الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


هذا ( ومن باب الإشارة في الآيات ) . الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق قيل : عهد الله تعالى مع المؤمنين القيام له سبحانه بالعبودية في السراء والضراء والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل فيصلون بقلوبهم محبته وبأسرارهم مشاهدته سبحانه وقربته ويخشون ربهم عند تجلي الصفات في مقام القلب فيشاهدون جلال صفة العظمة ويلزمهم الهيبة والخشية ويخافون سوء الحساب عند تجلي الأفعال في مقام النفس فينظرون إلى البطش والعقاب فيلزمهم الخوف .

وسئل ابن عطاء ما الفرق بين الخشية والخوف فقال : الخشية من السقوط عن درجات الزلفى والخوف من اللحوق بدركات المقت والجفا وقال بعضهم : الخشية أدق والخوف أصلب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم صبروا عما دون الله تعالى بالله سبحانه لكشف أنوار وجهه الكريم أو صبروا في سلوك سبيله سبحانه عن المألوفات طلبا لرضاه وأقاموا الصلاة صلاة المشاهدة أو اشتغلوا بالتزكية بالعبادات البدنية وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية أفادوا مما مننا عليهم من الأحوال والمقامات والكشوف وهذبوا المريدين حتى صار لهم ما صار لهم ظاهرا وباطنا أو اشتغلوا بالتزكية بالعبادات المالية أيضا ويدرءون بالحسنة الحاصلة لهم من تجلي الصفة الإلهية السنية السيئة التي هي صفة النفس وقال بعضهم : يعاشرون الناس بحسن الخلق فإن عاملهم أحد بالجفاء قابلوه بالوفاء أولئك لهم عقبى الدار البقاء بعد الفناء أو العاقبة الحميدة جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم قيل : يدخلون جنة الذات ومن صلح من آباء الأرواح ويدخلون جنة الصفات بالقلوب ويدخلون جنة الأفعال ومن صلح من أزواج النفوس وذريات القوى أو يدخلون جنات القرب والمشاهدة والوصال ومن صلح من المذكورين تبع لهم ولأجل عين ألف [ ص: 178 ] عين تكرم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار يدخل عليهم أهل الجبروت والملكوت من كل باب من أبواب الصفات محيين لهم بتحايا الإشراقات النورية والإمدادات القدسية أو يدخل عليهم الملائكة الذين صحبوهم في الدنيا من كل باب من أبواب الطاعة مسلمين عليهم بعد استقرارهم في منازلهم كما يسلم أصحاب الغائب عليه إذا قدم إلى منزله واستقر فيه الذين آمنوا الإيمان العلمي بالغيب وتطمئن قلوبهم بذكر الله قالوا : ذكر النفس باللسان والتفكر في النعم وذكر القلب بالتفكر في الملكوت ومطالعة صفات الجمال وذكر السر بالمناجاة وذكر الروح بالمشاهدة وذكر الخفاء بالمناغاة في العشق وذكر الله تعالى بالفناء فيه ألا بذكر الله تطمئن القلوب وذلك أن النفس تضطرب بظهور صفاتها وأحاديثها وتطيش فيتلون القلب ويتغير لذلك فإذا تفكر في الملكوت ومطالعة أنوار الجمال والجبروت استقر واطمأن وسائر أنواع الذكر إنما يكون بعد الاطمئنان قال الهزجوري : قلوب الأولياء مطمئنة لا تتحرك دائما خشية أن يتجلى الله تعالى عليها فجأة فيجدها غير متسمة بالأدب الذين آمنوا وعملوا الصالحات تخلية وتحلية طوبى لهم بالوصول إلى الفطرة وكمال الصفات وحسن مآب بالدخول في جنة القلب وهي جنة الصفات أو طوبى لهم الآن حيث لم يوجد منهم ما يخالف رضاء محبوبهم وحسن مآب في الآخرة حيث لا يجدون من محبوبهم خلاف مأمولهم أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت أي بحسب كسبها ومقتضاه أي كما تقتضي مكسوباتها من الصفات والأحوال التي تعرض لاستعدادها يفيض عليها من الجزاء قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ما أخرج سبحانه أحدا من العبودية حتى سيد أحرار البرية صلى الله تعالى عليه وسلم وفسرها أبو حفص بأنها ترك كل ملك وملازمة المأمور به .

وقال الجنيد قدس سره : لا يرتقي أحد في درجات العبودية حتى يحكم فيما بينه وبين الله تعالى أوائل البدايات وهي الفروض والواجبات والسنن والأوراد ومطايا الفضل عزائم الأمور فمن أحكم على نفسه هذا من الله تعالى عليه بما بعده ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية فيه على ما قيل إشارة إلى أنه إذا شرف الله تعالى شخصا بولايته لم يضر به مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد ولم يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته وقوله سبحانه : وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فيه منع طلب الكرامات واقتراحها من المشايخ لكل أجل كتاب لكل وقت أمر مكتوب يقع فيه ولا يقع في غيره ومن هنا قيل : الأمور مرهونة لأوقاتها وقيل : لله تعالى خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص يمحو الله ما يشاء ويثبت قيل : يمحو عن ألواح العقول صور الأفكار ويثبت فيها أنوار الأذكار ويمحو عن أوراق القلوب علوم الحدثان ويثبت فيها لدنيات علم العرفان وقيل : يمحو العارفين بكشف جلاله ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله وقال ابن عطاء : يمحو أوصافهم ويثبت أسرارهم لأنها موضع المشاهدة وقيل : يمحو ما يشاء عن الألواح الجزئية التي هي النفوس السماوية من النقوش الثابتة فيها فيعدم عن المواد ويفني ويثبت ما يشاء فيها فيوجد وعنده أم الكتاب العلم الأزلي القائم بذاته سبحانه وقيل : لوح القضاء السابق الذي هو عقل الكل وفيه كل ما كان ويكون أزلا وأبدا على الوجه الكلي المنزه عن المحو والإثبات وذكروا أن الألواح أربعة لوح القضاء السابق العالي عن المحو والإثبات وهو لوح العقل الأول ولوح القدر وهو لوح النفس الناطقة الكلية التي يفصل فيها كليات اللوح الأول وهو المسمى باللوح المحفوظ ولوح النفوس الجزئية [ ص: 179 ] السماوية التي ينتقش فيها كل ما في هذا العالم بشكله وهيئته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو بمثابة خيال العالم كما أن الأول بمثابة روحه والثاني بمثابة قلبه ثم لوح الهيولي القابل للصور في عالم الشهادة . اهـ . وهو كلام فلسفي أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها قيل : ذلك بذهاب أهل الولاية الذين بهم عمارة الأرض وقيل : الإشارة أنا نقصد أرض وقت الجسد الشيخوخة ننقصها من أطرافها بضعف الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة شيئا فشيئا حتى يحصل الموت أو نأتي أرض النفس وقت السلوك ننقصها من أطرافها بإفناء أفعالها بأفعالنا أولا وبإفناء صفاتها ثانيا وبإفناء ذاتها في ذاتنا ثالثا لا معقب لحكمه لا راد ولا مبدل لكل ما حكم به نسأل الله تعالى أن يحكم لنا بما هو خير وأولى في الآخرة والأولى بحرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وعظم وكرم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث