الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك

[ ص: 145 ] هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون

استئناف بياني ناشئ عن جملة قد مكر الذين من قبلهم ; لأنها تثير سؤال من يسأل عن إبان حلول العذاب على هؤلاء كما حل بالذين من قبلهم ، فقيل : ما ينظرون إلا أحد أمرين هما مجيء الملائكة لقبض أرواحهم فيحق عليهم الوعيد المتقدم ، أو أن يأتي أمر الله ، والمراد به الاستئصال المعرض بالتهديد في قوله فأتى الله بنيانهم من القواعد .

والاستفهام إنكاري في معنى النفي ; ولذلك جاء بعده الاستثناء .

و ( ينظرون ) هنا بمعنى الانتظار وهو النظرة ، والكلام موجه إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - تذكيرا بتحقيق الوعيد وعدم استبطائه ، وتعريضا بالمشركين بالتحذير من اغترارهم بتأخر الوعيد ، وحثا لهم على المبادرة بالإيمان .

وإسناد الانتظار المذكور إليهم على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيلهم منزلة من ينتظر أحد الأمرين ; لأن حالهم من الإعراض عن الوعيد وعدم التفكر في دلائل صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع ظهور تلك الدلائل وإفادتها التحقق كحال من أيقن حلول أحد الأمرين به فهو يترقب أحدهما ، كما تقول لمن لا يأخذ حذره من العدو : ما تترقب إلا أن تقع أسيرا ، ومنه قوله تعالى فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم وقوله تعالى إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ، وهذا قريب من تأكيد الشيء بما يشبه ضده وما هو بذلك .

[ ص: 146 ] وجملة كذلك فعل الذين من قبلهم تنظير بأحوال الأمم الماضية تحقيقا للغرضين .

والإشارة إلى الانتظار المأخوذ من ( ينظرون ) المراد منه الإعراض والإبطاء ، أي كإبطائهم فعل الذين من قبلهم ، أن يأخذهم العذاب بغتة كما أخذ الذين من قبلهم ، وهذا التحذير لهم وقد رفع الله عذاب الاستئصال عن أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - ببركته ولإرادته انتشار دينه .

و الذين من قبلهم هم المذكورون في قوله تعالى قد مكر الذين من قبلهم .

وجملة وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون معترضة بين جملة كذلك فعل الذين من قبلهم وجملة فأصابهم سيئات ما عملوا .

ووجه هذا الاعتراض أن التعرض إلى ما فعله الذين من قبلهم يشير إلى ما كان من عاقبتهم ، وهو استئصالهم ، فعقب بقوله تعالى وما ظلمهم الله ، أي فيما أصابهم .

ولما كان هذا الاعتراض مشتملا على أنهم ظلموا أنفسهم صار تفريع فأصابهم سيئات ما عملوا عليه أو على ما قبله ، وهو أسلوب من نظم الكلام عزيز ، وتقدير أصله : كذلك فعل الذين من قبلهم وظلموا أنفسهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله ، ففي تغيير الأسلوب المتعارف تشويق إلى الخبر ، وتهويل له بأنه ظلم أنفسهم ، وأن الله لم يظلمهم ، فيترقب السامع خبرا مفظعا ، وهو فأصابهم سيئات ما عملوا .

وإصابة السيئات إما بتقدير مضاف ، أي أصابهم جزاؤها ، أو جعلت أعمالهم السيئة كأنها هي التي أصابتهم ; لأنها سبب ما أصابهم ، فهو مجاز عقلي .

وحاق : أحاط ، والحيق : الإحاطة ، ثم خص الاستعمال الحيق بإحاطة الشر ، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون في أوائل سورة الأنعام .

[ ص: 147 ] و ( ما ) موصولة ، ماصدقها العذاب المتوعدون به ، والباء في ( به ) للسببية ، وهو ظرف مستقر هو صفة لمفعول مطلق ، والتقدير : الذي يستهزئون استهزاء بسببه ، أي بسبب تكذيبهم وقوعه ، وهذا استعمال في مثله ، وقد تكرر في القرآن ، من ذلك ما في سورة الأحقاف ، وليست الباء لتعدية فعل يستهزئون ، وقدم المجرور على عامل موصوفه للرعاية على الفاصلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث