الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل والمعنى الصحيح الذي هو نفي المثل والشريك والند قد دل عليه قوله سبحانه { أحد } وقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } وقوله : { هل تعلم له سميا } وأمثال ذلك فالمعاني الصحيحة ثابتة بالكتاب والسنة والعقل يدل على ذلك . وقول القائل : الأحد أو الصمد أو غير ذلك هو الذي لا ينقسم ولا يتفرق أو ليس بمركب ونحو ذلك .

هذه العبارات إذا عني بها أنه لا يقبل التفرق والانقسام فهذا حق وأما إن عني به أنه لا يشار إليه بحال أو من جنس ما يعنون بالجوهر الفرد أنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء فهذا عند أكثر العقلاء يمتنع وجوده وإنما يقدر في الذهن تقديرا وقد علمنا أن العرب حيث أطلقت لفظ " الواحد " و " الأحد " نفيا وإثباتا لم ترد هذا المعنى . فقوله تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } لم يرد به هذا المعنى الذي فسروا به الواحد والأحد وكذلك قوله : { وإن كانت واحدة فلها النصف } وكذلك قوله : { ولم يكن له كفوا أحد } فإن المعنى لم يكن له أحد من الآحاد كفوا له فإن كان الأحد عبارة عما لا يتميز منه شيء عن شيء ولا يشار إلى شيء منه دون شيء فليس في الموجودات ما هو أحد إلا ما يدعونه من الجوهر الفرد ومن رب العالمين وحينئذ لا يكون قد نفى عن شيء من الموجودات أن يكون كفوا للرب ; لأنه لم يدخل في مسمى أحد .

وقد بسطنا الكلام على هذا بسطا كثيرا في المباحث العقلية والسمعية التي يذكرها نفاة الصفات من الجهمية وأتباعهم في كتابنا المسمى ( بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية . ولهذا لما احتجت الجهمية على السلف - كالإمام أحمد وغيره - على نفي الصفات باسم الواحد قال أحمد : قالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء قلنا نحن نقول كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا وضربنا لهم في ذلك مثلا : فقلنا : أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها ؟ فكذلك الله - وله المثل الأعلى - بجميع صفاته إله واحد لا نقول : إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى [ ص: 451 ] خلق له علما ولكن نقول لم يزل عالما قادرا مالكا لا متى ولا كيف .

ومما يبين هذا أن سبب نزول هذه السورة الذي ذكره المفسرون يدل على ذلك فإنهم ذكروا أسبابا . أحدها : ما تقدم عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة .

والثاني : { أن عامر بن الطفيل قال للنبي صلى الله عليه وسلم إلام تدعونا إليه يا محمد ؟ قال : إلى الله قال : فصفه لي أمن ذهب هو أم من فضة أم من حديد ؟ فنزلت هذه السورة } وروي ذلك عن ابن عباس من طريق أبي ظبيان وأبي صالح عنه . والثالث : أن بعض اليهود قال ذلك قالوا : من أي جنس هو . وممن ورث الدنيا . ولمن يورثها ؟ فنزلت هذه السورة قاله قتادة والضحاك قال الضحاك وقتادة ومقاتل : { جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد : صف لنا ربك ; لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة فأخبرنا به من أي شيء هو ؟ ومن أي جنس هو : أمن ذهب ؟ أم من نحاس هو ؟ أم من صفر ؟ أم من حديد ؟ أم من فضة ؟ وهل يأكل ويشرب ؟ وممن ورث الدنيا ؟ ولمن يورثها ؟ فأنزل الله هذه السورة } وهي نسبة الله خاصة . [ ص: 452 ] والرابع : ما روي عن الضحاك { عن ابن عباس أن وفد نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أساقفة من بني الحارث بن كعب : منهم السيد والعاقب فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك من أي شيء هو ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم إن ربي ليس من شيء وهو بائن من الأشياء فأنزل الله تعالى : { قل هو الله أحد } } فهؤلاء سألوا هل هو من جنس من أجناس المخلوقات ؟ وهل هو من مادة فبين الله تعالى أنه أحد ليس من جنس شيء من المخلوقات وأنه صمد ليس من مادة بل هو صمد لم يلد ولم يولد وإذا نفى عنه أن يكون مولودا من مادة الوالد ; فلأن ينفي عنه أن يكون من سائر المواد أولى وأحرى فإن المولود من نظير مادته أكمل من مادة ما خلق من مادة أخرى كما خلق آدم من الطين فالمادة التي خلق منها أولاده أفضل من المادة التي خلق منها هو ولهذا كان خلقه أعجب . فإذا نزه الرب عن المادة العليا فهو عن المادة السفلى أعظم تنزيها وهذا كما أنه إذا كان منزها عن أن يكون أحد كفوا له فلأن يكون منزها عن أن يكون أحد أفضل منه أولى وأحرى .

وهذا مما يبين أن هذه السورة اشتملت على جميع أنواع التنزيه والتحميد على النفي والإثبات ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن . فالصمدية تثبت الكمال المنافي للنقائص . والأحدية تثبت الانفراد بذلك [ ص: 453 ] وكذلك إذا نزه نفسه عن أن يلد فيخرج منه مادة الولد التي هي أشرف المواد فلأن ينزه نفسه عن أن يخرج منه مادة غير الولد بطريق الأولى والأحرى وإذا نزه نفسه عن أن يخرج منه مواد للمخلوقات فلأن ينزه عن أن يخرج منه فضلات لا تصلح أن تكون مادة بطريق الأولى والأحرى والإنسان يخرج منه مادة الولد ويخرج منه مادة غير الولد كما يخلق من عرقه ورطوبته القمل والدود وغير ذلك . ويخرج منه المخاط والبصاق وغير ذلك .

وقد نزه الله أهل الجنة عن أن يخرج منهم شيء من ذلك وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يبصقون ولا يتمخطون وأنه يخرج منهم مثل رشح المسك وأنهم يجامعون بذكر لا يخفى وشهوة لا تنقطع ولا مني ولا منية وإذا اشتهى أحدهم الولد كان حمله ووضعه في زمن يسير . فقد تضمن تنزيه نفسه عن أن يكون له ولد وأن يخرج منه شيء من الأشياء كما يخرج من غيره من المخلوقات وهذا أيضا من تمام معنى الصمد كما سبق في تفسيره أنه الذي لا يخرج منه شيء وكذلك تنزيه نفسه عن أن يولد - فلا يكون من مثله - تنزيه له أن يكون من سائر المواد بطريق الأولى والأحرى . وقد تقدم في حديث أبي بن كعب أنه ليس شيء يولد إلا سيموت [ ص: 454 ] وليس شيء يموت إلا يورث والله تعالى لا يموت ولا يورث وهذا رد لقول اليهود : ممن ورث الدنيا ولمن يورثها ؟ وكذلك ما نقل من { سؤال النصارى : صف لنا ربك : من أي شيء هو ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ربي ليس من شيء وهو بائن من الأشياء } وكذلك سؤال المشركين واليهود : أمن فضة هو ؟ أم من ذهب هو ؟ أم من حديد ؟ وذلك لأن هؤلاء عهدوا الآلهة التي يعبدونها من دون الله يكون لها مواد صارت منها فعباد الأوثان تكون أصنامهم من ذهب وفضة وحديد وغير ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث