الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يسقط به نصف المهر

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) حكم النقصان ، فحدوث النقصان في المهر لا يخلو إما أن يكون في يد الزوج ، وإما أن يكون في يد المرأة ، فإن كان في يد الزوج ، فلا يخلو من خمسة أوجه .

إما أن يكون بفعل أجنبي ، وإما أن يكون بآفة سماوية ، وإما أن يكون بفعل الزوج ، وإما أن يكون بفعل المهر ، وإما أن يكون بفعل المرأة ، وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون قبل قبض المهر ، أو بعده ، والنقصان فاحش أو غير فاحش ، فإن كان النقصان بفعل أجنبي ، وهو فاحش قبل القبض ; فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذت العبد الناقص ، وأتبعت الجاني بالأرش ، وإن شاءت تركت ، وأخذت من الزوج قيمة العبد يوم العقد ، ثم يرجع الزوج على الأجنبي بضمان النقصان ، وهو الأرش أما ثبوت الخيار ; فلأن المعقود عليه ، وهو المهر قد تغير قبل القبض ; لأنه صار بعضه قيمة ، ويعتبر المعقود عليه قبل القبض ، فوجب الخيار كتغير المبيع قبل القبض ، فإن اختارت أخذ العبد أتبعت الجاني بالأرش ; لأن الجناية حصلت على ملكها ، وإن اختارت أخذ القيمة ; أتبع الزوج الجاني بالأرش ; لأنه يملك العين بأداء الضمان ، فقام مقام المرأة ، فكان الأرش له ، وليس لها أن تأخذ العبد ناقصا ، وتضمن الزوج الأرش ; لأنها لما اختارت أخذه ، فقد أبرأت الزوج من ضمانه ، وإن كان النقصان بآفة سماوية ، فالمرأة بالخيار ، إن شاءت أخذته ناقصا ، ولا شيء لها غير ذلك ، وإن شاءت تركته ، وأخذت قيمته يوم العقد ; لأن المهر مضمون على الزوج بالعقد ، والأوصاف لا تضمن بالعقد لعدم ، ورود العقد عليها موصوفا ، فلا يظهر الضمان في حقها ، وإنما يظهر في حق الأصل لورود العقد عليه ، وإنما ثبت لها الخيار لتغير المعقود عليه ، وهو المهر عما كان عليه ، وهذا يثبت الخيار كالمبيع إذا انتقص في يد البائع أنه يتخير المشتري فيه كذا هذا .

وإن كان النقصان بفعل الزوج ذكر في ظاهر الرواية أن المرأة بالخيار إن شاءت أخذته ناقصا ، وأخذت معه أرش النقصان ، وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد كذا ذكر في ظاهر الرواية ، وفرق بين هذا ، وبين البائع إذا جنى على المبيع قبل القبض .

وروي عن أبي حنيفة أن الزوج إذا جنى على المهر ; فهي بالخيار إن شاءت أخذته ناقصا ، ولا شيء لها غير ذلك ، وإن شاءت أخذت القيمة ، وسوي بينه ، وبين المبيع ( ووجه ) التسوية بينهما ، أن المهر مضمون على الزوج بالنكاح لم يستقر ملكها فيه كالمبيع في يد البائع ، ثم الحكم في البيع هذا كذا في النكاح .

( ووجه ) الفرق في ظاهر الرواية أن الأوصاف ، وهي الأتباع إن كانت لا تضمن بالعقد ، فإنها تضمن بالإتلاف ; لأنها تصير مقصودة بالإتلاف ، فتصير مضمونة إلا أن المبيع ، لا يمكن جعله مضمونا بالقيمة ; لأنه مضمون بضمان آخر ، وهو الثمن ، والمحل الواحد لا يكون مضمونا بضمانين ، والمهر غير مضمون على الزوج بملك النكاح بل بالقيمة ، ألا ترى أنه لو أتلف المهر لا يبطل ملك النكاح ، ولكن تجب عليه القيمة ، فكذا إذا أتلف الجزء ، وإن كان النقصان بفعل المهر بأن جنى المهر على نفسه ، ففيه روايتان في رواية حكم هذا النقصان ما هو حكم النقصان بآفة سماوية ; لأن جناية الإنسان على نفسه هدر ، فالتحقت بالعدم ، فكانت كالآفة السماوية ، وفي رواية حكمه حكم جناية الزوج ; لأن المهر مضمون في يد الضامن ، وهو الزوج ، وجناية المضمون في يد الضامن كجناية الضامن كالعبد المغصوب إذا جنى على نفسه في يد الغاصب ، وإن كان النقصان بفعل المرأة ، فقد صارت قابضة بالجناية ، فجعل كأن النقصان حصل في يدها كالمشتري إذا جنى على المبيع في يد البائع أنه يصير قابضا له كذا ههنا إذا كان النقصان فاحشا .

فأما إذا كان يسيرا ، فلا خيار لها كما إذا كان هذا العيب به يوم العقد ، ثم إن كان هذا النقصان بآفة سماوية أو بفعل المرأة أو بفعل المهر ; فلا شيء لها ، وإن كان بفعل الأجنبي تتبعه بنصف النقصان .

وكذا إن كان بفعل الزوج هذا إذا حدث النقصان [ ص: 302 ] في يد الزوج .

فأما إذا حدث في يد المرأة ، فهذا أيضا لا يخلو من الأقسام ، التي وصفناها ، فإن حدث بفعل أجنبي وهو فاحش قبل الطلاق ، فالأرش لها ، فإن طلقها الزوج ، فله نصف القيمة يوم قبضت ، ولا سبيل له على العين ; لأن الأرش بمنزلة الولد ، فيمنع التنصيف كالولد ، وإن كانت جناية الأجنبي عليه بعد الطلاق ، فللزوجة نصف العبد ، وهو بالخيار في الأرش إن شاء أخذ نصفه من المرأة ، واعتبرت القيمة يوم القبض ، وإن شاء أتبع الجاني ، وأخذ منه نصفه ; لأن حق الفسخ ، وعود النصف إليه استقر بالطلاق ، وتوقف على قضاء القاضي أو التراضي ، فصار في يدها كالمقبوض ببيع فاسد ، فصار مضمونا عليها ، وكذلك إن حدث بفعل الزوج ، فجنايته كجناية الأجنبي ; لأنه جنى على ملك غيره ، ولا يد له فيه ، فصار كالأجنبي ، والحكم في الأجنبي ما وصفنا ، وإن حدث بآفة سماوية قبل الطلاق ; فالزوج بالخيار إن شاء أخذ نصفه ناقصا ، ولا شيء له غير ذلك ، وإن شاء أخذ نصف القيمة يوم القبض ; لأن حقه معها عند الفسخ كحقه معها عند العقد .

ولو حدث نقصان في يده بآفة سماوية كان لها الخيار بين أن تأخذه ناقصا أو قيمته ، فكذا حق الزوج معها عند الفسخ ، وإن كان ذلك بعد الطلاق ، فللزوج أن يأخذ نصفه ، ونصف الأرش لما ذكرنا أنه بعد الطلاق يبقى في يدها كالمقبوض بحكم بيع فاسد ; لأن الملك لها ، وحق الغير في الفسخ مستقر ، فصار بمنزلة المقبوض ببيع فاسد ، وإن شاء أخذ قيمته يوم قبضت ، وكذلك إن حدث بفعل المرأة ، فالزوج بالخيار إن شاء أخذ نصفه ، ولا شيء له من الأرش ، وإن شاء أخذ نصف قيمته عبدا عند أصحابنا الثلاثة .

وقال زفر : للزوج أن يضمنها الأرش ( وجه ) قوله أن المهر مضمون عليها بالقبض ، والأوصاف ، وهي الأتباع ، فتضمن بالقبض ، ولا تضمن بالعقد ، وكذلك يقول زفر في النقصان الحادث بغير فعلها لهذا المعنى .

( ولنا ) أن المرأة جنت على ملك نفسها ، وجناية الإنسان على ملك نفسه غير مضمونة عليه بخلاف ما إذا حدث بفعل الزوج على الرواية المشهورة ; لأن الزوج جنى على ملك غيره ، وجناية الإنسان على ملك غيره مضمونة عليه ، وقد خرج الجواب عما قال زفر ; لأن قبضها صادف ملك نفسها ، وقبض الإنسان ملك نفسه لا يوجب الضمان عليه ، وإن كان ذلك بعد الطلاق ، فعليها نصف الأرش لما ذكرنا أن حق الفسخ قد استقر ، وكذلك إن حدث بفعل المهر ، فالزوج بالخيار على الروايتين جميعا إن شاء ; أخذ نصفه ناقصا ، وإن شاء أخذ نصف القيمة ; لأنا إن جعلنا جناية المهر كالآفة السماوية لم تكن مضمونة ، وإن جعلناها كجناية المرأة لم تكن مضمونة أيضا ، فلم تكن مضمونة أيضا على الروايتين هذا إذا كان النقصان فاحشا .

فأما إن كان غير فاحش ، فإن كان بفعل الأجنبي أو بفعل الزوج ، لا يتنصف ; لأن الأرش يمنع التنصيف ، وإن كان بآفة سماوية أو بفعلها أو بفعل المهر أخذ النصف ، ولا خيار له ، والله تعالى الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث