الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور

أما قوله تعالى : ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أن المراد ههنا من الظلمات والنور : الكفر والإيمان ، فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان ، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق الله ؛ لأنه لو حصل بخلق العبد لكان هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان ، وذلك يناقض صريح الآية .

أجابت المعتزلة عنه من وجهين :

الأول : أن الإخراج من الظلمات إلى النور محمول على نصب الدلائل ، وإرسال الأنبياء ، وإنزال الكتب ، والترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه ، والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه ، وقال القاضي : قد نسب الله تعالى الإضلال إلى الصنم في قوله : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [إبراهيم : 36] لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضلالهم ، فأن يضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الله تعالى مع قوة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن كان أولى .

والوجه الثاني : أن يحمل الإخراج من الظلمات إلى النور على أنه تعالى يعدل بهم من النار إلى الجنة . قال القاضي : هذا أدخل في الحقيقة ، لأن ما يقع من ذلك في الآخرة يكون من فعله تعالى فكأنه فعله .

والجواب عن الأول من وجهين :

أحدهما : أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل ، ومجاز في الحث والترغيب ، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة .

والثاني : أن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية صار الراجح واجبا ، والمرجوح ممتنعا ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة ؛ وإن لم يكن لها أثر في الترجيح لم يصح تسميتها بالإخراج .

وأما السؤال الثاني : وهو حمل اللفظ على العدول بهم من النار إلى الجنة فهو أيضا مدفوع من وجهين :

الأول : قال الواقدي : كل ما كان في القرآن ( من الظلمات إلى النور ) فإنه أراد به الكفر والإيمان ، [ ص: 18 ] غير قوله تعالى في سورة الأنعام : ( وجعل الظلمات والنور ) [الأنعام : 1] فإنه يعني به الليل والنهار ، وقال : وجعل الكفر ظلمة ؛ لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك ، وجعل الإيمان نورا ؛ لأنه كالسبب في حصول الإدراك .

والجواب الثاني : أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على الله تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه .

المسألة الثانية : قوله : ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم ههنا قولان :

القول الأول : أن يجرى اللفظ على ظاهره ، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافرا ثم أسلم ، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات :

إحداها : قال مجاهد : هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى ، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام .

وثانيتها : أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى ، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمة وكفرا ، لأن القول بالاتحاد كفر ، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام .

وثالثتها : أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم .

والقول الثاني : أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال : يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات البتة ، ويدل على جوازه : القرآن والخبر والعرف ، أما القرآن فقوله تعالى : ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) [آل عمران : 103] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار ، وقال : ( لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ) [يونس : 98] ولم يكن نزل بهم عذاب البتة ، وقال في قصة يوسف عليه السلام : ( تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) [يوسف : 37] ولم يكن فيها قط ، وقال : ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) [النحل : 70] وما كانوا فيه قط ، وأما الخبر فروي أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنسانا قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال : على الفطرة ، فلما قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال : خرج من النار ، ومعلوم أنه ما كان فيها ، وروي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال : تتهافتون في النار تهافت الجراد ، وها أنا آخذ بحجزكم ، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار ، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له : أخرجتني من مالك ، أي : لم تجعل لي فيه شيئا ، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه ، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات ، فصار توفيقه تعالى سببا لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، فبهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع . والله أعلم .

أما قوله تعالى : ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) فاعلم أنه قرأ الحسن " أولياؤهم الطواغيت " واحتج بقوله تعالى بعده : ( يخرجونهم ) إلا أنه شاذ مخالف للمصحف ، وأيضا قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع .

أما قوله تعالى : ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله تعالى ، قالوا : لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت مجازا باتفاق ؛ لأن المراد من الطاغوت على أظهر [ ص: 19 ] الأقوال هو الصنم ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [إبراهيم : 36] فأضاف الإضلال إلى الصنم ، وإذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق بيننا وبينكم مجازا ، خرجت عن أن تكون حجة لكم .

ثم قال تعالى : ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) يحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط ، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت معا ، فيكون زجرا للكل ووعيدا ؛ لأن لفظ " أولئك " إذا كان جمعا وصح رجوعه إلى كلا المذكورين ، وجب رجوعه إليهما معا ، والله تعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث