الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1560 [ ص: 92 ] يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب تسعة أحاديث

حديث أول ليحيى بن سعيد

مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول : لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح ، ثم كوم كومة بطحاء ، ثم طرح عليها رداءه ، واستلقى ، ثم مد يديه إلى السماء ، فقال : اللهم كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وانتشرت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مضيع ، ولا مفرط ، ثم قدم المدينة ، فخطب الناس ، فقال : أيها الناس قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا وضرب بإحدى يديه على الأخرى ، ثم قال إياكم أن تهلكوا ، عن آية الرجم أن يقول قائل : لا نجد حدين في كتاب الله ، فقد رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رجمنا ، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس : زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة فإنا قد قرأناها .

التالي السابق


قال مالك : قال يحيى بن سعيد : قال سعيد بن المسيب : فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر - رحمه الله - .

قال مالك الشيخ والشيخة الثيب والثيبة فارجموهما ألبتة .

[ ص: 93 ] قال أبو عمر : هذا حديث مسند صحيح ، والذي يستند منه قوله : فقد رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما سماع سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب ، فمختلف فيه ، قالت طائفة من أهل العلم : لم يسمع من عمر شيئا ، ولا أدركه إدراك من يحفظ عنه ، وذكروا ما رواه ابن لهيعة ، عن بكير بن الأشج وعثمان قال قيل لسعيد بن المسيب أدركت عمر بن الخطاب قال : لا .

وقال آخرون : قد سمع سعيد بن المسيب من عمر أحاديث حفظها عنه منها هذا الحديث ، ومنها قوله : حين رأى البيت ، وزعموا أن سعيد بن المسيب شهد هذه الحجة مع عمر ، وحفظ عنه فيها أشياء ، وأداها عنه ، وهي آخر حجة حجها عمر ، وكانت خلافته عشر سنين ، وستة أشهر ، وأربعة أيام ، وقتل بعد انصرافه من حجته تلك لأربع بقين من ذي الحجة سنة أربع وعشرين .

حدثني عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن وضاح قال : حدثنا نصر بن المهاجر قال : حدثنا عبد الصمد قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة قال قلت : لسعيد بن المسيب رأيت عمر بن الخطاب ؟ قال : نعم قال : ابن وضاح ولد سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر ، وسمع منه كلامه الذي قال حين نظر إلى الكعبة اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، فحينا ربنا بالسلام .

كذلك قال لي ابن كاسب ، وغير واحد ابن وضاح يقوله .

[ ص: 94 ] قال أبو عمر : أصح ما قيل في قوله يقصد أنه لسنتين مضتا من خلافة عمر ، وقد قيل لسنتين بقيتا .

وقال مالك كان سعيد بن المسيب يقال له راوية عمر .

فقال : حدثنا أسباط ، عن الشيباني ، عن بكير بن الأخنس ، عن سعيد بن المسيب قال : سمعت عمر يقول : على هذا المنبر لا أجد أحدا جامع ، ولم يغتسل أنزل أو لم ينزل إلا عاقبته .

قال الحسن بن علي الحلواني ، وحدثنا الأصمعي قال : حدثنا طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب ، عن سعيد بن المسيب قال أنا في الغلمة الذين جروا جعدة العقيلي إلى عمر .

قال : وحدثنا عبد الصمد قال : حدثنا شعبة ، عن إياس بن معاوية قال : قال لي سعيد بن المسيب : ممن أنت ؟ قلت : من مزينة ، فقال : إني لأذكر اليوم الذي نعى فيه عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني إلى الناس على المنبر ، وكان علي بن المديني يصحح سماعه من عمر .

قال أبو عمر : معنى هذا الحديث يستند من وجوه صحاح ثابتة من حديث ابن عباس ، عن عمر أخبرنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : حدثنا معمر ، عن [ ص: 95 ] الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : إن الله بعث محمدا بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده .

قال سفيان ، وقد سمعته من الزهري بطوله ، فحفظت منه أشياء ، وهذا مما لم أحفظه يومئذ .

قال أبو عمر : قول ابن عيينة ، وقد سمعته من الزهري بطوله يعني حديث السقيفة ، وفيه هذا الكلام ، عن عمر في الرجم .

وقد روى حديث السقيفة ، عن الزهري بتمامه مالك ، وغيره ، رواه عن مالك جماعة منهم ابن وهب ، وإسحاق بن محمد الفروي ، وعبد العزيز بن يحيى وجويرية بن أسماء .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا إسحاق بن محمد الفروي قال : حدثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس .

وأخبرنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا أحمد بن زهير قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال : حدثنا جويرية بن أسماء ، عن مالك ، عن الزهري أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره أنه كان يقرئ عبد [ ص: 96 ] الرحمن بن عوف ، فذكرا حديث السقيفة بطوله ، وفيه قال عمر : أما بعد ، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لعلها بين يدي أجلي ، فمن وعاها ، وعقلها ، فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن خشي أن لا يعيها ، فلا أحل له أن يكذب علي إن الله بعث محمدا بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، وكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ، وعقلناها ، ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا ، وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فنترك فريضة أنزلها الله ، فيضلوا ، فإن الرجم في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال ، والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ، وذكر الحديث بتمامه .

وذكر مالك في الموطأ هذا الكلام الآخر ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس أنه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : الرجم في كتاب الله حق على من زنا من الرجال ، والنساء إذا أحصن إذا قامت عليه البينة أو كان الحبل أو الاعتراف .

وأجمع العلماء على أن البينة إذا كانوا شهودا أربعة عدولا أقيم الحد على الزاني ، وكذلك الاعتراف إذا ثبت على العاقل البالغ ، ولم [ ص: 97 ] ينزع عنه ، واختلفوا في الحبل يظهر بالمرأة هل يكون مثل البينة ، والاعتراف أم لا ، ففي حديث عمر هذا التسوية بين البينة ، والاعتراف ، والحبل ، فذهب قوم إلى أن المرأة إذا ظهر بها حمل ، ولم يعلم لها زوج أن عليها الحد ، ولا ينفعها قولها إنه من زوج أو من سيد إن كانت أمة إذا لم يعلم ذلك ، قالوا : وهذا حد قد وجب بظهور الحمل ، فلا يزيله إلا يقين من بينة النكاح أو ملك يمين .

وقال مالك : إذا وجدت امرأة حاملا ، فقالت تزوجت أو استكرهت لم يقبل ذلك منها إلا ببينة على ما ذكرت لك ، أو جاءت تستغيث ، وهي تدمي أو نحو ذلك من فضيحة نفسها ، وإلا أقيم عليها الحد هكذا رواه ابن عبد الحكم ، وغيره ، عن مالك .

وقال ابن القاسم إن كانت طارئة غريبة ، فلا حد عليها ، وإلا أقيم عليها الحد ، وهو قول عثمان البتي ، وقال أبو حنيفة ، والشافعي : لا حد عليها إلا أن تقر بالزنا أو تقوم بذلك عليها بينة ، ولم يفرقوا بين طارئة ، وغير طارئة .

وروى حديث السقيفة بتمامه ، عن ابن شهاب عقيل ، ويونس ، ومعمر ، وابن إسحاق ، وعبد الله بن أبي بكر ، وغيرهم .

وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا إسحاق بن عيسى [ ص: 98 ] وحدثنا عبد الوارث قال : حدثنا قاسم قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قالا : حدثنا حماد بن زيد ، واللفظ لحديث مسدد ، وهو أتم ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب يخطب ، فقال : أيها الناس إن الرجم حق ، فلا تخدعن عنه ، وإن آية ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رجم ، وأن أبا بكر قد رجم ، وإنا قد رجمنا بعدهما ، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ، ويكذبون بالدجال ، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ، ويكذبون بالشفاعة ، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا .

قال أبو عمر : الخوارج كلها ، والمعتزلة تكذب بكل هذه الفصول الستة ، وأهل السنة على التصديق بها ، وهم الجماعة ، والحجة على من خالفهم بما هم عليه من استمساكهم بسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ولا خلاف بين علماء المسلمين : أهل الحديث ، والرأي أن المحصن إذا زنى حده الرجم وجمهورهم يقول : ليس عليه مع الرجم شيء ، ومنهم من يقول : يجلد ، ويرجم ، وهم قليل ، وقد ذكرنا هذه المسألة مجودة في باب ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن زيد بن خالد من هذا الكتاب ، والحمد لله .

[ ص: 99 ] وذكر حماد بن سلمة ، عن الحجاج ، عن الحسن بن سعد ، عن عبد الله بن شداد أن عمر رجم رجلا في الزنا ، ولم يجلده .

وفي حديث مالك هذا دليل على أن آية الرجم مما نسخ خطه من القرآن ، ولم يكتبه عثمان في المصحف ، ولا جمعه أبو بكر في الصحف ، وقد ذكرنا وجوه النسخ في القرآن ، عند ذكر حديث زيد بن أسلم من كتابنا هذا ، فلا معنى لتكريره هاهنا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث