الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المقصد الثاني من مقاصد القرآن بيان ما جهل البشر من أمر النبوة والرسالة ووظائف الرسل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الإيمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم :

ومما بينه القرآن في مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى ، وعدم التفرقة بينهم في الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلهم ; لأن إضافتهم إلى الله تعالى وحده . ووظيفتهم في إرشاد المكلفين تبليغ رسالته وشرعه واحدة .

قال تعالى في خواتيم سورة البقرة : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) ( 2 : 285 ) وبين في سورة النساء أن التفرقة بينهم في الإيمان هو الكفر حق الكفر ، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان ، وهو في الآيات ( 4 : 150 - 152 ) .

وهذا مبني على الإيمان بأن دين الله تعالى الذي أرسل به جميع رسله واحد في مقاصده من هداية البشر وإصلاحهم ، وإعدادهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وإنما تختلف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام ومقتضيات الزمان والمكان . فالإيمان ببعضهم دون بعض اتباع للهوى في الإيمان ، وجهل بحقيقة الدين ، فلا يعتد به لأنه عين الكفر .

وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الكتاب ، الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل وأبيهم وجدهم على ما يذكرون في كتبهم من عيوب ومنكرات وفواحش يرمونهم بها .

وأما المسلمون فيؤمنون بأن رب العالمين أرسل في كل الأمم رسلا هادين مهديين ، يؤمنون بهم إجمالا وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلا ، فقد كرم الإسلام بهذا نوع الإنسان ، ومهد به السبيل للألفة والأخوة الإنسانية العامة التي نبينها بعد .

ومن المعلوم ببداهة العقل وبنص القرآن ، أن بعض الأنبياء أفضل من بعض بتخصيص [ ص: 183 ] الله تعالى ، وبما كان لكل من نفع العباد وهدايتهم وهي متفاوتة جدا . قال الله تعالى : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) ( 2 : 253 ) .

ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية أن محمدا خاتم النبيين الذي أكمل الله به الدين ، وأرسله رحمة للعالمين ، هو الذي رفعه الله عليهم كلهم درجات كما بيناه في تفسير تلك الآية بالإجمال وفصلناه في هذا البحث أقصد التفصيل .

وإنك لتجد مع هذا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأتباعه : ( ( لا تفضلوا بين أنبياء الله ) ) قاله إنكارا على رجل من المسلمين لطم يهوديا لأنه قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر . فشكاه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب غضبا شديدا على صاحبه المسلم وقاله .

وبين مزية لموسى عليهما الصلاة والسلام في الآخرة ، ثم قال : ( ( ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى ) ) والحديث رواه الشيخان في الصحيحين ، وفي روايات أخرى للبخاري : ( ( لا تخيروا بين الأنبياء ) ) وفي بعضها ( ( لا تخيروني على موسى ) ) والغرض من ذلك كله منع المسلمين من تنقيص أحد من الأنبياء عليهم السلام ، ومن التعادي بين الناس ، ومن الغلو فيه - صلى الله عليه وسلم - ، وإلا فهو قد قال في تعليل نهيه عن سؤال أهل الكتاب عن شيء : ( ( والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ) ) رواه أبو يعلى من حديث جابر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث