الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان

جزء التالي صفحة
السابق

( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) أي : وإذا قيل لمتبعي خطوات الشيطان الذين يقولون على الله بغير علم ولا برهان : اتبعوا ما أنزل إليكم ولا تتبعوا [ ص: 74 ] من دونه أولياء ، قالوا : لا ، نحن لا نعرف ما أنزل الله ، بل نتبع ما ألفينا ; أي : وجدنا عليه آباءنا ، وهو ما تقلدناه من سادتنا وكبرائنا ، وشيوخ علمائنا . لم يخاطب هؤلاء ببطلان ما هم عليه وتشنيعه خطابا لهم بل حكى عنهم حكاية بين فساد مذهبهم فيها ، كأنه أنزلهم منزلة من لا يفهم الخطاب ولا يعقل الحجج والدلائل ، كما بين ذلك بالتمثيل الآتي . ولو كان للمقلدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية بأسلوبها لتنفيرهم من التقليد ، فإنهم في كل ملة وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل الله استئناسا بما ألفوه مما ألفوا آباءهم عليه ، وحسبك بهذا شناعة ; إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل الله تقليد أحد من الناس وإن كبر عقله وحسن سيره ; إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره ، وما من مهتد إلا ويحتمل أن يضل في بعض سيره ، فلا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله ، ولا معصوم إلا من عصم الله ، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله إلى اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل ، على أنه لو لم يكن مؤمنا بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله تعالى : ( أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) ؟ ! فإن هذا حجة عقلية لا تنقض .

أقول : الهمزة للإنكار والتعجب ، وهي داخلة على فعل حذف للعلم به من القرينة ، " ولو " للغاية لا تحتاج إلى جواب وجزاء . والتقدير أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كل حال وفي كل شيء ، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من عقائد الدين إذ لا يسلكون طريق العقل بالاستدلال على أن ما هم عليه من العقائد والعبادات حق ، ولا يهتدون في أحكامه وأعماله بوحي من الله جاءهم به رسول من عند الله ؟ أي حتى في تجردهم من دليلي العقل والنقل ، هذا ما أفهمه . وقال البيضاوي : أي لو كان آباؤهم جهلة لا يفكرون في أمر الدين ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم . وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر أو الاجتهاد ، أما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام فهو في الحقيقة ليس بتقليد بل اتباع لما أنزل الله ا هـ . ونقله عنه الألوسي بغير عزو ووصله بآية ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ( 16 : 43 ) وفيه : أنه لم يفرق في التقليد بين القطعي المعلوم من الدين بالضرورة وهو لا يجوز التقليد فيه ألبتة بل لا محل له ، وبين الأمور الاجتهادية كأحكام القضاء وسياسة الأمة ، وهذا هو الذي يشترط فيه القدرة على النظر والاستدلال ، ولم يفرق بين اتباع النبي المعصوم - فيما يبلغه عن الله تعالى لمن قامت عنده الحجة على نبوته فهو لا يكون إلا محقا - وبين المجتهد الذي لا يمكن العلم بأنه محق إلا بالوقوف على دليله وفهمه ، وقوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر ) في طلب السؤال عن أمر قطعي معلوم بالضرورة وهو كون الرسل رجالا يوحى إليهم لا عن رأي اجتهادي .

وقال الجلال وغيره : لا يعقلون شيئا من أمر الدين . وتعقبه الأستاذ الإمام بقوله : [ ص: 75 ] عقل الشيء : معرفته بدلائله وفهمه بأسبابه ونتائجه ، وأقرب الناس إلى معرفة الحق الباحثون الذين ينظرون في الدلائل بقصد صحيح ولو في غير الحق ; لأن الباحث المستدل إذا أخطأ يوما في طريق الاستدلال أو في موضوع البحث فقد يصيب في يوم آخر ، لأن عقله يتعود الفكر الصحيح ، واستفادة المطالب من الدلائل ، وأبعد الناس عن معرفة الحق المقلدون الذين لا يبحثون ولا يستدلون ، لأنهم قطعوا على أنفسهم طريق العلم وسجلوا على عقولهم الحرمان من الفهم ، فهم لا يوصفون بإصابة ; لأن المصيب هو من يعرف أن هذا هو الحق ، والمقلد إنما يعرف أن فلانا يقول إن هذا هو الحق فهو عارف بالقول فقط ; ولذلك ضرب لهم المثل في الآية الآتية بعدما سجل عليهم الضلالة بعدم استعمال عقولهم .

( فإن قيل ) : إن الآية إنما تمنع اتباع غير من يعقل الحق ويهتدي إلى حسن العمل والصواب في الحكم ، ولكنها لا تمنع من تقليد العاقل المهتدي . ( نقول ) : ومن أين يعرف المقلد أن متبوعه يعقل ويهتدي إذا هو لم يقف على دليله ؟ فإن هو اتبعه في طريقة الاستدلال حتى وصل إلى ما وصل على بصيرة فإن الآية لا تنعي عليه هذا ، إذ هو استفادة للعلم محمودة لا تقليد في المعلوم أو المظنون لغيره .

قال الأستاذ الإمام : رأيت لبعض السلف أنه قال : لو أن شخصا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وسمع قوله واقتدى به من غير نظر في نبوته يؤدي إلى الوصول إلى اعتقاد صحتها بالدليل لعد مقلدا ، ولم يكن على بصيرة كما أمر الله المؤمن أن يكون ( وأقول ) إن هذا مأخوذ من قوله تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) ( 12 : 108 ) وقد فسروا البصيرة بالحجة الواضحة ، ولا يشترط في صحة الإيمان بنبوته - صلى الله عليه وسلم - النظر الاستدلالي المعروف عند المتكلمين ; بل يكفي فيها اطمئنان النفس لصدقه بمعرفة حاله وحسن ما دعا إليه ، ولكن مرتبة الدعوة إلى الله وإثبات دينه بالحجة لا يرتقي إليها كل مؤمن به - صلى الله عليه وسلم - .

هذا وإن في قوله تعالى : ( لا يعقلون شيئا ) بحثا ، فقد يشكل هذا العموم فيه على بعض الأفهام ، وقد بين له الأستاذ الإمام ثلاثة أوجه .

( أحدها ) : أن معناه لا يستعملون عقولهم في شيء مما يجب العلم به ، بل يكتفون فيه كله بالتسليم من غير نظر ولا بحث وهو ما مر .

( وثانيها ) : أنه جار على طريقة البلغاء في المبالغة بجعل الغالب أمرا كليا عاما . يقولون في الضال في عامة شئونه : إنه لا يعقل شيئا ولا يهتدي إلى الصواب . ويقولون في البليد إنه لا يفهم شيئا ، وهذا لا ينافي أن يعقل الأول بعض الأشياء ويفهم الثاني بعض المسائل .

( وثالثها ) : أنه ليس الغرض من العبارة نفي العقل عن آبائهم بالفعل ، وإنما المراد منها : أيتبعون آباءهم لذواتهم كيفما كان حالهم حتى لو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون ؟ كأنه يقول [ ص: 76 ] إن اتباع الشخص لذاته منكر لا ينبغي ، وهذا قول مألوف ، فمن يقول : أنا أتبع فلانا في كل ما يعمل ، يقال له : أتتبعه ولو كان لا يعمل خيرا ؟ أي : أن من شأن من يتبع آخر لذاته لا لكونه محسنا ومصيبا أن يتبعه في كل شيء وإن كان كل عمله باطلا ; لأنه لا يفرق بين الحق والباطل والخير والشر إلا من ينظر ويميز ، وهذا لا يتبع أحدا لذاته كيفما كان حاله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث