الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فائدة المعتبر في صحة الحوالة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب الحوالة

عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع وعن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من الظلم فذكره وفي رواية للبيهقي وإذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل .

التالي السابق


(الرابعة عشرة) ظاهره أن المعتبر في صحة الحوالة رضا المحيل والمحتال فقط ؛ لأنهما اللذان اعتبر الشرع فعلهما ذاك بالإحالة، وهذا بقبولها دون المحال عليه فإنه لا ذكر له في الحديث، وبهذا قال مالك وأحمد وهو الأصح عند الشافعية وذهب الإصطخري والزبيري منهم إلى أنه يشترط رضاه أيضا فإنه أحد أركان الحوالة فأشبه المحيل والمحتال وبهذا قال أبو حنيفة وذكر صاحب الهداية من الحنفية أن الحوالة تصح بدون رضا المحيل وعلله بأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه وهو لا يتضرر به بل فيه نفعه ؛ لأنه لم يرجع عليه إذا لم يكن بأمره.

(الخامسة عشرة) ظاهره انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فإنه لولا ذلك لما قيد الأمر بقبولها بكون المحال عليه مليئا فإنه لا ضرر حينئذ عليه في الحوالة على المعسر لبقاء حقه في ذمة المحيل بحاله وبهذا قال الأئمة الأربعة في الجملة، وقال زفر والقاسم بن معين لا يبرئ المحيل كالضمان وقال عثمان البتي لا يبرأ إلا إن اشترط البراءة وكانت الحوالة على موسر أو على معسر وأعلمه بإعساره فإن لم يعلمه بإعساره فلا براءة ولو شرطها.

(السادسة عشرة) يترتب على انتقال الدين وبراءة المحيل أن المحتال لا يرجع عليه بحال وبهذا قال الشافعي والليث بن سعد وغيرهما حتى لو أفلس المحال عليه ومات أو لم يمت أو جحد وحلف لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل كما لو تعوض عن الدين ثم تلف العوض في يده فلو شرط في الحوالة الرجوع بتقدير الإفلاس أو الجحود فهل تصح الحوالة والشرط أم الحوالة فقط أم لا يصحان ؟ فيه ثلاثة أوجه عند الشافعية هذا إذا طرأ الإفلاس فلو كان مفلسا حال الحوالة فالصحيح الذي نص عليه الشافعي وقال به جمهور أصحابه أنه لا خيار للمحتال سواء شرط يساره أم أطلق.

وقال بعضهم يثبت الخيار في الحالتين واختاره الغزالي وقال بعضهم يثبت إن شرط فقط.

وقال الحنابلة [ ص: 167 ] يرجع على المحيل إذا شرط ملاءة المحال عليه فتبين مفلسا. وقال المالكية : يرجع عليه فيما إذا حصل منه غرور بأن يكون إفلاس المحال عليه مقترنا بالحوالة وهو جاهل به مع علم المحيل به.

وقال الحنفية يرجع عليه فيما إذا توى حقه والتوى عند أبي حنيفة أحد أمرين إما أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة عليه أو يموت مفلسا، وقال أبو يوسف ومحمد يحصل التوى بأمر ثالث وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته قال صاحب الهداية: وهذا بناء على أن الإفلاس لا يتحقق بحكم القاضي عنده ؛ لأن مال الله غاد ورائح. انتهى.

ومن العجيب قول الخطابي أن ابن المنذر حكى قولا لا أحفظه أنه لا يرجع بإفلاسه حيا بل بموته مفلسا وقد عرفت أنه مذهب أبي حنيفة قال الشافعي : واحتج محمد بن الحسن بأن عثمان بن عفان قال في الحوالة أو الكفالة يرجع صاحبها لا توى على مال مسلم فسألته عن هذا الحديث فزعم أنه عن رجل مجهول عن رجل معروف منقطع عن عثمان فهو في أصل قوله يبطل من وجهين، ولو كان ثابتا عن عثمان لم يكن فيه حجة ؛ لأنه لا يدري أقال ذلك في الحوالة أو الكفالة قال البيهقي هذا حديث رواه شعبة عن خليد بن جعفر عن أبي إياس معاوية بن قرة عن عثمان وأراد بالرجل المجهول خليد بن جعفر وليس بالمعروف جدا ولم يحتج به البخاري في كتابه.

وأما مسلم فإنه أخرجه مع المستمر بن الريان في الحديث الذي يرويانه عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري في المسك وغيره وكان شعبة يروي عنه ويثني عليه خيرا وأراد بالرجل المعروف معاوية بن قرة وهو منقطع كما قال الشافعي فهو من الطبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة ولم يدرك عثمان ولا كان في زمانه انتهى.

وقال سفيان الثوري إذا أحاله على رجل وأفلس فليس له أن يرجع على المحيل إلا بمحضرهما، وإن مات وله ورثة ولم يترك شيئا رجع حضروا أو لم يحضروا وحكى ابن حزم عن علي وشريح والحسن والنخعي والشعبي أنه يرجع على المحيل إذا أفلس المحال عليه أو مات، وعن الحكم لا يرجع إلا أن يموت.

(السابعة عشرة) لم يعتبر أصحابنا في [ ص: 168 ] صحة الحوالة اعتراف المحال عليه ولا قيام بينة عليه بذلك بل صححوها مع جحوده واعتبر مالك ثبوته بالإقرار فقط واعتبر آخرون بثبوته ولو بالبينة، وإطلاق الحديث يدل على أنه لا يعتبر ثبوته، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث