الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون

جزء التالي صفحة
السابق

وهاهنا لقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - الجواب بقوله : ( قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ) أي إنني بشر رسول لا أملك لنفسي - فضلا عن غيرها - شيئا من التصرف في الضر فأدفعه عنها ولا النفع فأجلبه لها ، من غير طريق الأسباب التي يقدر غيري عليها ، وليس منها إنزال العذاب بالكفار المعاندين ، ولا هبة النصر للمؤمنين ( إلا ما شاء الله ) أي لكن ما شاء الله من ذلك كان متى شاء لي فيه ; لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين . هكذا قال جمهور المفسرين إن الاستثناء هنا منقطع وله أمثال تقدم بعضها ، كقوله تعالى وهو من أظهرها الصريح في هذا المقام : ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) ( 7 : 188 ) والاختلاف بين الآيتين في تقديم ذكر الضر على النفع وتأخيره لاختلاف المقام ، فقد قدم الضر في آية يونس لأنها جواب للمشركين عن ميعاد العذاب الذي أنذروا به ، وهو من الضر ، وقدم النفع في آية الأعراف لأن المقام بيان الحقيقة في نفسها ، وهو أن الرسول لا يملك لنفسه شيئا من التصرف في الكون بغير الأسباب العامة فضلا عن ملكه لغيره ، والمناسب في هذا تقديم النفع لأنه هو المقصود بالذات من تصرف [ ص: 321 ] الإنسان وسعيه لنفسه . وقيل : إن الاستثناء متصل ، وحينئذ يكون المنفي المستثنى منه عاما لما يملكه الإنسان بالأسباب العادية ، فيكون المعنى : إلا ما شاء الله تعالى أن أملكه بما أعطاني من الكسب الاختياري مع تيسير أسبابه لي ، وأما الآيات الخارقة للعادة فهي لله وحده ، لا مما يملكه رسله .

وقد أجاب سبحانه عن هذا السؤال بقوله : ( لكل أمة أجل ) لبقائها وهلاكها ، علمه الله وقدره لها لا يعلمه ولا يقدر عليه غيره ( إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) أي فلا يملك رسولهم من دونه تعالى أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة عن الزمان المقدر له وإن قلت ولا أن يطلب ذلك منه تعالى ، وهو معنى ما تدل عليه السين والتاء في الأصل . وقد حققنا معنى هذا النص في آية سورة الأعراف ( 7 : 34 ) بلفظه فاستغرق أربع ورقات من جزء التفسير الثامن فليراجعه من شاء ، إلا أنه قال هنالك : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ) إلخ وقال هنا : ( إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ) إلخ ، والفرق بينهما أن ما هنا أبلغ في نفي تأخير الوعيد لأنه تفنيد لاستعجالهم به وذلك أنه جعل الجملة الشرطية وصفا للأجل مرتبطا به مباشرة لا يتخلف عنه ، وما هنالك إخبار بآجال الأمم مبتدأ وما بعده تفريع عليه ، فهو لا يدل على لزومه له بلا مهملة كالذي هنا . وقد تكرر هذا السؤال من المشركين مع جوابه في سور أخرى ، وأشبهه بما هنا سياق سورة النمل وأجيب فيها بقوله : ( قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) ( 27 : 72 ) وهو من ردفه إذا لحقه وتبعه ، وعدي باللام لتأكيده أو تضمينه معنى يناسبه .

وقد بلغ من جهل الخرافيين من المسلمين بتوحيد الله ، أن مثل هذه النصوص من آيات التوحيد لم تصد الجاهلين به منهم عن دعوى قدرة الأنبياء والصالحين - حتى الميتين منهم - على كل شيء من التصرف في نفعهم وضرهم ، مما لم يجعله الله تعالى من الكسب المقدور لهم بمقتضى سننه في الأسباب ، بل يعتقدون أن منهم من يتصرفون في الكون كله ، كالذين يسمونهم الأقطاب الأربعة . وأن بعض كبار علماء الأزهر في هذا العصر يكتب هذا حتى في مجلة الأزهر الرسمية ( نور الإسلام ) فيفتي بجواز دعاء غير الله من الموتى والاستغاثة بهم في كل ما يعجزون عنه من جلب نفع ودفع ضر ، وألف بعضهم كتابا في إثبات ذلك ، وكون الميتين من الصالحين ينفعون ويضرون بأنفسهم ، ويخرجون من قبورهم فيقضون حوائج من يدعونهم ويستغيثون بهم . قال في فتح البيان بعد نقله القول الأول في الاستثناء عن أئمة المفسرين وترجيحه ما نصه :

( ( وفي هذا أعظم وازع وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه ، وكذلك من صار يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه ; [ ص: 322 ] فإن هذا مقام رب العالمين ، الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ، ورزقهم وأحياهم ويميتهم ، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ؟ ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع ؟ وحسبك بما في هذه الآية من موعظة ، فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده ( لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ) فكيف يملكه لغيره ؟ وكيف يملكه غيره - ممن رتبته دون رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته - لنفسه ، فضلا عن أن يملكه لغيره ؟

( ( فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ! كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى ( ( لا إله إلا الله ) ) ومدلول ( قل هو الله أحد ) ( 112 : 1 ) ( ( وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى بل إلى ما هو أشد منها ; فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق ، المحيي المميت ، الضار النافع ، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقربين لهم إليه ، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع ، وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال وكفاك من شر سماعه ، والله ناصر دينه ، ومطهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر . ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( 18 : 104 ) ( ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) ) ا ه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث