الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض

أما قوله تعالى : ( ولا تيمموا الخبيث ) ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : يقال : أممته ، ويممته ، وتأممته ، كله بمعنى قصدته ، قال الأعشى :


تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شرف



المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحده " ولا تيمموا " بتشديد التاء ؛ لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة ، وتاء الفعل ، فأدغم إحداهما في الأخرى ، والباقون بفتح التاء مخففة . وعلى هذا، الخلاف في أخواتها ، وهي ثلاثة وعشرون موضعا : لا تفرقوا ، توفاهم ، تعاونوا ، فتفرق بكم ، تلقف ، تولوا ، تنازعوا ، تربصون ، فإن تولوا ، لا تكلم ، تلقونه ، تبرجن ، تبدل ، تناصرون ، تجسسوا ، تنابزوا ، لتعارفوا ، تميز ، تخيرون ، تلهى ، تلظى ، تنزل الملائكة ، وههنا بحثان :

البحث الأول : قال أبو علي : هذا الإدغام غير جائز ؛ لأن المدغم يسكن ، وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به ، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو : ادارأتم ، وارتبتم ، واطيرنا ، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع .

[ ص: 56 ] البحث الثاني : اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة ، فقال بعضهم : هي التاء الأولى ، وسيبويه لا يسقط إلا الثانية ، والفراء يقول : أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها .

أما قوله تعالى : ( منه تنفقون ) .

فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين :

الأول : أنه تم الكلام عند قوله : ( ولا تيمموا الخبيث ) ثم ابتدأ ، فقال : ( منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) فقوله : ( منه تنفقون ) استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الإغماض ؟ .

والثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله : ( إلا أن تغمضوا فيه ) ويكون الذي مضمرا ، والتقدير : ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بإغماض فيه ، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) [البقرة : 256] والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها .

أما قوله تعالى : ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : الإغماض في اللغة غض البصر وإطباق جفن على جفن ، وأصله من الغموض ، وهو الخفاء ، يقال : هذا الكلام غامض أي : خفي الإدراك . والغمض المتطامن الخفي من الأرض .

المسألة الثانية : في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه :

الأول : أن المراد بالإغماض ههنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ، ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا ، فقوله : ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) يقول : لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم ؟! .

والثاني : أن يحمل الإغماض على المتعدي كما تقول : أغمضت بصر الميت وغمضته ، والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع ، يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن .

ثم ختم الآية بقوله : ( واعلموا أن الله غني حميد ) والمعنى أنه غني عن صدقاتكم ، ومعنى "حميد" أي : محمود على ما أنعم بالبيان . وفيه وجه آخر ، وهو أن قوله : ( غني ) كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات ، و ( حميد ) بمعنى حامد أي : أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات ، وهو كقوله : ( فأولئك كان سعيهم مشكورا ) [الإسراء : 19] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث