الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا إخبار عن عاجل أمرهم وآجله من الضحك القليل في الدنيا والبكاء الكثير في الأخرى ، وإخراجه في صورة الأمر للدلالة على تحتم وقوع المخبر به وذلك لأن صيغة الأمر للوجوب في الأصل والأكثر، فاستعمل في لازم معناه أو لأنه لا يحتمل الصدق والكذب بخلاف الخبر، كذا قرره الشهاب ثم قال : فإن قلت : الوجوب لا يقتضي الوجود وقد قالوا : إنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة لاقتضائه تحقق المأمور به، فالخبر آكد وقد مر مثله فما باله عكس ، قلت : لا منافاة بينهما كما قيل لأن لكل مقام مقالا والنكت لا تتزاحم فإذا عبر عن الأمر بالخبر لإفادة أن المأمور لشدة امتثاله كأنه وقع منه ذلك وتحقق قبل الأمر كان أبلغ ، وإذا عبر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه كأنه مأمور به أفاد ذلك مبالغة من جهة أخرى ، وقيل : الأمر هنا تكويني كما في قوله تعالى : إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ولا يخفى ما فيه .

والفاء لسببية ما سبق للإخبار بما ذكر من الضحك والبكاء لا لنفسهما إذ لا يتصور في الأول أصلا ، وجعل ذلك سببا لاجتماع الأمرين بعيد ، ونصب ( قليلا ) و ( كثيرا ) على المصدرية أو الظرفية أي ضحكا أو زمانا قليلا وبكاء أو زمانا كثيرا ، والمقصود بإفادته في الأول على ما قيل هو وصف القلة فقط وفي الثاني هو وصف الكثرة مع الموصوف ، فيروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم .

وجوز أن يكون الضحك كناية عن الفرح والبكاء كناية عن الغم، والأول في الدنيا والثاني في الأخرى أيضا ، والقلة على ما يتبادر منها ، ولا حاجة إلى حملها على العدم كما حملت الكثرة على الدوام ، نعم إذا اعتبر كل من الأمرين في الآخرة احتجنا إلى ذلك إذ لا سرور فيها لهم أصلا ، ويفهم من كلام ابن عطية أن البكاء والضحك في الدنيا كما في حديث الشيخين وغيرهما " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " أي أنهم بلغوا في سوء الحال والخطر مع الله تعالى إلى حيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلا وبكاؤهم من أجل ذلك كثيرا .

جزاء بما كانوا يكسبون أي : من فنون المعاصي ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي ، و ( جزاء ) مفعول له للفعل الثاني ولك أن تجعله مفعولا له للفعلين أو مصدر من المبني للمفعول حذف ناصبه أي يجزون مما ذكر من البكاء الكثير أو منه ومن الضحك القليل جزاء بما استمروا عليه من المعاصي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث