84 ] أبيه ، عن عائشة .

14006 - كذلك رواه جماعة عن هشام ، منهم : حماد بن سلمة ، وابن عيينة ، ومحمد بن عجلان ، ويحيى القطان ، وابن نمير ، وأبو أسامة ، ووكيع وأبو معاوية ، والليث بن سعد ، وأبو حمزة ، وأبو إسحاق الفزاري ; كلهم ذكروا فيه عائشة .

14007 - ورواه أبو معشر المدني ، وجرير بن عبد الحميد ، والمفضل بن فضالة ، عن هشام ، عن أبيه ، أن حمزة بن عمرو كما رواه يحيى عن مالك .

14008 - ورواه ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير ، عن أبي مراوح ، عن حمزة بن عمر .

14009 - وأبو الأسود ثبت في عروة ، قد خالف هشاما فجعل الحديث عن عروة ، عن أبي مراوح ، عن حمزة بن عمرو . وعن عروة ، عن عائشة .

14010 - ورواية أبي الأسود تدل أن رواية يحيى ليست بخطأ .

14011 - وقد روى سليمان بن يسار هذا الحديث عن حمزة بن عمرو الأسلمي ، وسنه قريب من سن عروة ، والحديث صحيح لعروة ، وقد يجوز أن يكون عروة سمعه من عائشة ، ومن أبي مراوح جميعا عن حمزة ، فحدث به عن كل واحد [ ص: 85 ] منهما وأرسله أحيانا ، والله أعلم .

14012 - وفي هذا الحديث : التخيير للصائم في سفره بين الفطر والصيام .

14013 - وهو مذهب جماعة فقهاء الأمصار .

14014 - روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، قال : دعا عمر بن عبد العزيز : سالم بن عبد الله ، وعروة بن الزبير ، فسألهما عن الصيام في السفر ؟ فقال عروة : نصوم . وقال سالم : لا نصوم . فقال عروة : إنما أحدث عن عائشة . وقال سالم : إنما أحدث عن عبد الله بن عمر ، فلما امتريا ، قال : عمر بن عبد العزيز : اللهم اغفر ، أصومه في اليسر ، وأفطره في العسر .

14015 - وأما حديثه عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يصوم في السفر ، فيحتمل أن يكون على الاختيار ، فيكون أحد القائلين بأن الفطر في السفر أفضل ، وقد مضت الحجة لهذا القول وعليه .

14016 - وكان عروة أحد المختارين للصوم في السفر ، وقد ذكرنا ذلك كله والحمد لله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث