الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة

[ ص: 142 ] للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين

مستأنفة ابتدائية ، وهي كلام من الله تعالى مثل نظيرها في آية قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة في سورة الزمر ، وليست من حكاية قول الذين اتقوا .

والذين أحسنوا : هم المتقون ، فهو من الإظهار في مقام الإضمار توصيلا بالإتيان بالموصول إلى وجه بناء الخبر ، أي جزاؤهم حسنة ; لأنهم أحسنوا .

وقوله تعالى في هذه الدنيا يجوز أن يتعلق بفعل ( أحسنوا ) ، ويجوز أن يكون ظرفا مستقرا حالا من ( حسنة ) ، وانظر ما يأتي في نظر هذه الآية من سورة الزمر من نكتة التوسط .

ومعنى ولدار الآخرة أنها خير لهم من الدنيا فإذا كانت لهم في الدنيا حسنة فلهم في الآخرة أحسن ، فكما كان للذين كفروا عذاب الدنيا ، وعذاب جهنم كان للذين اتقوا خير الدنيا وخير الآخرة ، فهذا مقابل قوله تعالى في حق المشركين ليحملوا أوزارهم كاملة ، وقوله تعالى وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون .

وحسنة الدنيا هي الحياة الطيبة ، وما فتح الله لهم من زهرة الدنيا مع نعمة الإيمان ، وخير الآخرة هو النعيم الدائم ، قال تعالى من عمل صالحا [ ص: 143 ] من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .

وقوله تعالى ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها مقابل قوله تعالى في ضدهم فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين .

وقد تقدم آنفا وجه تسمية جهنم مثوى والجنة دارا .

و ( نعم ) فعل مدح غير متصرف ، ومرفوعه فاعل دال على جنس الممدوح ، ويذكر بعده مرفوع آخر يسمى المخصوص بالمدح ، وهو مبتدأ محذوف الخبر ، أو خبر محذوف المبتدأ ، فإذا تقدم ما يدل على المخصوص بالمدح لم يذكر بعد ذلك كما هنا ، فإن تقدم ولدار الآخرة دل على أن المخصوص بالمدح هو دار الآخرة ، والمعنى : ولنعم دار المتقين دار الآخرة .

وارتفع جنات عدن على أنه خبر لمبتدأ محذوف مما حذف فيه المسند إليه جريا على الاستعمال في مسند إليه جرى كلام عليه من قبل ، كما تقدم في قوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، والتقدير : هي جنات عدن ، أي دار المتقين جنات عدن .

وجملة ( يدخلونها ) حال من المتقين . والمقصود من ذكره استحضار تلك الحالة البديعة حالة دخولهم لدار الخير والحسنى والجنات .

وجملة لهم فيها ما يشاءون حال ضمير من ضمير الرفع في ( يدخلونها ) ، ومضمونها مكمل لما في جملة ( يدخلونها ) من استحضار الحالة البديعة .

وجملة كذلك يجزي الله المتقين مستأنفة ، والإتيان باسم الإشارة ; لتمييز الجزاء والتنويه به ، وجعل الجزاء لتمييزه وكماله بحيث يشبه به جزاء المتقين ، والتقدير : يجزي الله المتقين جزاء كذلك الجزاء الذي علمتموه ، وهو تذييل ; لأن التعريف في المتقين للعموم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث