الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون

وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها هذا كشف شبهة أخرى من شبه تكذيبهم ، إذ كانوا يسألون النبيء أن يأتيهم بآيات على حسب اقتراحهم ، ويقولون : لو كان صادقا ، وهو يطلب منا أن نؤمن به لجاءنا بالآيات التي سألناه ; غرورا بأنفسهم أن الله يتنازل لمباراتهم .

والجملة معطوفة على جملة وإن من قرية إلا نحن مهلكوها الآية ، أي إنما أمهلنا المتمردين على الكفر إلى أجل نزول العذاب ، ولم نجبهم إلى ما طلبوا من الآيات ; لعدم جدوى إرسال الآيات للأولين من قبلهم في الكفر على حسب اقتراحهم فكذبوا بالآيات .

وحقيقة المنع : كف الفاعل عن فعل يريد فعلته ، أو يسعى في فعله ، وهذا محال عن الله تعالى ; إذ لا مكره للقادر المختار ، فالمنع هنا مستعار للصرف عن الفعل ، وعدم إيقاعه دون محاولة إتيانه .

والإرسال يجوز أن يكون حقيقة فيكون مفعول أن نرسل محذوفا دل عليه فعل نرسل ، والتقدير : أن نرسل رسولنا ، فالباء في قوله بالآيات [ ص: 143 ] للمصاحبة ، أي مصاحبا للآيات التي اقترحها المشركون ، ويجوز أن يكون الإرسال مستعارا لإظهار الآيات وإيجادها ، فتكون الباء مزيدة لتأكيد تعلق فعل نرسل بالآيات ، وتكون الآيات مفعولا في المعنى كقوله تعالى وامسحوا برءوسكم .

والتعريف في الآيات على كلا الوجهين للعهد ، أي المعهودة من اقتراحهم كقولهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، و قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى و قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله على أحد التأويلين .

و ( أن ) الأولى مفيدة مصدرا منصوبا على نزع الخافض ، وهو من التي يتعدى بها فعل المنع ، وهذا الحذف مطرد مع ( أن ) .

و ( أن ) الثانية مصدرها فاعل منعنا على الاستثناء المفرغ .

وإسناد المنع إلى تكذيب الأولين بالآيات مجاز عقلي ; لأن التكذيب سبب الصرف .

والمعنى : أننا نعلم أنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن من قبلهم من الكفرة لما جاءتهم أمثال تلك الآيات ، فعلم الناس أن الإصرار على الكفر سجية للمشرك لا يقلعها إظهار الآيات ، فلو آمن الأولون عندما أظهرت لهم الآيات ; لكان لهؤلاء أن يجعلوا إيمانهم موقوفا على إيجاد الآيات التي سألوها ، قال تعالى ( إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ) .

والأظهر أن هذا تثبيت لأفئدة المؤمنين ; لئلا يفتنهم الشيطان ، وتسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان قومه ، فلعله يتمنى أن يجيبهم الله لما سألوا من الآيات ، ولحزنه من أن يظنوه كاذبا .

وجملة وآتينا ثمود الناقة في محل الحال من ضمير الجلالة في منعنا ، أي وقد آتينا ثمودا آية كما سألوا فزادوا كفرا بسببها حتى عجل لهم العذاب .

[ ص: 144 ] ومعنى مبصرة واضحة الدلالة ، فهو اسم فاعل أبصر المتعدي إلى مفعول ، أي جعل غيره مبصرا وذا بصيرة ، فالمعنى : أنها مفيدة البصيرة ، أي اليقين ، أي تجعل من رآها ذا بصيرة وتفيده أنها آية ، ومنه قوله تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين .

وخص بالذكر ثمود وآيتها ; لشهرة أمرهم بين العرب ، ولأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من أهل مكة يبصرها صادرهم وواردهم في رحلاتهم بين مكة والشام .

وقوله فظلموا بها يجوز أن يكون استعمل الظلم بمعنى الكفر ; لأنه ظلم النفس ، وتكون الباء للتعدية ; لأن فعل الكفر يعدى إلى المكفور بالباء ، ويجوز أن يكون الظلم مضمنا معنى الجحد ، أي كابروا في كونها آية ، كقوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ، ويجوز بقاء الظلم على حقيقته ، وهي الاعتداء بدون حق ، والباء صلة لتوكيد التعدية مثل الباء في وامسحوا برءوسكم ، أي ظلموا الناقة حين عقروها ، وهي لم تجن عليهم ، فكان عقرها ظلما ، والاعتداء على العجماوات ظلم إذا كان غير مأذون فيه شرعا كالصيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث