الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ونختم تفسير الآيتين بتحقيق مسألتين ذكرتا في تفسيرهما المأثور ولم نر أحدا حققهما : ( الأول ما ورد في كتابة الآيتين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكونهما آخر ما نزل )

إن معنى هاتين الآيتين لا يظهر إلا في دعوته - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام بمكة [ ص: 74 ] في أول زمن البعثة . وقد ذكرت في الكلام على هذه السورة قبل البدء بتفسيرها أن ابن أبي الفرس قال : إنهما مكيتان ، وأنه يرد قوله ما ورد من أنهما آخر ما نزل من القرآن ، ثم ذكرت هنالك أصح ما ورد في آخر ما نزل من القرآن وهو غير هاتين الآيتين .

وأقول الآن : إن قول ابن أبي الفرس هو الوجيه من جانب المعنى ، فهو يؤيد الرواية وأما القول بأنهما آخر ما نزل فقد أخرج في بعض المسانيد والتفاسير المأثورة عن أبي بن كعب بألفاظ متقاربة ( منها ) عن ابن عباس عنه : أن آخر آية نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ أن آخر ما أنزل من القرآن ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلخ الآية ( ومنها ) عن الحسن عنه أنه كان يقول : إن أحدث القرآن عهدا بالله - وفي لفظ بالسماء - هاتان الآيتان ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى آخر السورة ( ومنها ) من طريق أبي العالية عنه أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر ، فكان رجال يكتبون ويمل عليهم أبي بن كعب حتى انتهوا إلى هذه الآية 127 من سورة براءة ( ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ) فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال أبي بن كعب إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقرأني بعد هذا آيتين " ( لقد جاءكم ) " إلى " ( رب العرش العظيم ) " قال : فختم الأمر بما فتح به : بلا إله إلا الله ا هـ ، وهو صريح في أنهما آخر ما نزل من هذه السورة لا من القرآن مطلقا إلا إذا صح أن سورة براءة آخر سورة نزلت ، والصحيح في الرواية أن آخر ما نزل من السور سورة النصر ، ومن الآيات ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ) ( 2 : 281 ) كما تقدم في محله .

وفي حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن المكتوب الذي كان متفرقا في عهد أبي بكر عند ابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم - أنه قال : حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى آخرهما ا هـ . والمراد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب في الرقاع والأكتاف والعسب في هذه السورة إلا عند خزيمة ، وفي رواية في البخاري وغيره عند أبي خزيمة وهي أرجح كما سيأتي ، إلا أن تكونا وجدتا عند كل منهما وكانتا محفوظتين معروفتين للكثيرين كما صرح به في الروايات الأخرى ، فقد أخرج ابن إسحاق وأحمد وابن أبي داود في المصاحف عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ( لقد جاءكم رسول ) إلى قوله : ( وهو رب العرش العظيم ) إلى عمر فقال من معك على هذا ؟ فقال : لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتهما من [ ص: 75 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعيتهما وحفظتهما ، فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة ، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها بها ، فألحقت في آخر براءة ، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ أن رجلا من الأنصار جاء بهما عمر ، فقال : لا أسألك عليها بينة أبدا كذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف أن خزيمة بن ثابت جاء عثمان حين تصدى لكتابة القرآن بعد مقتل عمر فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما ، فقالوا ما هما ؟ قال تلقيت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ) إلى آخر السورة . فقال عثمان : وأنا أشهد أنهما من عند الله فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال اختم بهما آخر ما نزلت من القرآن فختمت بهما براءة .

فيؤخذ من مجموع الروايات أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين إلا أنهم اختلفوا في موضعهما ، ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد ، والمعتمد الأول قطعا لأن من حفظ التوقيف حجة على من لم يحفظ . والظاهر أن سبب الاختلاف في موضعهما أن موضوعهما يدل على أنهما مكيتان . ولم تصح لجماعة جامعي المصحف رواية بكتابتهما في إحدى السور المكية ولكن وجدتا عند أبي خزيمة مكتوبتين في آخر براءة . وفي الصحيح أن زيد بن ثابت الذي كان يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي أمره أبو بكر بجمع القرآن مع آخرين ، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون قال : فوجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة . بالشك وهو من الراوي لا من زيد ، وفي رواية عنه مع خزيمة والتحقيق الذي قرره الحافظ ابن حجر أن آخر التوبة وجد عند أبي خزيمة ، وأما الذي وجد مع خزيمة فهو آية الأحزاب ، وذلك ما رواه البخاري في تفسير سورتها عن زيد بن ثابت قال لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادته شهادة رجلين ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) ( 33 : 23 ) .

قال الحافظ في شرحه هذا يدل على أن زيدا لم يكن يعتمد في جميع القرآن على علمه ولا يقتصر على حفظه . لكن فيه إشكال ; لأن ظاهره أنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده ، والقرآن إنما يثبت بالتواتر . والذي يظهر في الجواب أن الذي أشار إليه أنه فقده فقد وجودها مكتوبة ، لا فقد وجودها محفوظة ، بل كانت محفوظة عنده وعند غيره ، ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن ( ( فجعلت أتتبعه من الرقاع والعسب ) ) كما سيأتي مبسوطا في فضائل القرآن ا هـ

وأقول : إني قد ذكرت آنفا أن هذا هو المراد منه ، وهو ما كنت أفهمه دون [ ص: 76 ] غيره ، وأجيب به من سألني عنه مستشكلا . فقول الحافظ : والذي يظهر إلخ . كان يجب أن يكون : والذي يتعين القطع به كذا ، وحسبك دليلا على هذا أنه قال : إنهم كانوا يسمعون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها ، فهو صريح في أن البحث كان عمن كتبها فقط ، وجملة القول : أن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة ، وإنما اختلفوا عند الجمع في موضع كتابتهما حتى شهد من شهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة وفاقا لقول أبي بن كعب الذي ثبت في الصحيح أنه أحد الذين تلقوا القرآن كله مرتبا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا زيد بن ثابت . وكان عدد المختلفين في موضعهما قليلا ، فلما كتبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما هاهنا . ولم يرو أي اعتراض على ذلك عمن كتبوا لأنفسهم مصاحف اعتمدوا فيها على حفظهم كابن مسعود - رضي الله عنه - .

بقي البحث في حكمة وضعهما في آخر هذه السورة المدنية ، وموضوعهما مكي ، يؤيده كون الخطاب فيهما لقومه - صلى الله عليه وسلم - على ما جزم به جماهير المفسرين وما هما بأول ما وضع من الآيات المكية في السور المدنية لمناسبة اقتضت ذلك . ولعل الحكمة في ذلك أن يفيدا بموضعهما صحة الخطاب بهما لكل من تبلغه الدعوة من أمة الإجابة ، وهو ما ذهب إليه الخطابي ، كما دل موضوعهما ونزولهما بمكة - كما قال ابن أبي الفرس - على كون الخطاب فيهما لقومه - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ما جزم به الجماهير . ويكون ما قلناه جامعا بين الأقوال كلها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث