الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله

جزء التالي صفحة
السابق

قال تعالى : ( وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ) أي : نتمنى لو أن لنا رجعة إلى الدنيا لنتبرأ من اتباع هؤلاء المضلين ونتنصل من رياستهم ، أو لنتبع سبيل الحق ونأخذ بالتوحيد الخالص ونهتدي بكتاب الله وسنة رسوله ، ثم نعود إلى هنا ( ( الآخرة ) ) فنتبرأ من هؤلاء الضالين كما تبرءوا منا ; إذ نسعد بعملنا من حيث هم أشقياء بأعمالهم ( كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ) أي : أن الله تعالى يظهر لهم كيف أن أعمالهم قد كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم إذ جعلتها مستذلة مستعبدة لغير الله تعالى فأورثها ذلك من الظلمة والصغار ما كان حسرة وشقاء عليها ، فالأعمال هي التي كونت هذه الحسرات في النفس ، ولكن لا يظهر ذلك إلا في الدار الآخرة التي تسعد فيها كل نفس بتزكيتها ، وتشقى بتدسيتها ( وما هم بخارجين من النار ) إلى الدنيا صحيحي العقيدة ليصلحوا أعمالهم ، فيشفوا غيظهم من رؤسائهم وأندادهم ، ولا إلى الجنة لأن علة دخولهم في النار هي ذواتهم بما طبعتها عليه خرافات الشرك وحب الأنداد .

( الأستاذ الإمام ) يقول المفسرون في مثل هذه الآيات : إن هذا الكلام خاص بالكفار ، نعم إنه خاص بالكفار كما قالوا ، ولكن من الخطأ أن يفهم من هذا الكلام ما يفصل بين [ ص: 66 ] المسلمين والقرآن إذ يصرفون كل وعيد فيه إلى المشركين واليهود والنصارى فينصرفون عن الاعتبار المقصود ; لهذا ترى المسلمين لا يتعظون بالقرآن ، ويحسبون أن كلمة ( ( لا إله إلا الله ) ) يتحرك بها اللسان من غير قيام بحقوقها كافية للنجاة في الآخرة ، على أن كثيرا من الكافرين يقولها ، ومنهم من يهز جسده عند ذكر الله كما يهزه جماهيرهم ، فهل هذا كل ما أراده الله من إنزال القرآن وبعثة محمد - عليه الصلاة والسلام - ؟

ليس هذا الذي يتوهمه الجاهلون من مراد المفسرين ، فما بين الله تعالى ضروب الشرك وصفات الكافرين وأحوالهم إلا عبرة لمن يؤمن بكتابه حتى لا يقع فيما وقعوا فيه فيكون من الهالكين ، ولكن رؤساء التقليد حالوا بين المسلمين وبين كتاب ربهم ; بزعمهم أن المستعدين للاهتداء به قد انقرضوا ولا يمكن أن يخلفهم الزمان لما يشترط فيهم من الصفات والنعوت التي لا تتيسر لغيرهم ، كمعرفة كذا وكذا من الفنون الصناعية والإحاطة بخلاف العلماء في الأحكام ، والذي يعرفه كل واقف على تاريخ الصدر الأول من المسلمين هو أن أهل القرنين الأول والثاني لم يكونوا يقلدون أحدا ; أي : لم يكونوا يأخذون بآراء الناس وأقوال العلماء ، بل كان العامي منهم على بينة من دينه يعرف من أين جاءت كل مسألة يعمل بها من مسائله ; إذ كان علماء الصدر الأول رضي الله تعالى عنهم يلقنون الناس الدين ببيان كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكان الجاهل بالشيء يسأل عن حكم الله فيه فيجاب بأن الله تعالى قال كذا أو جرت سنة نبيه على كذا ، فإن لم يكن عند المسئول فيه هدي من كتاب أو سنة ذكر ما جرى عليه الصالحون وما يراه أشبه بما جاء في هذا الهدي أو أحال على غيره .

ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام واستخراج الفروع من أصولها - ومنهم الأئمة الأربعة - كانوا يذكرون الحكم بدليله على هذا النمط ، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين - عليهم الرضوان - على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين ما لم يعرف دليله ويقتنع به . ثم جاء من العلماء المقلدين في القرون الوسطى من جعل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان ذلك أولى . ثم خلف خلف أعرق منهم في التقليد فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة ، وعدوا من يحاول فهمهما والعمل بهما زائغا . وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين ، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادا من دون الله ، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله .

قال الأستاذ الإمام في الدرس : إنه نقل عن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم النهي عن الأخذ بقولهم من غير معرفة دليلهم ، والأمر بترك أقوالهم لكتاب الله أو سنة رسوله إذا [ ص: 67 ] ظهرت مخالفة لهما أو لأحدهما ا هـ . وقد سبق لنا في ( المنار ) إيراد كثير من هذه النصوص عنهم معزوة إلى كتبها ورواتها . ومن ذلك قول الفقيه الحنفي أبي الليث السمرقندي : حدثنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبي حنيفة أنه قال : لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه . وروي عن عصام بن يوسف أنه قيل له : إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة ! فقال : إن أبا حنيفة قد أوتي ما لم نؤت فأدرك فهمه ما لم ندركه ، ونحن لم نؤت من الفهم إلا ما أوتينا ، ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم من أين قال . وروي عن عصام بن يوسف أنه قال : كنت في مأتم فاجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة : زفر بن الهذيل وأبو يوسف وعافية بن يزيد وآخر ، فكلهم أجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه .

وفي روضة العلماء ، قيل لأبي حنيفة : إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه ؟ قال : اتركوا قولي لكتاب الله . فقيل : إذا كان خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخالفه ؟ فقال : اتركوا قولي لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - . فقيل : إذا كان قول الصحابة يخالفه ؟ قال : اتركوا قولي لقول الصحابة ، وبعد هذا كله جاء الكرخي يقول : إن الأصل قول أصحابهم فإن وافقته نصوص الكتاب والسنة فذاك وإلا وجب تأويلها ، وجرى العمل على هذا ، فهل العامل به مقلد لأبي حنيفة رضي الله عنه أم للكرخي ؟

وروى حافظ المغرب ابن عبد البر ، عن عبد الله بن محمد عبد المؤمن قال : حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي حدثنا موسى بن إسحاق قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : أخبرنا ابن عيسى قال : سمعت مالك بن أنس يقول : إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه ، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ، ثم حذا المنتسبون إلى هذا الإمام الجليل حذو المنتسبين إلى أبي حنيفة فهل هم على مذهبه وطريقته القويمة ؟

وأما الإمام الشافعي والإمام أحمد فالنصوص عنهما في هذا المعنى أكثر ، وأتباعهما أشد عناية بالكتاب والسنة من غيرهم ولا سيما الحنابلة ، وقد أوردنا طائفة من ذلك عن الشافعي وأصحابه في ( ( المحاورة الثانية عشرة ) ) من ( ( المحاورات بين المصلح والمقلد ) ) وطائفة أخرى عن الإمام أحمد وأتباعه في ( ( المحاورة الثالثة عشرة ) ) والغرض من هذا الاستشهاد على ما قاله الأستاذ الإمام عن نهي الأئمة الأربعة عن التقليد .

( قال الأستاذ ) : وهناك قول آخر للمتأخرين مبني على أن الأمة جاهلة لا تعرف من الدين [ ص: 68 ] شيئا لا من أصوله ولا من فروعه ، ولا سبيل إلى تكفير هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام ولا إلى إلزامهم معرفة العقائد الدينية من دلائلها والأحكام الشرعية بأدلتها وعللها ، فلا مندوحة إذن عن القول بجواز التقليد في الأصول - وهي ما يجب اعتقاده في الله وصفاته وفي الرسالة والرسل وفي الإيمان بالغيب وهو ما فصله النص القطعي منه - والتقليد في الفروع العملية بالأولى . وهذا القول مخالف لإجماع سلف الأمة ، وما قاله إلا الذين يحبون إرضاء الناس بإقرارهم على ما هم عليه من الجهل ، وإهمال ما وهبهم من العقل لينطبق عليهم قوله تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ( 7 : 179 ) والمراد أن قلوبهم أي عقولهم لا تفقه الدلائل على الحق ، وأعينهم لا تنظر الآيات نظر استدلال ، وأسماعهم لا تفهم النصوص فهم تدبر واعتبار ، فهذه صفات المقلدين .

والقول الوسط بين القولين هو أنه يجب النظر في إثبات العقائد بقدر الإمكان ، ولا يشترط فيه تأليف الأدلة على قوانين المنطق ، ولا التزام طريق المتكلمين في مثل بناء الدليل على فرض انتفاء المطلوب ، ولا إيراد الشكوك والأجوبة عنها ، بل أفضل الطرق فيه وأمثلها طريق القرآن الحكيم في عرض الكائنات على الأنظار وإرشادها إلى وجه الدلالة فيها على وحدانية مبدعها وقدرته وحكمته . هذا هو حكم الله الصريح في المسألة فإنه أمر بالعلم بالتوحيد فقال : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ( 47 : 19 ) وقال : ( وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) ( 53 : 28 ) وطالب بالبرهان وجعله آية الصدق ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ( 27 : 64 ) وجعل سبيله الذي أمر باتباعه ونهى عن سواه الدعوة إلى الدين على بصيرة ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) ( 12 : 108 ) ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) ( 6 : 153 ) .

وأما فرض الأمة جاهلة وإقرارها على ذلك اكتفاء باسم الإسلام ، وما يقلد به الجاهلون أمثالهم من الأحكام ، فهو من القول على الله بغير علم ولا سلطان ، وقد قرنه تعالى مع الشرك في التحريم بقوله : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( 7 : 33 ) .

وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام فمنها ما لا يسع أحدا التقليد فيه وهي ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أجمع عليه من كيفياتها وفروضها فإن أدلتها وأعمالها متواترة . وتلقينها مع ما ورد في فوائدها من الآيات والهدي النبوي يجعل المسلم على بصيرة فيها وفقه يبعث على العمل ولا أسهل منه .

ومنها فروع دقيقة مستنبطة من أحاديث غير متواترة لم يطلع عليها جميع المسلمين ، [ ص: 69 ] وقد مضت سنة السلف الصالح في مثلها بأن من بلغه حديث منها بطريق يعتقد به ثبوته عمل به ، ولم يوجبوا على أحد ولو منقطعا لتحصيل العلم أن يبحث عن جميع ما روي من هذه الآحاد ويعمل بها ، كيف والصحابة عليهم الرضوان لم يكتبوا الحديث ولم يتصدوا لجمعه وتلقينه للناس ، بل منهم من نهى عن كتابته ، ومن حدث فإنما كان يقول ما يعلم إذا عرض له سبب مع المخاطبين ، فمثل هذه الفروع يعذر العامي بجهلها بالأولى ، ويجب عليه التحري في قبول ما يبلغه منها ، فلا يقبل رواية كل أحد ولا يسلم بكل ما في الكتب لكثرة الموضوعات والضعاف فيها ، ولا مشقة ولا حرج على المسلمين في التزام هذه الطريقة إلا إذا كانوا يريدون ترك دينهم برمته اكتفاء ببعض العادات والأعمال التي لا يكاد يسهل عليهم تمييز السنة فيها من البدعة تقليدا لآبائهم ومعاشريهم .

فتبين مما شرحناه أن لا عذر لأحد في التقليد المحض ، وأن حكم الآية يستغرق جميع المقلدين ، فهم اتخذوا مقلديهم أندادا وسيتبرأ المتبوع من التابع إذ يرون العذاب ، وتتقطع بهم الأسباب .

ومن مباحث اللفظ في الآيتين أن التشبيه في قوله تعالى : ( كذلك يريهم الله أعمالهم ) هو تشبيه حالة بحالة ذكرت في الكلام السابق ; أي : كذلك النحو الذي ذكر من إراءتهم العذاب سيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ، والذين تنطعوا في إعرابها من المفسرين صرفتهم قواعد النحو عن ملاحظة الأسلوب العربي في مثل هذا ، على أن له نظائر في كلام العامة في كل زمان هي مما بقي لهم من الأساليب العربية الفصيحة لم تفسدها العجمة ; إذ لا تمجها أذواق الأعجمين .

ومنها قوله تعالى : ( وتقطعت بهم الأسباب ) قال الأستاذ الإمام : جاءت فيه الباء لمعنى خاص لا يظهر فيما ذكروه هنا من معانيها ، وإنما يفهمه العربي من الأسلوب ، فإنك إذا قلت هنا كما قال ( الجلال ) : تقطعت عنهم الأسباب لا ترى في نفسك الأثر الذي تراه عند تلاوة العبارة الأولى التي تمثل لك التابعين والمتبوعين كعقد انفرط بانقطاع سلكه فذهبت كل حبة منه في ناحية .

أقول : وتوضيحه أن هؤلاء المقلدين قد كانوا مرتبطين في الدنيا ومتصلا بعضهم ببعض بأنواع من المنافع والمصالح يستمدها كل من التابع والمتبوع من الآخر ، فشبهت هذه المنافع التي حملت الرؤساء على قود المرءوسين ، والتابعين على تقليد المتبوعين بالأسباب : وهي في أصل اللغة الحبال ; كأنه يقول : إن كل واحد منهم كان مربوطا مع الآخرين بحبال كثيرة فلم يشعروا إلا وقد تقطعت هذه الحبال كلها فأصبح كل واحد منبوذا [ ص: 70 ] في ناحية لا يصله بالآخر شيء . وعلى هذا تكون الباء متعلقة بمحذوف حال من الفاعل .

قال الأستاذ الإمام : ومن هذه الأساليب الخاصة قوله تعالى : ( وكفى بالله شهيدا ) و ( سبحان الله ) فإذا فسرت ذلك بالتحليل والإرجاع إلى القواعد العامة فقلت في الأول : كفى الله شهيدا أو كفت شهادته ، وفي الثاني : تسبيحا لله . لم يكن له تأثير الأول وموقعه من النفس ، ومثل هذه الأساليب الخاصة توجد في كل لغة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث