الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

1763 - ( وعن عائشة قالت : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف ، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه . } رواه أبو داود ) .

1764 - ( وعن عائشة قالت : { السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ، ولا يشهد جنازة ، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ، ولا اعتكاف إلا بصوم ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع } رواه أبو داود )

[ ص: 316 ]

التالي السابق


[ ص: 316 ] الحديث الأول في إسناده ليث بن أبي سليم وفيه مقال . قال الحافظ : والصحيح عن عائشة من فعلها أخرجه مسلم وغيره ، وقال : صح ذلك عن علي عليه السلام والحديث الثاني أخرجه أيضا النسائي وليس فيه " قالت السنة " وأخرجه أيضا من حديث مالك وليس فيه ذلك . قال أبو داود : غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه " قالت السنة " . وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها : لا يخرج ، وما عداه ممن دونها انتهى ، وكذلك رجح ذلك البيهقي ، ذكره ابن كثير في الإرشاد . وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو القرشي المدني يقال له : عباد ، وقد أخرج له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم . الحديثان استدل بهما على أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه لعيادة المريض ولا لما يماثلها من القرب كتشييع الجنازة وصلاة الجمعة . قال في الفتح : وروينا عن علي عليه السلام والنخعي والحسن البصري : إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه ، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة .

وقال الثوري والشافعي وإسحاق : إن شرط شيئا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد انتهى . وعن الهادوية أنه يجوز الخروج لتلك الأمور ونحوها ولكن في وسط النهار قياسا على الحاجة المذكورة في حديث عائشة . المتقدم وهو فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص

قوله : ( ولا يمس امرأة ولا يباشرها ) المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها . وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك ، ويؤيده ما روى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية ، يعني قوله تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } أنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت . قوله : ( ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ) فيه دليل على المنع من الخروج لكل حاجة من غير فرق بين ما كان مباحا أو قربة أو غيرهما ، إلا الذي لا بد منه كالخروج لقضاء الحاجة وما في حكمها قوله : ( ولا اعتكاف إلا بصوم ) فيه دليل على أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم ، وأنه شرط ، حكاه في البحر عن العترة جميعا ، وابن عباس وابن عمر ومالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة

وحكي في البحر أيضا عن ابن مسعود والحسن البصري والشافعي وأحمد وإسحاق أنه ليس بشرط ، قالوا : يصح اعتكافه ساعة واحدة ولحظة واحدة . واستدلوا بما تقدم من " أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من شوال ومن جملتها يوم الفطر " وبحديث عمر الآتي . وأجابوا عن حديث عائشة المذكور في الباب بما تقدم من الكلام عليه وهذا هو الحق لا كما قال ابن القيم : إن الراجح الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف . وقد روي عن علي وابن مسعود أنه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه . ويدل [ ص: 317 ] على ذلك حديث ابن عباس الآتي ويؤيد قول من قال بجواز الاعتكاف ساعة أو لحظة حديث { من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة } رواه العقيلي في الضعفاء من حديث عائشة وأنس . قال في البدر المنير : هذا حديث غريب لا أعرفه بعد البحث الشديد عنه . وقال الحافظ : هو منكر ولكنه أخرجه الطبراني في الأوسط قال الحافظ : لم أر في إسناده ضعفا إلا أن فيه وجادة في المتن ونكارة شديدة

وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى أن أقل مدة الاعتكاف يوم قوله : ( ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع ) فيه دليل على أن المسجد شرط للاعتكاف . قال في الفتح : واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي ، فأجازه في كل مكان ، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة .

وفيه قول للشافعي قديم .

وفي وجه لأصحابه وللمالكية : يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل . وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات . وخصه أبو يوسف بالواجب منه ، وأما النفل ففي كل مسجد . وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد انتهى كلام الفتح وسيأتي قول من قال : إنه يختص بالمساجد الثلاثة .

1765 - ( وعن ابن عمر { : أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ قال : فأوف بنذرك } متفق عليه . وزاد البخاري " فاعتكف ليلة " ) .

1766 - ( وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه } رواه الدارقطني وقال : رفعه أبو بكر السوسي وغيره لا يرفعه ) .

الحديث الثاني رجحه الدارقطني ، والبيهقي وقفه . وأخرجه الحاكم مرفوعا وقال : صحيح الإسناد قوله : ( إن عمر سأل ) لم يذكر مكان السؤال .

وفي رواية للبخاري أن ذلك كان بالجعرانة لما رجعوا من حنين . ويستفاد منه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل ; لأن غزوة حنين متأخرة عن ذلك قوله : ( نذرت في الجاهلية ) زاد مسلم " فلما أسلمت سألت " وفي ذلك رد على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة وإنه إنما نذر في الإسلام . وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطني بلفظ : " نذر أن يعتكف في الشرك " قوله : ( أن أعتكف ليلة ) استدل به على جواز الاعتكاف [ ص: 318 ] بغير صوم لأن الليل ليس بوقت صوم ، وقد أمره صلى الله عليه وسلم أن يفي بنذره على الصفة التي أوجبها . وتعقب بأن في رواية لمسلم " يوما " بدل ليلة وقد جمع ابن حبان وغيره بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة ، فمن أطلق ليلة أراد بيومها ، ومن أطلق يوما أراد بليلته . وقد ورد الأمر بالصوم

في رواية أبي داود والنسائي بلفظ : { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : اعتكف وصم } أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل ولكنه ضعيف ، وقد ذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار . قال في الفتح : ورواية من روى يوما شاذة ، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاري " فاعتكف ليلة " فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا ، وأن الاعتكاف لا صوم فيه ، وأنه لا يشترط له حد معين قوله : ( ليس على المعتكف صيام ) استدل به . القائلون أنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف وقد تقدم ذكرهم . وقد استدل بعض القائلين بأن الصوم شرط في الاعتكاف بقوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } قال : فذكر الاعتكاف عقب الصوم . وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمهما ، وإلا لزم أن لا صوم إلا بالاعتكاف ولا قائل به .

وفي حديث عمر المذكور في الباب رد على من قال : إن أقل الاعتكاف عشرة أيام .

وفيه أيضا دليل على أن النذر من الكافر لا يسقط عنه بالإسلام وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك .

1767 - ( وعن حذيفة أنه قال لابن مسعود : لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ، أو قال - في مسجد جماعة } رواه سعيد في سننه ) .

1768 - ( وعن عائشة { أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم ، فربما وضعت الطشت تحتها من الدم } رواه البخاري وفي رواية : { اعتكف معه امرأة من أزواجه وكانت ترى الدم والصفرة والطشت تحتها وهي تصلي } . رواه أحمد والبخاري وأبو داود ) .

الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة ولكن لم يذكر المرفوع منه ، واقتصر على المراجعة التي فيه بين حذيفة وابن مسعود ولفظه : " إن حذيفة جاء إلى عبد الله فقال : ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري ، يعني المسجد ، قال عبد الله : فلعلهم أصابوا وأخطأت " فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد ، ولو كان ثم حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما خالفه ، [ ص: 319 ] وأيضا الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج أحد شقيه . وقد استشهد لحديث حذيفة بحديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مرفوعا بلفظ { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى } وهو متفق عليه ، ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة ; لأن أفضلية المساجد واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف وقد حكي في الفتح عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة ، ولم يذكر هذا الحديث . وحكي عن عطاء أنه يختص بمسجد مكة ، وعن ابن المسيب بمسجد المدينة ، وقوله : ( أو قال : في مسجد جماعة ) قيل : فيه دليل لمذهب أبي حنيفة وأحمد المتقدم قوله : ( بعض نسائه ) قال ابن الجوزي : ما عرفنا من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من كانت مستحاضة . قال : والظاهر أن عائشة أشارت بقولها من نسائه : أي من النساء المتعلقات به ، وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب ، ولكنه يرد عليه ما وقع في البخاري في كتاب الاعتكاف بلفظ : " امرأة مستحاضة من أزواجه " ووقع في رواية سعيد بن منصور عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة ، وهذه الرواية تفيد تعيينها . وقد حكى ابن عبد البر أن بنات جحش الثلاث كن مستحاضات : زينب وحمنة وأم حبيبة . ويدل على ذلك ما وقع عند أبي داود عن عائشة أنها قالت : " استحيضت زينب بنت جحش " وقد عد مغلطاي في المستحاضات : سودة بنت زمعة ، وقد روى ذلك أبو داود تعليقا ، وذكر البيهقي أن ابن خزيمة أخرجه موصولا ، فهذه ثلاث مستحضات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( من الدم ) أي لأجل الدم

والحديث يدل على جواز مكث المستحاضة في المسجد وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث ، ويلحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل ، وقد تقدم البحث عن ذلك



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث