الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ص ( وإن قدم معشرا أو دينا أو عرضا قبل القبض إلخ )

ش : ذكر - رحمه الله - سبع مسائل لا تجزئ فيها الزكاة : ( الأولى ) إذا قدم زكاة المعشرات ، والمعنى أن من قدم زكاة زرعه فإنها لا تجزيه يريد إذا قدمها قبل وقت الوجوب ، قال في التوضيح لما ذكر تقديم الزكاة قبل الحول : وهذا خاص بالحيوان والعين ، وأما الزرع فلا يجوز تقديمها ; لأنه لم يملك بعد ، نقله في الجواهر ، انتهى . قلت : وقد صرح به اللخمي فقال في تبصرته لما ذكر الخلاف في تقديم الزكاة : وهذا في العين ولا يصح في زكاة الحرث والزرع والثمار لأنها زكاة عما لم يملك بعد ولا يدري ما قدره ، ويجوز في المواشي إذا لم يكن ثم سعاة على مثل ما يجوز في العين وسيأتي لفظه في تعجيل زكاة الماشية .

( فرع ) أما إذا أخرج الزكاة بعد وقت الوجوب وهو إفراك الحب وطيب الثمار وقبل الحصاد والجذاذ فإنها تجزيه ، قال في الطراز : لو عجل زكاة زرعه قبل حصاده وهو قائم في سنبله ، قال مالك عن ابن سحنون : يجزيه ولا أحب له أن يتطوع بها من قبل نفسه يقول : لا يفعله أحد إلا أن يلجئه الساعي إلى ذلك ، وإن فعل جاز ; لأن الزكاة قد وجبت بطيب الزرع ، انتهى . ونقله في الذخيرة وتقدم عند قول المؤلف " والوجوب بإفراك الحب " ما يدل على ذلك ، والله أعلم . وقوله " أو دينا أو عرضا قبل القبض " يعني أن من زكى دينا قبل قبضه فإنه لا يجزئه ، وكذلك إذا زكى عن ثمن عرض الاحتكار قبل قبضه لم يجزه ، قال بهرام في الأوسط : قوله " قبل القبض " أي قبض الدين وقبض ثمن العرض ، انتهى .

وقال البساطي : " قبل القبض " ظرف لهما ، والمراد في العرض قبل قبض ثمنه ، انتهى . ونقل سند عن المدونة لما احتج لمالك على أن الدين لا يزكى قبل قبضه فإنه لو وجب عليه زكاته قبل قبضه لم يجب عليه أن يخرج من صدقته إلا دينا يقطع به لمن يلي ذلك على الغرماء من أجل أن السنة أن تخرج زكاة كل مال منه ، وبذلك احتج أيضا في عرض التجارة أنه لا يزكى حتى يباع ويقبض ثمنه ، انتهى .

وقال بعده أيضا إن ابتاع العرض بثمن فلم يقبضه حتى أخذ به عرضا لم تلزمه زكاة الثمن ; لأنه كان دينا فما لم ينض فهو كالعرض فكأنه ابتاع بعرض ، انتهى . وقال المشذالي أيضا في قوله : ولو أخذ بالمائة قبل قبضها ثوبا ، وذكر أنها معارضة لمسألة كتاب العيوب والاستحقاق ، قال : والجواب أن القبض الحسي هنا مطلوب وعدمه مؤثر ; لأن الدين قبل قبضه عرض مبيع بعرض ، انتهى .

فعلم من هذا أن الثمن لا يزكى حتى يقبض ، وأنه إن زكاه قبل قبضه لم يجزه ، وذلك واضح ; لأنه ما لم يقبض فهو دين والدين لا يزكى قبل قبضه ، وقد تقدم في شروط زكاة الدين أن يكون أصله عينا أو عرض تجارة وليس له صورة إلا أن يبيع العرض ، ولم يقبض ثمنه ، وسواء كان حالا أو مؤجلا في الذخيرة ، قال في [ ص: 359 ] الكتاب : إذا باع سلعة للتجارة بعد الحول فإنه يزكي حينئذ بعد القبض ، انتهى . وقال سند أيضا عن المدونة : قال ابن القاسم فيمن كانت عنده سلعة للتجارة فباعها بعد الحول بمائة دينار إذا قبض المائة دينار زكاها مكانه ، ثم قال - فرع - فلو باعها بمائة إلا أنه أخذ بها عرضا قيمته عشرة لم يكن عليه شيء لأن الدين لا يزكى والعرض لا يزكى فإن باع العرض بأقل من عشرين لم يكن عليه زكاة إلا أن يكون عنده ما يكمل به النصاب ، انتهى . ونقله في الذخيرة ، وقال فيه ; لأن القيم أمور متوهمة والبيع يحققها ، والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث