الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القنوت قبل الركوع وبعده

959 1004 - حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: كان القنوت في المغرب والفجر. [فتح: 2 \ 490]

التالي السابق


ذكر فيه أربعة أحاديث:

أحدها:

حديث أيوب عن محمد - هو ابن سيرين - قال: سئل أنس أقنت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصبح ؟ قال: نعم. فقيل له: أوقنت قبل الركوع ؟ قال بعد الركوع يسيرا.

[ ص: 203 ] هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا. وقال الدارقطني: تفرد به أيوب ويونس بن عبيد. واختلف عنهما، فذكره واضحا. وقال الطرقي عن أبي مجلز وأنس بن سيرين: قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا بعد الركوع. وتابعهما محمد بن سيرين على الاختصار وعلى قوله: بعد الركوع، إلا أنه قال: يسيرا. فكان: شهرا، ومعناهما واحد ; لأنه أراد يسيرا من الزمان لا يسيرا من القنوت ; لأن أدنى القيام يسمى قنوتا، فاستحال أن يوصف بالحقارة والخطارة. والقنوت في الصبح في غير النازلة سنة دائما لحديث أنس: ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. رواه أحمد في “مسنده" - وعنده كل ما فيه حجة - والدارقطني والبيهقي والحاكم في "أربعينه". وقال: هذا حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات. وصححه غيره من الحفاظ أيضا.

وروى البيهقي عن الخلفاء الأربعة القنوت فيه أيضا، وأعجبني قول القرطبي في "شرح مختصر مسلم": الذي استقر عليه أمر النبي [ ص: 204 ] - صلى الله عليه وسلم - في القنوت هذا الحديث المخرج عند الدارقطني بإسناد صحيح، ووافقنا مالك، لكن عنده: يقنت قبل الركوع. أي: ليدرك المتأخر الركعة. حكاه ابن المنذر عن عثمان، وأبداه المهلب تفقها، وعندنا بعده، وقال به أيضا الحسن وابن أبي ليلى، وخالف أبو حنيفة وأحمد فقالا: لا قنوت في الصبح.

وروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي الدرداء وابن الزبير، وقال قتادة وإبراهيم: لم يقنت أبو بكر ولا عمر حتى مضيا. وعن ابن عمر: القنوت في الفجر بدعة. وعن طاوس مثله، وبه قال الليث ويحيى الأنصاري ويحيى بن يحيى الأندلسي،

[ ص: 205 ] ذكره أبو عمر في "الاستذكار" فإن قلت: قد ثبت في الصحيح ثم تركه.

قلت: المراد ترك الدعاء على أولئك الكفار ولعنتهم لا أنه ترك القنوت جمعا بين الأحاديث، أما في النازلة إذا نزلت فيستحب القنوت ففي [ ص: 206 ] .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..

[ ص: 207 ] جميع الصلوات وفاقا للثوري، وأحمد، ووقع في شرح شيخنا قطب الدين ما نصه: اختلف العلماء في القنوت، فعن أبي حنيفة أنه واجب.

وفي "المبسوط" أنه سنة، قال: وهو مذهب الشافعي وجماعة، وعبارة ابن التين: القنوت مستحب وليس بسنة، ومن نسيه لم يسجد للسهو. وقال سحنون: هو سنة، ويسجد للسهو قياسا. وقاله الحسن وغيره.

وقال علي بن زياد: من تركه متعمدا فسدت صلاته. وكذا عبارة ابن رشد: القنوت في الصبح عن مالك مستحب. وعند الشافعي: سنة. قال: وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز فيه، وأن القنوت إنما موضعه الوتر. قال: وقال قوم: لا قنوت إلا في رمضان. وقال قوم: في النصف الآخر منه. وقال قوم: في النصف الأول.

[ ص: 208 ] وممن حكي عنه القنوت قبل الركوع عمر وعلي وابن مسعود وأبو موسى الأشعري والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وابن أبي ليلى، حكاه ابن المنذر عنهم، وبه قال مالك - كما سلف - وإسحاق وابن المبارك. وحكى ابن المنذر عن الخلفاء الأربعة أنه بعد الركوع، وقد سلف أيضا عن البيهقي وعن أنس، وحكى ابن المنذر التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس وأيوب السختياني وأحمد، وادعى الطحاوي أنه لم يقل بالقنوت في الصبح في غير النازلة أحد قبل الشافعي معللا بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يزل محاربا للمشركين، ولم يقنت في الصلوات، وهذا غلط منه كما قاله أبو حامد: بل قنت علي في المغرب بصفين.

وفي "المدونة": القنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع، والذي يستحب مالك في خاصة نفسه قبل الركوع، وهو حسن عنده. وذكر الطبري حجة الكوفيين، وهي حديث سعد بن طارق الأشجعي، أنا مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي أكلهم يقنتون ؟ قال: لا يا بني محدث. ثم قال: والصواب الأول فإنه صح وداوم عليه في الصبح إلى أن فارق الدنيا، ثم ساق حديث أنس السالف.

[ ص: 209 ] وأما حديث مالك فهو محمول على بيان الجواز وأنه لا حرج في تركه.

الحديث الثاني:

حديث عاصم - وهو ابن سليمان الأحول القاضي - قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت.

قلت: قبل الركوع أو بعده ؟ قال ؟ قبله.. الحديث.

هذا الحديث أخرجه هنا وفي المغازي والجنائز والجزية والدعوات، وأخرجه مسلم هنا، وذكر الإسماعيلي أن محمد بن فضيل يرويه عن عاصم بعد الركوع، وغيره يقول عن عاصم: قبله.

قال الأثرم: ثنا أحمد. وقيل له في حديث عاصم عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت قبل الركوع: هل قال أحد غيره ؟ قال: لا، قتادة عن أنس، والتيمي عن أبي مجلز عن أنس، وأيوب عن محمد، سألت أنسا وحنظلة السدوسي، أربعتهم كلهم. يعني رووه بعد الركوع.

وقول أنس للسائل: ( كذب ) في نسبته إليه القنوت بعد الركوع. يريد أنه كذب إن كان قال عنه: إن القنوت أبدا بعد الركوع. قال: فقد بين الثوري هذا المعنى في سياقته لهذا الحديث، فروى عن عاصم عن أنس: إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرا. قلت: فكيف كان [ ص: 210 ] القنوت ؟ قال: قبل الركوع.

وقال ابن التين: قوله: ( كذب ). يعني: أوهم عليه، لا أنه تعمده، وهذا ينزه عنه من دون الصحابة، فكيف بهم ؟ والكذب يباح للإصلاح، بل يجب فيما إذا التجأ إليه من يقتل ظلما.

وقوله: ( كان بعث قوما يقال لهم: القراء ) سبب هذا القنوت أن أبا براء المعروف بملاعب الأسنة الكلاعي قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، فقال: يا محمد، لو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أخشى عليهم أهل نجد" قال: أنا لهم جار. وكان شباب من الأنصار يسمون القراء يصلون بالليل، حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب واستعذبوا الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعثهم جميعا، وكانوا سبعين. وقيل: أربعين. والأول هو الصحيح، وأمر عليهم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعروف بالمعتق ليموت - أي: يقدم على الموت - فساروا حتى نزلوا بئر معونة – بالنون - وذلك في صفر على ستة وثلاثين شهرا من مهاجره، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم اجتمع عليه قبائل من سليم عصية وذكوان ورعل، فنفروا ما حوله بالقوم في مرحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل [ ص: 211 ] يوم الخندق شهيدا، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، والمنذر ابن محمد بن أحيحة بن الجلاح، فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير يحوم على العسكر، فأقبلا وقاتل المنذر، وقال: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل حتى قتل. وأخذ عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل فجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه، وبلغ أبا براء ذلك فشق عليه ذلك، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه، ووقع عن فرسه.

وقوله: ( زهاء سبعين ). بضم الزاي، وهو بمعنى القدر. قال صاحب "العين": الزهاء: القدر في العدد.

الحديث الثالث:

حدثنا أحمد بن يونس، ثنا زائدة، عن التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس قال: قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية.

هذا الحديث أخرجه في المغازي عن محمد - هو ابن مقاتل - عن ابن المبارك، وأخرجه مسلم أيضا.

وشيخ البخاري: أحمد بن يونس هو أبو عبد الله أحمد بن عبد الله ابن يونس الكوفي، مات سنة سبع وعشرين ومائتين عن أربع وتسعين [ ص: 212 ] سنة، وروى عنه مسلم أيضا، وروى البخاري عن يوسف بن موسى بن راشد عنه.

وزائدة بن قدامة أبو الصلت الثقفي، مات سنة ستين أو إحدى وستين ومائة.

والتيمي هو سليمان بن طرخان أبو المعتمر. وأبو مجلز اسمه: لاحق بن حميد السدوسي البصري الأسود الأعور، مات سنة تسع ومائة، وقيل في خلافة عمر بن عبد العزيز.

ورعل، بكسر الراء المهملة ثم عين مهملة ساكنة ثم لام، قال ابن التين: ضبط بفتح الراء، والمعروف أنه بكسرها، وهو في ضبط أهل اللغة بالفتح، وهما قبيلتان من سليم - أعني: رعلا وذكوان - قال: وقد روينا: رعلا بكسر الراء.

[ ص: 213 ] الحديث الرابع:

حديث أبي قلابة عن أنس قال: كان القنوت في المغرب والفجر.

وخالد الراوي عن أبي قلابة هو الحذاء. وإسماعيل هو ابن علية.

ورواه وهيب بلفظ: كنا نقنت في المغرب والفجر. قال المهلب: ولم يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [أنه] تمادى على القنوت في المغرب بل تركه تركا لا يكاد يثبت معه أنه لو قنت فيها لترك الناس نقله، إلا أنه روي عن الصديق أنه كان يدعو في الثالثة من المغرب بعد قراءة أم القرآن: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا [آل عمران: 8] واستحبه الشافعي أي عند النازلة. وقال مالك: ليس العمل عندنا على هذا، وإنما جاء أن الناس كانوا يلعنون الكفرة في رمضان في الوتر.

وقال في "المدونة": ليس العمل على القنوت بلعن الكفرة في رمضان.

وقال ابن نافع عنه: كانوا يلعنون الكفرة في النصف من رمضان حتى ينسلخ، وأرى ذلك واسعا، إن شاء فعل، وإن شاء ترك.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث