الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الفرع والعتيرة ونسخهما

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الفرع والعتيرة ونسخهما 2152 - ( عن مخنف بن سليم قال { كنا وقوفا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فسمعته يقول يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة ؟ هي التي تسمونها الرجبية } . رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب ) .

2153 - ( وعن أبي رزين العقيلي أنه { قال : يا رسول الله إن كنا نذبح في رجب ذبائح فنأكل منها ونطعم من جاءنا فقال له لا بأس بذلك } ) .

2154 - ( وعن الحارث بن عمرو { أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قال : فقال رجل يا رسول الله الفرائع والعتائر فقال من شاء فرع ومن شاء لم يفرع ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم أضحية } . رواهما أحمد والنسائي ) .

2155 - ( وعن نبيشة الهذلي قال { : قال رجل : يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا قال : اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا الله عز وجل وأطعموا قال : فقال : رجل آخر : يا رسول الله : إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية فما [ ص: 165 ] تأمرنا ، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل سائمة من الغنم فرع تغذوه غنمك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه على ابن السبيل فإن ذلك هو خير } . رواه الخمسة إلا الترمذي )

التالي السابق


. حديث مخنف أخرجه أيضا أبو داود والنسائي ، وفي إسناده أبو رملة واسمه عامر قال الخطابي : هو مجهول والحديث ضعيف المخرج . وقال أبو بكر المعافري : حديث مخنف بن سليم ضعيف لا يحتج به . وحديث أبي رزين العقيلي أخرجه أيضا البيهقي وأبو داود وصححه ابن حبان بلفظ { : أنه قال : يا رسول الله إنا كنا نذبح في الجاهلية ذبائح في رجب ، فنأكل منها ونطعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس بذلك } وحديث الحارث بن عمرو أخرجه أيضا البيهقي والحاكم وصححاه . وحديث نبيشة صححه ابن المنذر . وقال النووي : أسانيده صحيحة وفي الباب عن عائشة عند أبي داود والحاكم والبيهقي . قال النووي : بإسناد صحيح قال { : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرعة من كل خمسين واحدة وفي رواية من كل خمسين شاة شاة } وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود قال { : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرع فقال : الفرع حق ، وأن تتركوه حتى يكون بكرا أو ابن مخاض أو ابن لبون ، فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك } يعني : أن ذبحه يذهب لبن الناقة ويفجعها قوله : ( في كل عام أضحية ) هذا من جملة الأدلة التي تمسك بها من قال بوجوب الأضحية . وقد تقدم الكلام على ذلك .

قوله : ( وعتيرة ) بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وسكون التحتية بعدها راء ، وهي ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب ويسمونها الرجبية كما وقع في الحديث المذكور . وقال النووي : اتفق العلماء على تفسير العتيرة بهذا . قوله

( الفرائع ) جمع فرع بفتح الفاء والراء ثم عين مهملة ، ويقال : فيه الفرعة بالهاء : هو أول نتاج البهيمة كانوا يذبحونه ولا يملكونه رجاء البركة في الأم وكثرة نسلها ، هكذا فسره أهل اللغة وجماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأصحابه . وقيل : هو أول النتاج للإبل ، وهكذا جاء تفسيره في البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي ، وقالوا : كانوا يذبحونه لآلهتهم ، فالقول الأول : باعتبار أول نتاج الدابة على انفرادها . والثاني : باعتبار نتاج الجميع وإن لم يكن أول ما تنتجه أمه . وقيل : هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه . قالشمر : قال أبو مالك : كان الرجل إذا بلغت إبله مائة قدم بكرا فنحره لصنمه ويسمونه فرعا . قوله : ( حتى إذا استحمل ) في رواية لأبي داود عن نصر بن علي استحمل للحجيج أي إذا قدر الفرع على أن [ ص: 166 ] يحمله من أراد الحج تصدقت بلحمه على ابن السبيل . وأحاديث الباب يدل بعضها على وجوب العتيرة وهو حديث مخنف وحديث نبيشة وحديث عائشة وحديث عمرو بن شعيب . وبعضها يدل على مجرد الجواز من غير وجوب ، وهو حديث الحارث بن عمرو وأبي رزين ، فيكون هذان الحديثان كالقرينة الصارفة للأحاديث المقتضية للوجوب إلى الندب .

وقد اختلف في الجمع بين الأحاديث المذكورة والأحاديث الآتية القاضية بالمنع من الفرع والعتيرة ، فقيل : إنه يجمع بينها بحمل هذه الأحاديث على الندب وحمل الأحاديث الآتية على عدم الوجوب ، ذكر ذلك جماعة منهم الشافعي والبيهقي وغيرهما فيكون المراد بقوله : لا فرع ولا عتيرة أي : لا فرع واجب ولا عتيرة واجبة ، وهذا لا بد منه عدم مع عدم العلم بالتاريخ ; لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع لا يجوز كما تقرر في موضعه .

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الأحاديث منسوخة بالأحاديث الآتية . وادعى القاضي عياض أن جماهير العلماء على ذلك ولكنه لا يجوز الجزم به إلا بعد ثبوت أنها متأخرة ولم يثبت .

2156 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا فرع ولا عتيرة } ، والفرع أول النتاج كان ينتج لهم فيذبحونه والعتيرة في رجب . متفق عليه وفي لفظ { لا عتيرة في الإسلام ولا فرع . } رواه أحمد وفي لفظ أنه نهى عن الفرع والعتيرة . رواه أحمد والنسائي .

2157 - وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا فرع ولا عتيرة . } رواه أحمد . حديث ابن عمر رضي الله عنه متنه متن حديث أبي هريرة المتفق عليه فهو شاهد لصحته ولم يذكره في مجمع الزوائد ، بل ذكر حديث ابن عمر الآخر أن { النبي صلى الله عليه وسلم قال في العتيرة : هي حق } وفي بعض نسخ المتن : رواه ابن ماجه مكان قوله : رواه أحمد . قوله : ( لا فرع ولا عتيرة ) قد تقرر أن النكرة الواقعة في سياق النفي تعم فيشعر ذلك بنفي كل فرع وكل عتيرة ، والخبر محذوف . وقد تقرر في الأصول أن المقتضي لا عموم له فيقدر واحد وهو ألصقها بالمقام

وقد تقدم أن المحذوف هو لفظ واجب وواجبة ، ولكن إنما حسن المصير إلى أن المحذوف هو ذلك الحرص على الجمع بين الأحاديث ، ولولا ذلك لكان المناسب تقدير " ثابت في الإسلام " أو " مشروع " أو " حلال " كما يرشد إلى ذلك التصريح [ ص: 167 ] بالنهي في الرواية الأخرى . وقد استدل بحديثي الباب من قال بأن الفرع والعتيرة منسوخان ، وهم من تقدم ذكره . وقد عرفت أن النسخ لا يتم إلا بعد معرفة تأخر تاريخ ما قيل : إنه ناسخ ، فأعدل الأقوال الجمع بين الأحاديث بما سلف . ولا يعكر على ذلك رواية النهي ; لأن معنى النهي الحقيقي وإن كان هو التحريم لكن إذا وجدت قرينة أخرجته عن ذلك .

ويمكن أن يجعل النهي موجها إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم فيكون على حقيقته ويكون غير متناول لما ذبح من الفرع والعتيرة لغير ذلك مما فيه وجه قربة . وقد قيل إن المراد بالنفي المذكور نفي مساواتهما للأضحية في الثواب أو تأكد الاستحباب وقد استدل الشافعي بما روي عنه صلى الله عليه وسلم { أنه قال : اذبحوا لله في أي شهر كان } كما تقدم في حديث نبيشة على مشروعية الذبح في كل شهر إن أمكن . قال في سنن حرملة : إنها إن تيسرت كل شهر كان حسنا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث