الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين

جزء التالي صفحة
السابق

ثم ذكر أعظم شيء يستعان عليه بذلك وهو القتل في سبيل دعوة الحق وحمايته ، ذكره مدرجا في سياق تقرير حقيقة ودفع شبهة فقال : ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ) أي : لا تقولوا في شأنهم هم أموات . وقالوا : إن اللام في ( لمن ) للتعليل لا للتبليغ ، والمعنى ظاهر والتركيب مألوف ( بل ) هم ( أحياء ) في عالم غير عالمكم ( ولكن لا تشعرون ) بحياتهم إذ ليست في عالم الحس الذي يدرك بالمشاعر .

ثم لا بد أن تكون هذه الحياة حياة خاصة غير التي يعتقدها جميع المليين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم ; ولذلك ذهب بعض الناس إلى أن حياة الشهداء تتعلق بهذه الأجساد وإن فنيت أو احترقت أو أكلتها السباع أو الحيتان ، وقالوا : إنها حياة لا نعرفها ، ونحن نقول مثلهم : إننا لا نعرفها ونزيد إننا لا نثبت ما لا نعرف . وقال بعضهم : إنها حياة يجعل الله بها الروح في جسم آخر يتمتع به ويرزق ، ورووا في هذا روايات منها الحديث الذي أشار إليه المفسر ( الجلال ) وهو ( ( إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة ) ) وقيل : إنها حياة الذكر الحسن والثناء بعد الموت . وقيل إن المراد بالموت والحياة الضلال والهدى - روي هذا عن الأصم - أي : لا تقولوا إن باذل روحه في سبيل الله ضال بل هو مهتد . وقيل : إنها حياة روحانية محضة . وقيل : إن المراد أنهم سيحيون في الآخرة ، وأن الموت ليس عدما محضا كما يزعم بعض المشركين ، فالآية عند هؤلاء على حد ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) ( 82 : 13 ، 14 ) أي : إن مصيرهم إلى ذلك .

قال الأستاذ الإمام بعد ذكر الخلاف : وقال بعض العلماء الباحثين في الروح إن الروح إنما تقوم بجسم لطيف ( ( أثيري ) ) في صورة هذا الجسم المركب الذي يكون عليه الإنسان [ ص: 32 ] في الدنيا ، وبواسطة ذلك الجسم الأثيري تجول الروح في هذا الجسم المادي ، فإذا مات المرء وخرجت روحه فإنما تخرج بالجسم الأثيري وتبقى معه وهو جسم لا يتغير ولا يتبدل ولا يتحلل ، وأما هذا الجسم المحسوس فإنه يتحلل ويتبدل في كل بضع سنين . قال : ويقرب هذا القول من مذهب المالكية فقد روي عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال : إن الروح صورة كالجسد ; أي : لها صورة ، وما الصورة إلا عرض ، وجوهر هذا العرض هو الذي سماه العلماء بالأثير .

وإذا كان من خواص الأثير النفوذ في الأجسام اللطيفة والكثيفة كما يقولون حتى إنه هو الذي ينقل النور من الشمس إلى طبقة الهواء فلا مانع أن تتعلق به الروح المطلقة في الآخرة ، ثم هو يحل بها جسما آخر تنعم به وترزق سواء كان جسم طير أو غيره ، وقد قال تعالى في آية أخرى : ( أحياء عند ربهم يرزقون ) ( 3 : 169 ) وهذا القول يقرب معنى الآية من العلم .

والمعتمد عند الأستاذ الإمام في هذه الحياة هو أنها حياة غيبية تمتاز بها أرواح الشهداء على سائر أرواح الناس ، بها يرزقون وينعمون ، ولكننا لا نعرف حقيقتها ولا حقيقة الرزق الذي يكون بها ، ولا نبحث عن ذلك ; لأنه من عالم الغيب الذي نؤمن به ونفوض الأمر فيه إلى الله تعالى .

ذكر الله تعالى فضل الشهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدعوة إلى الحق والدفاع عنه ، ثم ذكر مجموع المصائب التي يبلوهم ويمتحنهم بها وهي لا تنافي ما وعدهم به من نعم الدنيا فقال : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ) أي : ولنمتحننكم ببعض ضروب الخوف من الأعداء وغيره من المصائب البشرية المعتادة في المعايش ، وأكد هذا بصيغة القسم لتوطين الأنفس عليه ، فعلمهم به أن مجرد الانتساب إلى الإيمان لا يقتضي سعة الرزق وقوة السلطان ، وانتفاء المخاوف والأحزان ; بل يجري ذلك بسنن الله تعالى في الخلق ، كما أن من سنن الخلق وقوع المصائب بأسبابها . وإنما المؤمن الموفق من يستفيد من مجاري الأقدار ، إذ يتربى ويتأدب بمقاومة الشدائد والأخطار ، ومن لم تعلمه الحوادث ، وتهذبه الكوارث فهو جاهل بهدي الدين ، متبع غير سبيل المؤمنين ، غير معتبر بقوله تعالى بعد ذكر هذا البلاء المبين : ( وبشر الصابرين ) فإنه تعالى أراد أن ينبهنا بهذا إلى أن هذه العقيدة هي التي تكتسب بها ملكة الصبر التي يقرن بها الظفر ، ويكون صاحبها أهلا لأن يبشر باحتمال البلاء والاستفادة بحسن العاقبة في الأمور كلها .

فالبشارة في الآية عامة ولم يذكر المبشر به إيذانا بذلك وهو إيجاز لا يعهد مثله في غير القرآن الحكيم ، فأنت ترى أنه لو أريد ذكر ما يبشرون به لخرج الكلام إلى تطويل لا حاجة إليه كبيان عاقبة من يقع في كل نوع من أنواع المخاوف فيصابرها وينجح في أعقابها وهي كثيرة ، [ ص: 33 ] وهكذا الخوف المشار إليه في الآية - وأعداء الإسلام على ما كانوا عليه من الكثرة والقوة - ظاهر لا يخفى ، على أن بعضهم فسره بالخوف من الله تعالى وهو باطل ; لأن هذا من أعظم ثمرات الإيمان لا من مصائب الامتحان ، فهو نعمة تعين على الصبر لا مصيبة يطلب الصبر عليها أو فيها لأجل تهوين خطبها ، وأما الجوع فقد قالوا : إنه ما يكون من الجدب والقحط .

قال الأستاذ الإمام : وليس هذا هو المراد في الآية المسوقة لبيان ما يلاقي المؤمنون في سبيل الإيمان ولا وقع للصحابة في ذلك العهد ، وإنما هو أحدهم يؤمن فيفصل من أهله وعشيرته ويخرج في الغالب صفر اليدين ، ولذلك كان الفقر عاما في المسلمين من أول عهدهم إلى ما بعد فتح مكة ، ومن هذا التفسير يفهم المراد من نقص الأموال وهي الأنعام التي كانت معظم ما يتموله العرب ، وأما الثمرات فهي على أصلها ، وكان معظمها ثمرات النخيل . وقيل : هي الولد ثمر القلب ، كما يقولون في المجاز المشهور ، وقد بلغ من جوع المسلمين أن كانوا يتبلغون بتمرات يسيرة ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك . وأما نقص الأنفس فهو ما كان من القتل والموتان من اجتواء المدينة ، فقد كانت عند هجرتهم إليها بلد وباء وحمى ثم حسن مناخها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث