الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون

جزء التالي صفحة
السابق

إقرار متقدمي الصوفية ومتأخريهم بوجوب اتباع السلف :

تواتر عن شيوخ الصوفية المتقدمين أن أصل طريقهم اتباع الكتاب والسنة وموافقة السلف كما تقدم آنفا وتجد مثل هذا في كلام الصوفية الشاذين الذين خلطوا البدع بالسنن ، وزعموا أنهم يأخذون علومهم عن الله الحي الذي لا يموت مباشرة ، وأن علماء التفسير والحديث يأخذون علومهم عن الميتين كالفقهاء والمتكلمين ، وهذا أساس الابتداع بل المروق من الدين . ومما نقله الشعراني عن الشيخ إبراهيم الدسوقي من الخلط بين الحق والباطل ما نصه :

( ( وكان - رضي الله عنه - يقول أسلم التفسير ما كان مرويا عن السلف ، وأنكره ما فتح به على القلوب في كل عصر ، ولولا محرك قلوبنا لما نطقت إلا بما ورد عن السلف ، فإذا حرك قلوبنا وارد استفتحنا باب ربنا وسألناه الفهم في كلامه فنتكلم في ذلك الوقت بقدر ما يفتحه على قلوبنا ، فسلموا لنا تسلموا ، فإننا فخارة فارغة ، والعلم علم الله تعالى ) ) ا ه .

أقول : من أين نعلم أو يعلمون هم أن خواطرهم التي يسمونها الواردات من الإلهام الإلهي لا من الوسواس الشيطاني ، وكيف نسلم لهم ما لا نعلم ، والإلهام الصحيح ليس بحجة كما تقدم ؟ ثم كيف لا ننكر عليهم ما تراه مخالفا للكتاب والسنة وآثار السلف ، وموافقا لإلحاد الباطنية أو بدع الخلف ، وإنا وإياهم متفقون على أنه هو الحق الذي لا يصح الخلاف فيه ؟

[ ص: 369 ] فثبت إذا أن أولياء الله تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، هم من عرفهم تعالى بقوله الحق : ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) وأنهم درجات كما بينها الله تعالى في قوله : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) ( 35 : 32 ) فالظالم لنفسه : من يقصر في اتباع الكتاب ولو بترك بعض الفضائل ، والمقتصد : من يترك ما نهي عنه ، ويفعل ما أمر به من الواجبات القاصرة على نفسه ، والسابق بالخيرات : من يزيد على التقرب بالنوافل ، والتكمل بالفضائل ، والجمع بين التعلم والتعليم والتأدب والتأديب ، حتى يكون إماما للمتقين ، فهذه درجة المقربين من شهداء الله والصديقين وما قبلها درجة الصالحين من الأبرار أصحاب اليمين ، فراجع سورتي الواقعة والمطففين ، ففيهما بيان لقوله تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) ( 4 : 69 ) وهي تفسير لدعائك في كل ركعة بقوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) ( 1 : 6 ، 7 ) .

وبهذا تقوم حجة الله على العالمين بأن هذا الدين تنزيل من رب العالمين ، وقد أكمله لنا قبل أن يقبض الله رسوله محمدا خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه لو صح شيء مما ابتدعه الناس فيه بفلسفتهم العقلية أو النفسية أو بما ادعوه من الكشف لما صحت شهادة الله بإكماله ، ولا أنه من عنده لا من عند أحد من خلقه ، وهذا كل غرضنا من هذا البحث ، وقد أظهر به الحق ولله الحمد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث