الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : ولزمه الليالي بنذر اعتكاف أيام ) كقوله بلسانه لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام ، أو ثلاثين يوما ; لأن ذكر الأيام على سبيل الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي يقال ما رأيتك منذ أيام والمراد بلياليها وأشار إلى أنه يلزمه الأيام بنذر اعتكاف الليالي ; لأن ذكر أحد العددين على طريق الجمع ينتظم ما بإزائه من العدد الآخر لقصة زكريا عليه السلام فإنه قال الله تعالى { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } وقال في آية أخرى { قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } والقصة واحدة والرمز الإشارة باليد أو بالرأس ، أو بغيرهما وهذا عند نيتهما ، أو عدم النية أما لو نوى في الأيام النهار خاصة صحت نيته ; لأنه نوى حقيقة كلامه بخلاف ما إذا نوى بالأيام الليالي خاصة لم تعمل نيته ولزمه الليالي والنهار ; لأنه نوى ما لا يحتمله كلامه كذا في البدائع كما إذا نذر أن يعتكف شهرا ونوى النهار خاصة ، أو الليل خاصة لا تصح نيته ; لأن الشهر اسم لعدد مقدر مشتمل على الأيام والليالي فلا يحتمل ما دونه إلا أن يصرح ويقول شهرا بالنهار لزمه كما قال أو يستثني ويقول إلا الليالي ; لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا فكأنه قال ثلاثين نهارا ، ولو نذر ثلاثين ليلة ونوى الليالي خاصة صح ; لأنه نوى الحقيقة ولا يلزمه شيء ; لأن الليالي ليست محلا للصوم كذا في الكافي

وكذا لو نذر أن يعتكف شهرا واستثنى الأيام لا يجب عليه شيء ; لأن الباقي الليالي المجردة ولا يصح فيها لمنافاتها شرطه وهو الصوم كذا في فتح القدير قيدنا كونه نذر بلسانه ; لأن مجرد نية القلب لا يلزمه بها شيء ( قوله وليلتان بنذر يومين ) يعني لزمه اعتكاف ليلتين مع يوميهما إذا نذر اعتكاف يومين ; لأن المثنى كالجمع فحاصله أنه إما أن يأتي بلفظ المفرد ، أو المثنى أو المجموع وكل منهما إما أن يكون اليوم ، أو الليل فهي ستة وكل منها إما أن ينوي الحقيقة ، أو المجاز ، أو ينويهما ، أو لم تكن له نية فهي أربعة وعشرون وقد تقدم حكم المجموع والمثنى بأقسامهما بقي حكم المفرد فإن قال لله علي أن أعتكف يوما فقط سواء نواه أو لم تكن له نية ولا يدخل ليلته ويدخل المسجد قبل الفجر ويخرج بعد الغروب فإن نوى الليلة معه لزماه ، ولو نذر اعتكاف ليلة لم يصح سواء كان نواها فقط ، أو لم تكن له نية فإن نوى اليوم معها لم يصح كما قدمناه عن الظهيرية

وفي فتاوى قاضي خان لو نذر اعتكاف ليلة ونوى اليوم لزمه الاعتكاف وإن لم ينو لم يلزمه شيء ولا معارضة لما في [ ص: 329 ] الكتابين ; لأن ما في الظهيرية إنما هو أنه نوى اليوم معها وهنا نوى بالليلة فليتأمل وفي الكافي ومتى دخل في اعتكافه الليل والنهار فابتداؤه من الليل ; لأن الأصل أن كل ليلة تتبع اليوم الذي بعدها ألا ترى أنه يصلي التراويح في أول ليلة من رمضان ولا يفعل ذلك في أول ليلة من شوال وفي فتاوى الولوالجي من كتاب الأضحية الليلة في كل وقت تبع لنهار يأتي إلا في أيام الأضحى تبع لنهار ما مضى رفقا بالناس . ا هـ .

وفي المحيط من كتاب الحج والليالي كلها تابعة للأيام المستقبلة لا للأيام الماضية إلا في الحج فإنها في حكم الأيام الماضية فليلة عرفة تابعة ليوم التروية وليلة النحر تابعة ليوم عرفة . ا هـ .

فتحصل أنها تبع لما يأتي إلا في ثلاثة مواضع

وأما قوله تعالى { ولا الليل سابق النهار } فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره إن سلطان الليل وهو القمر ليس يسبق الشمس وهي سلطان النهار وقيل تفسيره الليل لا يدخل وقت النهار وأطال الكلام في بيان الوجه الأول فراجعه فعلى هذا إذا ذكر المثنى ، أو المجموع يدخل المسجد قبل الغروب ويخرج بعد الغروب من آخر يوم نذره كما صرح به قاضي خان في فتاويه وصرح بأنه إذا قال أياما يبدأ بالنهار فيدخل المسجد قبل طلوع الفجر . ا هـ .

فعلى هذا لا يدخل الليل في نذر الأيام إلا إذا ذكر له عددا معينا كما لا يخفى ثم الأصل أنه متى دخل في اعتكافه الليل والنهار فإنه يلزمه متتابعا ولا يجزيه لو فرق ومتى لم يدخل الليل جاز له التفريق كالتتابع فإذا نذر اعتكاف شهر لزمه شهر بالأيام والليالي متتابعا في ظاهر الرواية بخلاف ما إذا نذر أن يصوم شهرا لا يلزمه التتابع كذا في البدائع وفتاوى قاضي خان وفي الخلاصة من الأيمان من الجنس الثالث في النذر ، ولو قال لله علي صوم شهران قال صوم شهر بعينه كرجب يجب عليه التتابع ، ولو أفطر يوما يلزمه الاستقبال كما في رمضان وإنما يلزمه القضاء وإن قال لله علي صوم شهر ولم يعين إن قال متتابعا لزمه متتابعا وإن أطلق لا يلزمه التتابع وفي الاعتكاف يلزمه بصفة التتابع في المعين وغير المعين ثم في الصوم والاعتكاف أفسد يوما إن كان شهرا معينا لا يلزمه الاستقبال وإن كان غير معين لزمه . ا هـ .

يعني : لزمه الاستقبال في الصوم إن ذكر التتابع وفي الاعتكاف مطلقا وعلل له في المبسوط بأن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى وما أوجب الله متتابعا إذا أفطر فيه يوما لزمه الاستقبال كصوم الظهار والقتل والإطلاق في الاعتكاف كالتصريح بالتتابع بخلاف الإطلاق في نذر الصوم والفرق بينهما أن الاعتكاف يدوم بالليل والنهار فكان متصل الأجزاء وما كان متصل الأجزاء لا يجوز تفريقه إلا بالتنصيص عليه بخلاف الصوم فإنه لا يوجد ليلا فكان متفرقا وما كان متفرقا في نفسه لا يجب الوصل فيه إلا بالتنصيص . ا هـ .

وأطلق في النذر فشمل ما إذا نذر اعتكاف يوم العيد فإنه منعقد ويجب عليه قضاؤه في وقت آخر ; لأن الاعتكاف لا يصح إلا بالصوم والصوم فيه حرام وكفر عن يمينه إن أراد يمينا لفوات البر وإن اعتكف فيه أجزأه وقد أساء كما في الصوم كذا في فتاوى الولوالجي وغيرها وقد علم مما قدمناه في الصوم أنه لو نذر اعتكاف يوم ، أو شهر معين فاعتكف قبله يجوز لما أن التعجيل بعد وجود السبب جائز وقد صرحوا به هنا وذكروا فيه خلافا وينبغي أن لا يكون فيه خلاف كما ذكرناه وكذا يلغو تعيين المكان كما إذا نذر الاعتكاف بالمسجد الحرام فاعتكف في غيره فإنه يجوز وفي الفتاوى الظهيرية ولو نذر اعتكاف شهر ثم عاش عشرة أيام ثم مات أطعم عنه عن جميع الشهر وفي الكافي وليلة القدر في رمضان دائرة لكنها تتقدم وتتأخر وعندهما تكون في رمضان ولا تتقدم ولا تتأخر حتى لو قال [ ص: 330 ] لعبده أنت حر ليلة القدر فإن قال قبل دخول رمضان عتق إذا انسلخ الشهر وإن قال بعد مضي ليلة منه لم يعتق حتى ينسلخ رمضان من العام القابل عنده لجواز أنها كانت في الشهر الماضي في الليلة الأولى وفي الشهر الآتي في الليلة الأخيرة وعندهما إذا مضى ليلة منه في العام القابل عتق ; لأنها لا تتقدم ولا تتأخر وفي المحيط الفتوى على قول أبي حنيفة لكن قيده بما إذا كان الحالف فقيها يعرف الاختلاف وإن كان عاميا فليلة القدر ليلة السابع والعشرين وجعل مذهبهما أنها في النصف الأخير من رمضان فخالف ما في الكافي وذكر في فتاوى قاضي خان أن المشهور عن أبي حنيفة أنها تدور في السنة وقد تكون في رمضان وقد تكون في غيره وفي فتح القدير وأجاب أبو حنيفة عن الأدلة المفيدة لكونها في العشر الأواخر بأن المراد بذلك لرمضان الذي كان عليه الصلاة والسلام التمسها فيه والسياقات تدل عليه لمن تأمل طرق الأحاديث وألفاظها كقوله إن الذي تطلب أمامك وإنما كان يطلب ليلة القدر من تلك السنة ومن علاماتها أنها بلجة ساكنة لا حارة ولا قارة تطلع الشمس صبيحتها بلا شعاع كأنها طست كذا قالوا وإنما أخفيت ليجتهد في طلبها فينال بذلك أجر المجتهدين في العبادة كما أخفى سبحانه الساعة ليكونوا على وجل من قيامها بغتة والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


( قوله : كما قدمناه عن الظهيرية ) أي قبيل قوله وأقله نفلا ساعة قال الرملي تقدم قريبا أنه لو نوى اعتكاف يوم ونوى الليلة معه لزماه فما الفرق والظاهر أن الفرق وهو كون اليوم عرفا قد يستتبع الليلة لا عكسه والذي يظهر أن في المسألة اختلاف الرواية يدل عليه قول الذخيرة ولو نوى اعتكاف ليلة لا يلزمه شيء وإن نوى اليوم معها لا تصح نيته وعن أبي يوسف أنه يلزم ويصير تقدير المسألة كأنه قال لله تعالى علي أن أعتكف ليلة بيومها ا هـ .

قلت والظاهر أن الفرق غير ما قاله وهو أنه لو نذر اليوم وحده صح نذره بخلاف ما لو نذر الليلة وحدها فإنه لا يصح من أصله فلا يصح فيما يتبعها أيضا تدبر ( قوله : ولا معارضة لما في الكتابين إلخ ) بيانه أنه في الأولى لما جعل اليوم تبعا لليلة وقد بطل نذره في المتبوع وهو الليلة بطل في التابع وهو اليوم وفي الثانية أطلق الليلة وأراد اليوم مجازا مرسلا بمرتين حيث استعمل المقيد وهو الليلة في مطلق الزمن ثم استعمل هذا المطلق في المقيد وهو اليوم فكان اليوم مقصودا قاله بعض الفضلاء [ ص: 329 ] ( قوله : إلا في أيام الأضحى إلخ ) قال في الولوالجية من كتاب الحج عند ذكر رمي الجمار ولو ترك رمي جمرة العقبة حتى دخل الليل رماها في الليل ولا دم عليه ; لأن الليل في باب المناسك تبع للنهار الذي تقدم ولهذا لو وقف بعرفة ليلة النحر قبل طلوع الفجر أجزأه ذلك ( قوله : فليلة عرفة تابعة ليوم التروية ) وعليه فليوم التروية ليلتان واحدة قبله وواحدة بعده واليوم الثالث من أيام النحر لا ليلة له ولذا لو أخر طواف الركن إلى الغروب من اليوم الثالث وجب دم كما يأتي ، تأمل .

( قوله : إلا إذا ذكر له عددا معينا ) مخالف لما في الخانية أيضا حيث قال ولو قال لله علي أن أعتكف يومين لزمه الاعتكاف بليلتهما يدخل المسجد قبل غروب الشمس ويمكث تلك الليلة ويومها والليلة الثانية ويومها ويخرج بعد غروب الشمس وكذا هذا في الأيام الكثيرة يدخل قبل غروب الشمس ; لأن ليلة كل يوم تتقدم عليه ا هـ .

فكان عليه أن يقول إذا ذكر ما يدل على العدد وقد يقال إن قوله وكذا هذا في الأيام الكثيرة المراد به ما كان جمعا كثلاثة أيام مثلا لا لفظ أيام كثيرة ، تأمل .

( قوله : وفي الفتاوى الظهيرية ولو نذر اعتكاف شهر ) أي وهو صحيح كما في الولوالجية ( قوله : لكنها تتقدم وتتأخر ) أي فيه [ ص: 330 ] ( قوله : عتق إذا انسلخ الشهر ) قال الرملي لتحقق وجودها فيه ( قوله : لم يعتق حتى ينسلخ رمضان إلخ ) قال الرملي لاحتمال أنها تقدمت قبل حلفه في هذا وتأخرت إلى آخر ليلة في ذاك فلا يتحقق الشرط إلا بانسلاخه ( قوله : لأنها لا تتقدم ولا تتأخر ) قال الرملي يعني إن كانت هي الليلة الأولى فقد عتق بأول ليلة من القابل وإن كانت الثانية أو الثالثة أو الرابعة إلخ فقد وجدت في الماضي فتحقق وجودها قطعا بأول ليلة من القابل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث