الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأما ذنوب الإنسان : فهي من نفسه . ومع هذا فهي - مع [ ص: 307 ] حسن العاقبة - نعمة وهي نعمة على غيره بما يحصل له بها من الاعتبار والهدى والإيمان . ولهذا كان من أحسن الدعاء قوله { اللهم لا تجعلني عبرة لغيري ولا تجعل أحدا أسعد بما علمتني مني }

. وفي دعاء القرآن { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } { لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } كما فيه { واجعلنا للمتقين إماما } أي فاجعلنا أئمة لمن يقتدي بنا ويأتم . ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا ويشقى . و " الآلاء " في اللغة : هي النعم وهي تتضمن القدرة . قال ابن قتيبة : لما عدد الله في هذه السورة - سورة الرحمن - نعماءه وذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته . جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين ليفهم النعم ويقررهم بها .

وقد روى الحاكم في صحيحه والترمذي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى ختمها . ثم قال : ما لي أراكم سكوتا ؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا . ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة - { فبأي آلاء ربكما تكذبان } - إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب . فلك الحمد } . [ ص: 308 ] والله تعالى يذكر في القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته . ويذكر بآياته التي فيها نعمه وإحسانه إلى عباده . ويذكر بآياته المبينة لحكمته تعالى . وهي كلها متلازمة .

فكل ما خلق : فهو نعمة ودليل على قدرته وعلى حكمته . لكن نعمة الرزق والانتفاع بالمآكل والمشارب والمساكن والملابس : ظاهرة لكل أحد .

فلهذا يستدل بها كما في سورة النحل . وتسمى سورة النعم . كما قاله قتادة وغيره . وعلى هذا : فكثير من الناس يقول : الحمد أعم من الشكر . من جهة أسبابه . فإنه يكون على نعمة وعلى غير نعمة . والشكر أعم من جهة أنواعه . فإنه يكون بالقلب واللسان واليد . فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة : لم يكن الحمد إلا على نعمة . والحمد لله على كل حال . لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة على عباده . لكن هذا فهم من عرف ما في المخلوقات من النعم . والجهمية والجبرية : بمعزل عن هذا . [ ص: 309 ] وكذلك كل ما يخلقه : ففيه له حكمة .

فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة . والجهمية أيضا بمعزل عن هذا . وكذلك القدرية الذين يقولون : لا تعود الحكمة إليه .

بل ما ثم إلا نفع الخلق . فما عندهم إلا شكر كما ليس عند الجهمية إلا قدرة . والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة : لا يظهر فيها وصف حمد كالقادر الذي يفعل ما لا ينتفع به ولا ينفع به أحدا . فهذا لا يحمد . فحقيقة قول الجهمية أتباع جهم : أنه لا يستحق الحمد .

فله عندهم ملك بلا حمد مع تقصيرهم في معرفة ملكه . كما أن المعتزلة له عندهم نوع من الحمد بلا ملك تام . إذ كان عندهم يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء . وتحدث حوادث بلا قدرته .

وعلى مذهب السلف : له الملك وله الحمد تامين . وهو محمود على حكمته كما هو محمود على قدرته ورحمته . [ ص: 310 ] وقد قال { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } فله الوحدانية في إلهيته وله العدل وله العزة والحكمة . وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم . فمن قصر عن معرفة السنة فقد نقص الرب بعض حقه . والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد إلهية . بل توحيد ربوبيته . والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات والسيئات ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة وإن قال : إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره .

وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا لأمر يرجع إليه بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه . وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت : أنه رأس الشكر . فهو أول الشكر . والحمد - وإن كان على نعمته وعلى حكمته - فالشكر بالأعمال : [ ص: 311 ] هو على نعمته . وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته .

فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر . ولهذا عظم القرآن أمر الشكر . ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر . وشرع الحمد - الذي هو الشكر المقول - أمام كل خطاب مع التوحيد . ففي الفاتحة : الشكر والتوحيد . والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد . والباقيات الصالحات نوعان . فسبحان الله وبحمده : فيها الشكر والتنزيه والتعظيم . ولا إله إلا الله . والله أكبر : فيها التوحيد والتكبير . وقد قال تعالى { فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث