الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 72 ] ومن باب الإشارة : أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى، وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه بينهم وبين المشركين، فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الأرض أربعة أشهر على عدد مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيها لهم، فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب ، ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم : واعلموا أنكم غير معجزي الله إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك وأن الله مخزي الكافرين المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أي : وقت ظهور الجمع الذاتي في صورة التفصيل أن الله بريء من المشركين ورسوله المراد بذلك كمال المخالفة والتضاد وانقطاع المدد الروحاني ، والمراد من قوله سبحانه : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا الذين بقيت فيهم مسكة من الاستعداد وأثر من سلامة الفطرة وبقايا من المروءة أمر المؤمنون أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وهي مدة تراكم الدين وتحقق الحجاب إن لم يرجعوا ويتوبوا ثم قال سبحانه بعد أن ذكر ما ذكر : ( الذين كفروا ) أي علما ( وهاجروا ) أي هجروا الرغائب الحسية والأوطان النفسية وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وهي أموال معلوماتهم ومراداتهم ومقدوراتهم ، والجهاد بهذه إشارة إلى محو صفاتهم ، والجهاد بالأنفس إشارة إلى فنائها في الله تعالى أولئك أعظم درجة في التوحيد عند الله تعالى يبشرهم ربهم برحمة منه وهو ثواب الأعمال ( ورضوان ) وهو ثواب الصفات وجنات لهم فيها نعيم مقيم وهو مشاهدة المحبوب الذي لا يزول وذلك جزاء الأنفس ، ووجه الترتيب على هذا ظاهر وإنما تولى الله تعالى بشارتهم بنفسه عز وجل ليزدادوا حبا له تبارك وتعالى لأن القلوب مجبولة على حب من يبشرها بالخير ، ثم إنه سبحانه بين أن القرابة المعنوية والتناسب المعنوي والوصلة الحقيقية أحق بالمراعاة من الاتصال الصوري مع فقد الاتصال المعنوي واختلاف الوجهة، وذم سبحانه التقيد بالمألوفات الحسية وتقديمها على المحبوب الحقيقي والتعين الأول له والسبب الأقوى للوصول إلى الحضرة، وتوعد عليه بما توعد، نسأل الله تعالى التوفيق إلى ما يقربنا منه إنه ولي ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث