الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وللأبعد التزويج بغيبة الأقرب مسافة القصر ) أي ثلاثة أيام فصاعدا ; لأن هذه ولاية نظرية وليس من النظر التفويض إلى من لا ينتفع برأيه ففوضناه إلى الأبعد وهو مقدم على الحاكم كما إذا مات الأقرب ، واختلف في حد الغيبة فذهب أكثر المتأخرين إلى أنها مقدرة بمسافة القصر ; لأنه ليس لأقصاها غاية فاعتبر بأدنى مدة السفر ، واختاره المصنف وعليه الفتوى كما في التبيين واختار أكثر المشايخ كما في النهاية أنها مقدرة بفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه وصححه ابن الفضل وفي الهداية ، وهذا أقرب إلى الفقه ; لأنه لا نظر في إبقاء ولايته حينئذ وفي المجتبى والمبسوط والذخيرة وهو الأصح وفي الخلاصة وبه كان يفتي الشيخ الإمام الأستاذ وفي فتح القدير ولا تعارض بين أكثر المتأخرين وأكثر المشايخ ا هـ .

وهنا أقوال أخر لكنها ضعيفة والحاصل أن التصحيح قد اختلف والأحسن الإفتاء بما عليه أكثر المشايخ وعليه فرع قاضي خان في شرحه أنه لو كان مختفيا بالمدينة بحيث لا يوقف عليه تكون غيبة منقطعة ، وهذا أحسن ; لأنه النظر ويتفرع على ما في المختصر أنه لا يزوج الأبعد إذا كان الأقرب بالمدينة مختفيا وأشار المصنف بعدم ذكر سلب ولاية الأقرب إلى أنها باقية مع الغيبة حتى لو زوجها الأقرب حيث هو ، اختلفوا فيه ، والظاهر هو الجواز كذا في الخانية والظهيرية ولو زوجا معا أو لا يدرى السابق من [ ص: 136 ] اللاحق فهو باطل كذا ذكره الإسبيجابي وقيد بالغيبة ; لأن الأقرب إذا عضلها يثبت للأبعد ولاية التزويج بالإجماع كذا في الخلاصة وبه اندفع ما ذكره السروجي من أنه تثبت للقاضي وقيد بالتزويج ; لأنه ليس للأبعد التصرف في المال وهو للأقرب ; لأن رأيه منتفع به في مالها بأن ينقل إليه ليتصرف في مالها كذا في المحيط قالوا إذا خطبها كفء وعضلها الولي تثبت الولاية للقاضي نيابة عن العاضل فله التزويج وإن لم يكن في منشوره . لكن ما المراد بالعضل ؟ فيحتمل أن يمتنع من تزويجها مطلقا ويحتمل أن يكون أعم من الأول ومن أن يمتنع من تزويجها من هذا الخاطب الكفء ليزوجها من كفء غيره وهو الظاهر ولم أره صريحا ( قوله ولا يبطل بعوده ) أي لا يبطل تزويج الأبعد بعود الأقرب ; لأنه عقد صدر عن ولاية تامة فالضمير في لا يبطل عائد إلى التزويج وما في التبيين من عوده إلى ولاية الأبعد فبعيد عن النظم والمعنى ; لأن ولايته تبطل بعود الأقرب في المستقبل فالأحسن ما قلنا .

التالي السابق


( قوله والأحسن الإفتاء بما عليه أكثر المشايخ ) أي من تقدير الغيبة بمدة يفوت فيها الكفء الخاطب ، وقال في الفتح إنه الأشبه بالفقه ا هـ .

وتقدم ترجيحه عن الهداية ومشى عليه في المنتقى والاختيار والنقاية قلت : وهل المراد بالخاطب مخصوص وهو الخاطب بالفعل أو جنس الخاطب ؟ والمتبادر الأول حتى لو كان الخاطب بالشام والولي بمصر فإن رضي الخاطب أن ينتظر إلى استئذان الولي الأقرب لم يصح للأبعد العقد وإلا فلا ، لكن ما فرعه قاضي خان يفيد أن المراد جنس الخاطب بناء على العادة من عدم انتظار المختفي إذ لو كان المراد الخاطب بالفعل لكان الأمر متوقفا على سؤاله ، وأنه هل ينتظر أو لا ؟ فلعله ينتظر أياما رجاء ظهوره فإطلاق الجواب في عد ذلك غيبة منقطعة يفيد أنه ليس المراد خاطبا مخصوصا إلا أن يكون بناء على الغالب من أنه مع الاختفاء لا ينتظر لعدم العلم بمدته وفي القهستاني واختلفوا في مقداره ، فقال الفضلي والسرخسي وغيرهما إن مدتها ما لم ينتظر الكفء الخاطب حضوره أو خيره المجوز للنكاح أو غير المجوز فلو انتظره الخاطب لم ينكح الأبعد إلى [ ص: 136 ] آخره ، وهذا ظاهر في أن المراد المعين .

( قوله وإذا خطبها كفء وعضلها الولي تثبت الولاية للقاضي ) قال الرملي تقدم الإجماع على أنها تنتقل إلى الأبعد فيحمل ما هنا على من ليس لها ولي أبعد . ا هـ .

ويؤيده قول المؤلف وبه اندفع ما ذكره السروجي إلخ لكن للشرنبلالي رسالة سماها " كشف المعضل فيمن عضل " حقق فيها عكس ما فهمه المؤلف والرملي وأيده بالنقول فلا بأس بإيراد حاصلها هنا فنقول : قال ابن الشحنة عن الغاية عن روضة الناطفي إن كان للصغيرة أب امتنع عن تزويجها لا تنتقل الولاية إلى الجد ا هـ .

ونقله أيضا عن أنفع الوسائل عن المنتقى ونصه : إذا كان للصغيرة أب امتنع عن تزويجها لا تنتقل الولاية إلى الجد بل يزوجها القاضي ا هـ .

وكذا نقل المقدسي عن الغاية أنه ثبت للقاضي نيابة عن العاضل فله التزوج وإن لم يكن في منشوره ، وكذا نقل في النهر عن المحيط أنه تنتقل إلى الحاكم ونص في الفيض بما مر عن المنتقى وقال الزيلعي عند قوله وللأبعد التزويج بغيبة الأقرب وقال الشافعي بل يزوجها الحاكم اعتبارا بعضله وقال في البدائع .

والشافعي يقول إن ولاية الأقرب باقية كما قال زفر إلا أنه امتنع دفع حاجتها من قبل الأقرب مع قيام ولايته عليها بسبب الغيبة فتثبت الولاية للسلطان كما إذا خطبها كفء وامتنع الولي من تزويجها منه للقاضي أن يزوجها ، والجامع دفع الضرر عنها ، ثم قال في تقرير دليلنا وبه تبين أن نقل الولاية إلى السلطان أي حال غيبة الأقرب باطل ; لأن السلطان ولي من لا ولي له وهاهنا لها ولي أو وليان فلا تثبت الولاية للسلطان إلا عند العضل من الولي ولم يوجد ا هـ .

وقال في التسهيل وليس هذا كالعضل فإنه ثمة صار ظالما بالامتناع فقام السلطان مقامه في دفع الظلم والأقرب غير ظالم في سفره خصوصا الحج ا هـ .

ونحوه في شرح المجمع الملكي فهذه النقول تفيد الاتفاق عندنا على ثبوتها بعضل الأقرب للقاضي فقط ، وأما ما في الخلاصة والبزازية من أنها تنتقل إلى الأبعد بعضل الأقرب إجماعا فالمراد بالأبعد القاضي ; لأنه آخر الأولياء فالتفضيل على بابه وإلا ناقضه ما مر المفيد ولاية القاضي إجماعا ويدل عليه ذكر صاحب الفيض كلام الخلاصة بعد قوله إن تزويجه هنا نيابة عن العاضل بإذن الشرع لا بغيره فهو نص في أن المراد بالأبعد القاضي وما ذكر في البحر ورد به على السروجي لو نظر إلى ما مر ما وسعه أن يقوله بل صار كالمتناقض حيث ذكر بعده بنحو سطر ما يخالفه ا هـ . ملخصا . ومن رام الزيادة فليرجع إلى تلك الرسالة فإن فيها زيادة تحقيق

ويمكن أن يجاب بحمل ما في الخلاصة على ما إذا لم يكن قاض ، هذا وما في المنح من قاضي خان أنه ما دام للصغير قريب فالقاضي ليس بولي في قول أبي حنيفة وعند صاحبيه ما دام عصبة ا هـ .

قال المرحوم حامد أفندي العمادي في فتاويه إن قاضي خان ذكر هذه العبارة في تعداد الأولياء في مسألة العضل ففي نقل المنح لها في هذا المحل تسامح ا هـ .

أي : أن ما في الخانية بيان لرتبة ولاية القاضي وأنها مؤخرة عن العصبات وذوي الأرحام وعندهما عن العصبات فقط ، وقد علمت أن تزويج القاضي عند عضل الأقرب ليس بطريق الولاية بل بطريق النيابة ولذا يثبت له وإن لم يكن في منشوره ، والله أعلم . ( قوله وهو الظاهر ولم أره صريحا ) قال الرملي هذا الظاهر غير ظاهر إذ الولاية بالعضل نيابة إنما انتقلت للقاضي لدفع الأضرار بها ولا يوجد مع إرادة التزويج بكفء غيره تأمل . ا هـ .

قلت : فيه أنه قد يريد أن يزوجها من كفء آخر لا تحبه ولا ترضى به فإذا امتنع من تزويجها ممن ترضى به يلزم منعها عن التزوج أصلا

وقد يقال إن الكلام في الصغيرة ولا عبرة برضاها وعدمه بل ينبغي التفصيل بأن يقال إن كان الكفء الآخر حاضرا وامتنع الأب من تزويجها من الأول وأراد تزويجها من الثاني لا يكون عاضلا ; لأن شفقته دليل على أنه اختار لها الأنفع أما لو حضر كفء وامتنع من تزويجها له وأراد انتظار كفء آخر فهو عاضل ; لأنه متى حضر الكفء لا ينتظر غيره خوفا من فوته ولذا تنتقل الولاية إلى الأبعد [ ص: 137 ] إذا غاب الأقرب كما مر والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث