الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 117 ] ( ويحل استعمال كل إناء طاهر ) من حيث كونه طاهرا وإن حرم من جهة أخرى كجلد آدمي غير حربي ومرتد وكمغصوببخلاف النجس فيحرم إلا في ماء كثير أو جاف والإناء جاف نعم يكره ، وظاهر أن المراد بالنجس هنا ما يعم المتنجس ولا ينافي الحرمة هنا ما يأتي من كراهة البول في الماء القليل ؛ لأنه لا تضمخ بنجاسة ثم أصلا والكلام هنا [ ص: 118 ] في استعمال متضمن للتضمخ بالنجاسة في بدن وكذا ثوب بناء على حرمة التضمخ بها فيه وهو ما صححه المصنف في بعض كتبه ويؤيد ذلك تصريحهم بحل استعمال النجس في نحو عجن طين ( إلا ) منقطع إن نظرنا إلى التأويل السابق ( ذهبا وفضة ) أي إناء ولو بابا ومرودا وخلا لا كله أو بعضه من أحدهما أو منهما ( فيحرم ) استعماله في أكل أو غيره وإن لم يؤلف كان كبه على رأسه واستعمل أسفله فيما يصلح له كما شمله إطلاقهم ، ولو على امرأة أكحلت به طفلا لغير حاجة الجلاء للنهي عن ذلك مع التوعد عليه بما قد يؤخذ منه أن ذلك كبيرة [ ص: 119 ] وتجويزهم الاستنجاء بالنقد محله في قطعة لم تهيأ ؛ لأنها حينئذ لا تعد إناء ولم تطبع ؛ لأنه لا احترام لها واتخاذ الرأس من النقد للإناء محله أيضا إن لم يسم إناء بأن كان صفيحة لا تصلح عرفا لشيء مما تصلح له الآنية ومع ذلك يحرم نحو وضع شيء عليه للأكل منه مثلا كما هو ظاهر ؛ لأنه استعمال له فهو إناء بالنسبة إليه وإن لم يسم إناء على الإطلاق نظير الخلال والمرود والعلة العين بشرط ظهور الخيلاء أي التفاخر والتعاظم ومن ثم قالوا لو صدئ إناء الذهب أي بحيث ستر الصداء جميع ظاهره وباطنه حل استعماله لفوات الخيلاء ، وبه يعلم أن تغشية الذهب الساترة لجميعه كالصداء بل أولى وإن لم يحصل منها شيء خلافا لجمع .

وظاهر أن المدار على الاستعمال العرفي أخذا من قولهم يحرم الاحتواء على مجمرة النقد وشم رائحتها من قرب بحيث يعد متطيبا بها لا من بعد ويحرم تبخير نحو البيت بها انتهى فلا تحرم الملاقاة بالفم أو غيره من المطر النازل من ميزاب الكعبة وإن مسه الفم على نزاع فيه ؛ لأنه لا يعد استعمالا له عرفا وليس من الآنية سلسلة الإناء وحلقته ولا غطاء الكوز [ ص: 120 ] أي وهو غير رأسه السابق صورة وصفيحة فيها بيوت للكيزان ومحله حيث لم يكن شيء من ذلك على هيئة إناء أو لا كحق الأشنان حرم ومن الحيل المبيحة لاستعماله صب ما فيه [ ص: 121 ] ولو في نحو يد لا يستعمله بها ، ثم يستعمله منها نعم هي لا تمنع حرمة الوضع في الإناء ولا حرمة اتخاذه فتفطن له ( تنبيه )

صرحوا في نحو كيس الدراهم الحرير بحله وعللوه بأنه منفصل عن البدن غير مستعمل فيما يتعلق به فيحتمل أن يقال بنظير هذا هنا ويؤيده تعليلهم حل نحو غطاء الكوز بأنه منفصل عن الإناء لا يستعمل ، ويحتمل الفرق بأن ما هنا أغلظ ولعله الأقرب ومحل تعليلهم المذكور حيث لم يكن على هيئة إناء كما علم مما تقرر .

( تنبيه آخر )

محل النظر لكونه يسمى إناء بالنسبة للفضة أما الذهب فيحرم منه نحو السلسلة مطلقا نظير ما يأتي في الضبة لغلظه ( وكذا ) يحرم ( اتخاذه ) أي اقتناؤه خلافا لمن وهم فيه ( في الأصح ) ؛ لأنه يجز لاستعماله غالبا كآلة اللهو قال الزركشي كالشبابة ومزمارة الرعاة وككلب لم يحتج له أي لا وقرد وإحدى الفواسق الخمس وصور نقشت على غير ممتهن وسقف مموه بنقد يتحصل منه شيء انتهى وما ذكره في القرد غير صحيح لتصريحهم بصحة بيعه والانتفاع به ، وما أدى إلى معصية له حكمها ، وإنما جاز اتخاذ نحو ثياب الحرير بالنسبة للرجل على خلاف ما أفتى به ابن عبد السلام الذي استوجهه بعضهم ؛ لأن للنفس ميلا ذاتيا لذاك أكثر فكان اتخاذه مظنة استعماله بخلاف غيره .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

[ ص: 117 ] قوله إلا في ماء كثير ) بحث الزركشي تقييد ذلك بغير جلد الكلب والخنزير كما بحث تقييد قولهم بحل استعمال الإناء من العظم النجس في اليابس بغير المتخذ من عظم المغلظ ، ونازعه الشارح فيهما في شرح العباب وقال في العباب تبعا لابن الرفعة وغيره أو قليل لإطفاء نار أو بناء جدار أو نحوه ( قوله أو جاف ) قال الزركشي ولا اختصاص لهذا بالإناء بل سائر النجاسات يجوز استعمالها في اليابس شرح عب ( قوله ولا ينافي الحرمة هنا ما يأتي إلخ ) الذي في شرح العباب وإنما لم يحرم البول في الماء القليل كما يأتي ؛ لأنه ليس فيه استعمال نجس العين بخلاف ما هنا فإن الحرمة فيه ليست للتنجس به فقط بل مع استعمال نجس العين ، وكأن العلة مركبة وإلا لحرم استعماله مطلقا ا هـ .

( قوله لأنه لا تضمخ بنجاسة ثم أصلا ) يتجه أنه لو كان الماء القليل ثم في إناء ، وحرمنا تضمخ الثوب بالنجاسة حرم البول فيه حينئذ ؛ لأن فيه تضمخا للإناء بالنجاسة وهو في معنى الثوب في حرمة التضمخ ، والوجه خلاف ذلك حيث كان لحاجة وقال بعبارة أخرى فإن قلت لو كان الماء القليل في إناء فهل يحرم [ ص: 118 ] البول فيه ؛ لأن فيه تضمخا للإناء ، وهو كالثوب قلت الظاهر لا لأن البول في الماء القليل في الإناء لا يزيد على البول في الإناء الخالي عن الماء ، وأظنهم صرحوا بجوازه والتنجس لحاجة جائز وبالأولى جواز البول على الأرض وإن نقصت قيمتها به ؛ لأنه لحاجة فليتأمل وهذا هو الوجه فليتأمل ( قوله في استعمال متضمن للتضمخ ) هذا قد يقتضي أن شرط الحل في الصور المستثناة عدم التضمخ وهو محل نظر والوجه جواز ما فيه تضمخ من الحاجة ( قوله وكذا ثوب ) لا يبعد أن نحو الإناء كذلك وفيه نظر ، وأما الأرض فالوجه أنه لا حرمة نعم إن نقصها التضمخ بلا حاجة إليه لم يبعد التحريم ؛ لأنه إضاعة مال لغير حاجة [ ص: 119 ] قوله ومع ذلك يحرم نحو وضع شيء عليه إلخ ) قياس ذلك أن يحرم نحو توسد صفيحة أو سبيكة من النقد ؛ لأن توسدها استعمال لها وأن يحرم وضع تلك الرأس على الإناء ؛ لأنه استعمال له ، وحينئذ فلا فائدة في تجويزه للإناء إلا أن يمنع أن مجرد وضعه على الإناء استعمال له ( قوله ولا غطاء الكوز ) ينبغي أن شرطه أن لا يكون مجوفا وإلا كان إناء بل قطعة تجعل في فم الكوز أو صفيحة تجعل على فمه [ ص: 120 ] قوله وصفيحة فيها بيوت للكيزان ) قد يفهم منه جواز وضع الكيزان فيها وفي هذا استعمال لتلك الصفيحة ؛ لأن الوضع فيها استعمال لها أخذا من قوله الآتي نعم هي لا تمنع حرمة الوضع في الإناء وهذا يخالف قوله السابق ، ومع ذلك يحرم وضع شيء عليه فليتأمل والوجه حرمة استعمال الصفيحة في وضع الكيزان عليها وإن لم يكن فيها بيوت م ر وقوله فيها بيوت في جوازها حينئذ نظر ؛ لأن ما فيه بيوت إناء أو ما في معناه والوجه حرمة ما فيها بيوت ، وأما صفيحة ليس فيها بيوت فإن قصد بوضع الكوز عليها استعمالها أو عد وضعه عليها استعمالا لها حرم وإلا فلا خلافا لما نقل عن الكافي م ر قال الشارح في شرح العباب وليس من الآنية نحو الكرسي فيجوز للمرأة ؛ لأنه من التحلية ا هـ قال البدر بن شهبة قد يمنع كون الكرسي ليس بآنية بل هو آنية لوضع القماش عليه إلى أن قال والذي يتجه أن الكرسي آنية كالصندوق فيحرم على الفريقين بخلاف الشراريب الفضة فإنها لا تسمى آنية فتحل للنساء ا هـ .

( قوله ومن الحيل المبيحة لاستعماله إلخ ) قال في شرح العباب ، ثم الظاهر أن هذه الحيلة إنما تمنع حرمة الاستعمال بالنسبة للتطيب منه لا بالنسبة لاتخاذه وجعل الطيب فيه ؛ لأنه مستعمل له بذلك وإن لم يستعمله بالأخذ منه ، وقد يتوهم من عبارته اختصاص الحيلة بحالة التطيب ، وليس كذلك وعبارة الجواهر من ابتلي بشيء من استعمال آنية النقد صب ما فيها في إناء غيرها بقصد التفريغ ، واستعمله فإن لم يجد فليجعل الطعام على رغيف ويصب الدهن وماء الورد في يده اليسرى ثم يأخذه منها باليمين ويستعمله ويصب الماء للوضوء في يده ثم يصب من يده إلى محل الوضوء ، وكذا للشرب أي بأن يصب في يده ثم يشرب منها قال غيره وكذا لو مد بيسراه ثم كتب بيمينه ا هـ ثم قال ونظر ابن الأستاذ في التفريغ في يساره بأنه يعد في العرف مستعملا ، ويرد بمنع ما ذكره قال وقضية ذلك أن غيره لو صب عليه من إناء الذهب في الوضوء أو غيره لم يكن مستعملا ؛ لأنه ما باشر فإن كان أذن له عصى من جهة الأمر فقط ثم قال وأفاد قول [ ص: 121 ] المصنف مثلا أن الصب في اليسرى ليس بشرط ، وهو كذلك ا هـ عبارته في شرح الإرشاد قال في المجموع والحيلة في استعمال ما في إناء النقد أن يخرج الطعام إلى شيء بين يديه ثم يأكله أو يصب الماء في يده ثم يشربه أو يتطهر به أو ماء الورد في يساره ثم ينقله ليمينه ثم يستعمله ا هـ وكان الفرق بين ماء الورد والماء فيما ذكره أن الماء يباشر استعماله من إنائه من غير توسط اليد عادة فلم يعد صبه فيها ثم تناوله منها استعمالا لإنائه بخلاف الطيب فإنه لم يعتد فيه ذلك إلا بتوسط اليد فاحتيج لنقله منها إلى اليد الأخرى قبل استعماله وإلا كان مستعملا لإنائه فيما اعتيد فيه ا هـ وقوله أو ماء الورد في يساره أي بقصد التفريغ كما شرطه في شرح العباب أخذا من الجواهر ( قوله ولو في نحو يد ) يشمل اليمنى وسيأتي في هامشه منع ذلك ( قوله ويؤيده تعليلهم إلخ ) قد يقال لو صح هذا التأييد لزم جواز كون غطاء الكوز على هيئة الإناء مع أنه قدم امتناعه ( قوله وكذا اتخاذه ) عبارة الإرشاد ويحرم استعمال وتزيين واتخاذ لإناء ومكحلة وخلال من ذهب أو فضة ا هـ .

( قوله وإحدى الفواسق ) [ ص: 122 ] تصريح بحرمة اقتنائها .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث