الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة

[ ص: 164 ] ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) .

قوله تعالى ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) .

اعلم أن في الآية مسائل :

المسألة الأولى : لم يقل : قد كانت لكم آية ، بل قال : ( قد كان لكم آية ) وفيه وجهان :

الأول : أنه محمول على المعنى ، والمراد : قد كان لكم إتيان هذا آية .

والثاني : قال الفراء : إنما ذكر للفصل الواقع بينهما ، وهو قوله ( لكم ) .

المسألة الثانية : وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة ، وهي قوله تعالى : ( ستغلبون وتحشرون ) نزلت في اليهود ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا ; فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فإنكم ستغلبون . ثم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الدلالة على صحة تلك الحكم ، فقال : ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة ) يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره ، ومن كان كذلك فإنه يكون غالبا لجميع الخصوم ، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك ، فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة ، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله ( قل للذين كفروا ستغلبون ) الآية ، فهذا هو الكلام في وجه النظم .

المسألة الثالثة : " الفئة " الجماعة ، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركو مكة ، روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ، وقادوا مائة فرس ، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير ، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر ، وكان في الرجال دروع سوى ذلك ، وكان المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا بين كل أربعة منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ، ومن الخيل فرسان ، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة .

واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوها :

الأول : أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور ؛ منها : قلة العدد ، ومنها : أنهم خرجوا غير قاصدين [ ص: 165 ] للحرب فلم يتأهبوا ، ومنها قلة السلاح والفرس ، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني ؛ منها : كثرة العدد ، ومنها : أنهم خرجوا متأهبين للحرب ، ومنها : كثرة سلاحهم وخيلهم ، ومنها : أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة والمقاتلة في الأزمنة الماضية ، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة ، ولما كان ذلك خارجا عن العادة كان معجزا .

والوجه الثاني : في كون هذه الواقعة آية : أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) [ الأنفال : 7 ] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان ، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا .

والوجه الثالث : في بيان كون هذه الواقعة آية : ما ذكره تعالى بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : ( يرونهم مثليهم رأي العين ) والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون ، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين ، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة ، وذلك معجز .

فإن قيل : تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة .

قلنا : نحمل الرؤية على الظن والحسبان ، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة ، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين . والجواب الأول أقرب ، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة .

والوجه الرابع : في بيان كون هذه القصة آية ، قال الحسن : إن الله تعالى أمد رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال : ( فاستجاب لكم أني ممدكم بألف ) [ الأنفال : 9 ] وقال : ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) [ آل عمران : 125 ] والألف مع الأربعة آلاف : خمسة آلاف من الملائكة ، وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله ( والله يؤيد بنصره من يشاء ) والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث