الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يرفع حكم النكاح

جزء التالي صفحة
السابق

ومنها اختلاف الدارين عندنا بأن خرج أحد الزوجين إلى دار الإسلام مسلما أو ذميا ، وترك الآخر كافرا في دار الحرب .

ولو خرج أحدهما مستأمنا ، وبقي الآخر كافرا في دار الحرب لا تقع الفرقة بالإجماع .

وقال الشافعي : لا تقع الفرقة باختلاف الدارين ، وهذا بناء على أصل ، وهو أن اختلاف الدارين علة لثبوت الفرقة عندنا ، وعنده ليس بعلة ، وإنما العلة هي السبي ، واحتج بما روي { أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجرت من مكة إلى المدينة ، وخلفت زوجها أبا العاص كافرا بمكة ، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول } .

ولو ثبتت الفرقة باختلاف الدارين لما رد بل جدد النكاح ; ولأن تأثير اختلاف الدارين في انقطاع الولاية ، وانقطاع الولاية لا يوجب انقطاع النكاح ، فإن النكاح يبقى بين أهل العدل والبغي ، والولاية منقطعة .

( ولنا ) أن عند اختلاف الدارين يخرج الملك من أن يكون منتفعا به لعدم التمكن من الانتفاع عادة ، فلم يكن في بقائه فائدة ، فيزول كالمسلم إذا ارتد عن الإسلام ، ولحق بدار الحرب أنه يزول ملكه عن أمواله ، وتعتق أمهات أولاده ومدبروه لما قلنا كذا هذا بخلاف [ ص: 339 ] أهل البغي مع أهل العدل ; لأن أهل البغي من أهل الإسلام ; ولأنهم مسلمون ، فيخالطون أهل العدل ، فكان إمكان الانتفاع ثابتا ، فيبقى النكاح ، وههنا بخلافه .

وأما الحديث ، فقد روي أنه ردها عليه بنكاح جديد ، فتعارضت الروايتان ، فسقط الاحتجاج به مع ما أن العمل بهذه الرواية أولى ; لأنها تثبت أمرا لم يكن ، فكان راوي الرد بالنكاح الأول استصحب الحال ، فظن أنه ردها عليه بذلك النكاح الذي كان ، وراوي النكاح الجديد اعتمد حقيقة الحال ، وصار كاحتمال الجرح ، والتعديل ، ثم إن كان الزوج هو الذي خرج ; فلا عدة على المرأة بلا خلاف لما ذكرنا أنه حربي ، وإن كانت المرأة هي التي خرجت ; فلا عدة عليها في قول أبي حنيفة خلافا لهما ، وكذلك إذا خرج أحدهما ذميا ; وقعت الفرقة ; لأنه صار من أهل دار الإسلام ، فصار كما لو خرج مسلما بخلاف ما إذا خرج أحدهما بأمان ; لأن الحربي المستأمن من أهل دار الحرب ، وإنما دخل دار الإسلام على سبيل العارية لقضاء بعض حاجاته لا للتوطن ، فلا يبطل حكم دار الحرب في حقه كالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان ; لأنه لا يصير بالدخول من أهل دار الحرب لما قلنا كذا هذا .

ولو أسلما معا في دار الحرب أو صارا ذميين معا أو خرجا مستأمنين ، فالنكاح على حاله لانعدام اختلاف الدارين عندنا ، وانعدام السبي عنده ، وعلى هذا يخرج ما إذا سبي أحدهما ، وأحرز بدار الإسلام أنه تقع الفرقة بالإجماع لكن على اختلاف الأصلين عندنا باختلاف الدارين ، وعنده بالسبي ، وعندنا لا تثبت الفرقة قبل الإحراز بدار الإسلام .

ولو سبيا معا لا تقع الفرقة عندنا لعدم اختلاف الدارين ، وعنده تقع لوجود السبي ، واحتج بقوله تعالى { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } حرم المحصنات ، وهن ذوات الأزواج إذ هو معطوف على قوله عز وجل { حرمت عليكم أمهاتكم } ، واستثنى المملوكات ، والاستثناء من الحظر إباحة ، ولم يفصل بين ما إذا سبيت وحدها أو مع زوجها ; ولأن السبي سبب لثبوت ملك المتعة للسابي ; لأنه استيلاء ، ورد على محل غير معصوم ، وأنه سبب لثبوت الملك في الرقبة ; ولهذا يثبت الملك في المسبية بالإجماع ، وملك الرقبة يوجب ملك المتعة ، ومتى ثبت ملك المتعة للسابي ; يزول ملك الزوج ضرورة بخلاف ما إذا اشترى أمة هي منكوحة الغير أنه لا يثبت للمشتري ملك المتعة ، وإن ثبت له ملك الرقبة بالشراء ; لأن ملك الزوج في الأمة ملك معصوم ، وإثبات اليد على محل معصوم لا يكون سببا لثبوت الملك .

( ولنا ) أن ملك النكاح للزوج كان ثابتا بدليله مطلقا ، وملك النكاح لا يجوز أن يزول إلا بإزالته أو لعدم فائدة البقاء إما لفوات المحل حقيقة بالهلاك أو تقديرا لخروجه من أن يكون منتفعا به في حق المالك ، وإما لفوات حاجة المالك بالموت ; لأن الحكم بالزوال حينئذ يكون تناقضا ، والشرع منزه عن التناقض ، ولم توجد الإزالة من الزوج ، والمحل صالح ، والمالك صالح حي محتاج إلى الملك ، وإمكان الاستمتاع ثابت ظاهرا ، وغالبا إذا سبيا معا ، ولا يكون نادرا .

وكذا إذا سبي أحدهما ، والمسبي في دار الحرب ; لأن احتمال الاسترداد من الكفرة أو استنقاذ الأسراء من الغزاة ليس بنادر ، وإن لم يكن غالبا بخلاف ما إذا سبي أحدهما ، وأخرج إلى دار الإسلام ; لأن هناك لا فائدة في بقاء الملك لعدم التمكن من إقامة المصالح بالملك ظاهرا وغالبا لاختلاف الدارين .

وأما قوله السبي ورد على محل غير معصوم ، فنعم لكن الاستيلاء الوارد على محل غير معصوم إنما يكون سببا لثبوت الملك إذا لم يكن مملوكا لغيره ، وملك الزوج ههنا قائم لما بينا ، فلم يكن السبي سببا لثبوت الملك للسابي ، فلا يوجب زوال ملك الزوج ، والآية محمولة على ما إذا سبيت ، وحدها لما ذكرنا من الدلائل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث