الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى واعف عنا واغفر لنا وارحمنا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) .

قوله تعالى : ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) .

اعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ ( ربنا ) وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ ( ربنا ) وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان :

السؤال الأول : لم لم يذكر هاهنا لفظ " ربنا " ؟

الجواب : النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا ; وإنما حذف النداء إشعارا بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أخر .

السؤال الثاني : ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة ؟

الجواب : أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صونا له من عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو وإذا عفوت عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة ، والأول : هو العذاب الجسماني ، والثاني : هو العذاب الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب ، وهو أيضا قسمان : ثواب جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له نور جلال الله تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن يصير غائبا عن كل ما سوى الله تعالى ، مستغرقا بالكلية في نور حضور جلال الله تعالى ، فقوله ( وارحمنا ) طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك ( أنت مولانا ) طلب للثواب الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله تعالى لأن قوله ( أنت مولانا ) خطاب للحاضرين ، ولعل كثيرا من [ ص: 131 ] المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون : إنها من باب الطاعات ، ولقد صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) [ النجم : 30 ] .

وفي قوله ( أنت مولانا ) فائدة أخرى ، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها ، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه ، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه ، فهو سبحانه قيوم السماوات والأرض ، والقائم بإصلاح مهمات الكل ، وهو المتولي في الحقيقة للكل ، على ما قال : ( نعم المولى ونعم النصير ) [ الأنفال : 40 ] ونظير هذه الآية ( الله ولي الذين آمنوا ) [ البقرة : 257 ] أي ناصرهم ، وقوله ( فإن الله هو مولاه ) [ التحريم : 4 ] أي ناصره ، وقوله ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) [ محمد : 11 ] .

ثم قال : ( فانصرنا على القوم الكافرين ) أي انصرنا عليهم في محاربتنا معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ما قال : ( ليظهره على الدين كله ) [ التوبة : 33 ] ومن المحققين من قال : ( فانصرنا على القوم الكافرين ) المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله ، وهذا آخر السورة .

وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة ، فقالت الملائكة : إن الله عز وجل قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله ( آمن الرسول ) فسله وارغب إليه ، فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو ، فقال محمد صلى الله عليه وسلم : ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) فقال الله تعالى : " قد غفرت لكم " فقال : ( لا تؤاخذنا ) فقال الله : " لا أؤاخذكم " فقال : ( ولا تحمل علينا إصرا ) فقال : " لا أشدد عليكم " فقال محمد ( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) فقال : " لا أحملكم ذلك " فقال محمد ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ) فقال الله تعالى : " قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم الكافرين " وفي بعض الروايات أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه الدعوات ، والملائكة كانوا يقولون آمين .

وهذا المسكين البائس الفقير كاتب هذه الكلمات يقول : إلهي وسيدي كل ما طلبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك ، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ، ولا يشغله سؤال السائلين . وهذا آخر الكلام في تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وأصحابه وسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث