الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الخامس الظلم الواقع من الولاة والرعية

وما أخذ ولاة الأموال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق فلولي الأمر العادل استخراجه منهم ، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : هدايا العمال غلول

وروى إبراهيم الحربي في كتاب الهدايا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { هدايا الأمراء غلول }

وفي الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : { استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من [ ص: 67 ] الأزد يقال له ابن اللتبية ، على الصدقة ، فلما قدم ، قال : هذا لكم ، وهذا أهدي إلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله ، فيقول : هذا لكم ، وهذا أهدي إلي ، فهلا جلس في بيت أبيه ، أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئا ، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه ، اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ، ؟ ثلاثا } .

وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة ، والمؤاجرة والمضاربة ، والمساقاة والمزارعة ، ونحو ذلك من الهداية ، ولهذا شاطر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ودين ، لا يتهم بخيانة ، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها ، وكان الأمر يقتضي ذلك ; لأنه كان إمام عدل ، يقسم بالسوية فلما تغير الإمام والرعية ، كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه ، ويترك ما حرم عليه ، ولا يحرم عليه ما أباح الله له .

وقد يبتلى الناس من الولاة بمن يمتنع من الهداية ونحوها ; ليتمكن بذلك من استيفاء المظالم منهم ، ويترك ما أوجبه الله من قضاء حوائجهم [ ص: 68 ] فيكون من أخذ منهم عوضا ، على كف ظلم وقضاء حاجة مباحة ، أحب إليهم من هذا ، فإن الأول قد باع آخرته بدنيا غيره ، وأخسر الناس صفقة ، من باع آخرته بدنيا غيره ، وإنما الواجب كف الظلم عنهم بحسب القدرة ، وقضاء حوائجهم التي لا تتم مصلحة الناس إلا بها ، من تبليغ ذي السلطان حاجاتهم ، وتعريفه بأمورهم ، ودلالته على مصالحهم ، وصرفه عن مفاسدهم ، بأنواع الطرق اللطيفة وغير اللطيفة ، كما يفعل ذوو الأغراض من الكتاب ونحوهم في أغراضهم ففي حديث هند بن أبي هالة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : { أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها ، فإنه من أبلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها ، ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام } [ ص: 69 ] وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود في سننه ، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من شفع لأخيه شفاعة ، فأهدى له عليها هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا } .

وروى إبراهيم الحربي عن عبد الله بن مسعود قال : السحت ، أن يطلب للرجل ، فيقضى له فيهدي إليه ، فيقبلها ، وروي أيضا عن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها فأهدى له صاحبها وصيفا ، فرده عليه ، وقال : سمعت ابن مسعود يقول : من رد عن مسلم مظلمة ، فرزأه عليها قليلا أو كثيرا ، فهو سحت ، فقلت يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم ، قال ذاك كفر

فأما إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذووه ، فلا ينبغي إعانة واحد منهما ، إذ كل منهما ظالم ، كلص سرق من لص ، وكالطائفتين المقتتلتين على عصبية ورئاسة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث