الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 116 ] 469 - السري السقطي

ومنهم العلم المنشور ، والحكم المذكور ، شديد الهدى ، حميد السعي ، ذو القلب التقي ، والورع الخفي ، عن نفسه راحل ، ولحكم ربه نازل ، أبو الحسن السري بن المغلس السقطي ، خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه .

أخبرني جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم ، قال : سمعت الجنيد بن محمد ، يقول : سمعت السري بن المغلس ، يقول : " لو أحسست بإنسان يريد أن يدخل علي فقلت بلحيتي كذا - وأمر يده على لحيته ، كأنه يريد تسويتها من أجل دخول الداخل - لخفت أن يعذبني الله على ذلك بالنار ، قال : وسمعت السري ، يقول : إني لأنظر إلى أنفي كل يوم مرارا مخافة أن يكون وجهي قد اسود ، قال : وسمعت السري ، يقول : ما أحب أن أموت حيث أعرف ، فقيل له : ولم ذلك يا أبا الحسن ؟ قال : أخاف أن لا يقبلني قبري فأفتضح ، قال : وسمعت السري ، يقول : إن نفسي تنازعني أن أغمس جزرة في دبس منذ ثلاثين سنة فما يمكنني ، قال : وسمعت السري ، يقول : إني أحب أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة ، ولا لمخلوق فيها منة ، فما أجد إلى ذلك سبيلا ، قال : وسمعت السري ، يقول : خرجنا يوما من مكة نريد بعض المواضع ، فلما أصحرنا رأيت في مجرى السيل طاقة بقل ، فمددت يدي فأخذتها ، وقلت : الحمد لله ، ورجوت أن تكون حلالا ليس لمخلوق فيها منة ، فقال لي بعض من رآني وقد أخذتها : يا أبا الحسن ، فالتفت ، فإذا مثل تلك الطاقة ، فقال لي : خذ هذا من نائبك ، فقلت له : الطاقة الأولى ليس لأحد فيها منة ، وهذا بدلالتك تريد لك علي فيه منة ، إنما أريد ما ليس لمخلوق فيه منة ، ولا لله فيه تبعة ، قال : وسمعت السري ، يقول : كان أهل الورع في وقت من الأوقات أربعة : حذيفة المرعشي ، وإبراهيم بن أدهم ، ويوسف بن أسباط ، وسليمان الخواص ، فنظروا في الورع ، فلما ضاقت عليهم الأمور فزعوا إلى التقلل ، قال : وسمعت السري ، يقول : كنت بطرسوس ، وكان معي في الدار فتيان [ ص: 117 ] متعبدون ، وكان في الدار تنور يخبزون فيه ، فانكسر التنور ، فعملت لهم بدله من مالي ، فتورعوا أن يختبزوا فيه ، قال : وسمعت السري ، وذكر أن أبا يوسف الغسولي ، كان يلزم الثغر ويغزو ، وكان إذا غزا ودخلوا بلاد الروم أكل أصحابه من طعام الروم وفواكههم ، فيقول أبو يوسف : لا آكل ، فيقال له : تشك أنه حلال ؟ فيقول : لا أشك ، هو حلال ، فيقال له : فكل من الحلال ، فيقول : إنما الزهد في الحلال ، قال : وسمعت السري ، يذم من يأكل بدينه ، ويقول : من النذالة أن يأكل العبد بدينه " .

حدثنا عمر بن أحمد بن شاهين ، ثنا علي بن الحسين بن حرب ، قال : بعث بي أبي إلى السري بشيء من حب السعال - لسعال كان به - فقال لي : كم ثمنه ؟ قلت له : لم يخبرني بشيء ، فقال : اقرأ عليه السلام ، وقل له : " نحن نعلم الناس منذ خمسين سنة أن لا يأكلوا بأديانهم ، ترانا اليوم نأكل بأدياننا ؟

سمعت محمد بن إبراهيم بن محمد ، يقول : سمعت علي بن عبد الحميد الغضائري الحلبي ، يقول : سمعت سريا السقطي ، ودققت عليه الباب فقام إلى عضادتي الباب ، فسمعته يقول : " اللهم اشغل من شغلني عنك بك ، فكان من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة من حلب على رجلي ماشيا ذاهبا وجائيا " .

سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني ، يقول : ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن حمدان ، ثنا إسماعيل بن عبد الله الشامي ، قال : قال سري السقطي : " خمس من كن فيه فهو شجاع بطل : استقامة على أمر الله ليس فيها روغان ، واجتهاد ليس معه سهو ، وتيقظ ليس معه غفلة ، ومراقبة الله في السر والجهر ليس معه رياء ، ومراقبة الموت بالتأهب " .

سمعت أبا عبد الله ، يقول : ثنا أبو حامد ، ثنا إسماعيل ، قال : قال السري السقطي : " للمريد عشر مقامات : التحبب إلى الله بالنافلة ، والتزين عنده بنصيحة الأمة ، والأنس بكلام الله ، والصبر على أحكامه ، والأثرة لأمره ، والحياء من نظره ، وبذل المجهود في محبوبه ، والرضا بالقلة ، والقناعة بالخمول " .

حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا [ ص: 118 ] إسماعيل بن عبد الله الشامي ، قال : قال سري السقطي : " للخائف عشر مقامات : الحزن اللازم ، والهم الغالب ، والخشية المقلقة ، وكثرة البكاء ، والتضرع في الليل والنهار ، والهرب من مواطن الراحة ، وكثرة الوله ، ووجل القلب ، وتنغص العيش ، ومراقبة الكمد " .

سمعت أبا الحسين محمد بن علي بن حبيش ، يقول : سمعت القاسم بن عبد الله البزاز ، يقول : سمعت سريا السقطي ، يقول : " لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله من الأشجار ، عليها جميع ما خلق الله من الأطيار ، فخاطبه كل طير منها بلغته ، وقال : السلام عليك يا ولي الله ، فسكنت نفسه إلى ذلك كان في يديها أسيرا " .

حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى ، ثنا أبو العباس السراج ، قال : سمعت إبراهيم بن السري السقطي ، يقول : سمعت أبي يقول : " عجبت لمن غدا وراح في طلب الأرباح وهو مثل نفسه لا يربح أبدا " .

حدثنا إبراهيم بن محمد ، ثنا أبو العباس السراج ، قال : سمعت ابن السري ، يقول : سمعت أبي يقول : " لو أشفقت هذه النفوس على أبدانها شفقتها على أولادها للاقت السرور في معادها " .

حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ، يقول : سمعت أبا القاسم المطرز ، يقول : سمعت الجنيد بن محمد ، يقول : سمعت السري بن المغلس ، يقول : " وددت أن حزن الخلق كلهم ألقي علي " .

سمعت أبي ، يقول : سمعت أحمد ، يقول : سمعت أبا القاسم ، يقول : سمعت الجنيد ، يقول : سمعت السري ، يقول : " إن في النفس لشغلا عن الناس " .

حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن ، ثنا عباس بن يوسف الشكلي ، ثنا محمد بن إسحاق الأسلمي ، قال : سمعت السري ، يقول : " المغبون من فنيت أيامه بالتسويف ، والمغبون من تمنى الصالحون مقامه " .

حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان ، ثنا علي بن الحسين بن حرب القاضي - إملاء - قال : سمعت السري ، يقول : سئل حكيم من الحكماء : متى يكون [ ص: 119 ] العالم مسيئا ؟ قال : " إذا كثر بقباقه ، وانتشرت كتبه ، وغضب أن يرد عليه شيء من قوله ، هذا أو معناه " .

أخبرنا جعفر - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم ، قال : سمعت الجنيد بن محمد ، يقول : بعثني السري يوما في حاجة ، فأبطأت عليه ، فلما جئت قال لي : إذا بعث بك رجل يتكلم في موارد القلوب في حاجة فلا تبطئ عليه ، فإنك تشغل قلبه ، قال : وسمعت السري ، يقول : احذر أن تكون ثناء منشورا وعيبا مستورا . وسمعته يقول : سمعت أبا جعفر السماك - وكان شيخا شديد العزلة - فرأى عندي جماعة قد اجتمعوا حولي ، فوقف ولم يقعد ، ثم نظر إلي ، فقال لي : أبا الحسن ، صرت مناخا للبطالين ، فرجع ولم يقعد ، وكره إلي اجتماعهم حولي ، قال : وسمعت السري ، يقول : إني أعرف طريقا يؤدي إلى الجنة قصدا ، فقيل له : ما هو يا أبا الحسن ؟ فقال : أن تشتغل بالعبادة وتقبل عليها وحدها حتى لا يكون فيك فضل ، قال : وسمعت السري ، يقول : أعرف طريقا مختصرا يؤديكم إلى الجنة ، فقلت : ما هو ؟ قال : لا تأخذ من أحد شيئا ، ولا تسل أحدا شيئا ، ولا يكن معك ما تعطي منه أحدا شيئا ، قال : وسمعت السري ، يقول : رأيت الفوائد ترد في ظلم الليل ، قال : وكان إذا أراد أن يفيدني سألني ، فقال لي يوما : ما الشكر ؟ فقلت : أن لا يعصى في نعمة ، فقال : ما أحسن ما أجبت ، ما أحسن ما تقول ، قال الجنيد : وهذا هو فرض الشكر ، أن لا يعصى في نعمة " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث