الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة التزوج من أكثر من أربعة نسوة

جزء التالي صفحة
السابق

1820 - مسألة : ولا يحل لأحد أن يتزوج أكثر من أربعة نسوة إماء أو حرائر ، أو بعضهن حرائر وبعضهن إماء .

ويتسرى العبد والحر ما أمكنهما ، الحر والعبد في ذلك سواء ، بضرورة وبغير ضرورة .

والصبر عن تزوج الأمة للحر أفضل .

برهان ذلك - : قول الله عز وجل : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } .

نا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا بكر بن حماد نا مسدد نا يزيد نا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : { اختر منهن أربعا } .

[ ص: 6 - 7 ] فإن قيل : فإن معمرا أخطأ في هذا الحديث [ خطأ فاسدا ] فأسنده ؟

قلنا : معمر ثقة مأمون ، فمن ادعى عليه أنه أخطأ فعليه البرهان بذلك ، ولا سبيل له إليه .

وأيضا - : فلم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة أحد من أهل الإسلام ، وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام .

وبقي من هذه المسألة : نكاح الحر الأمة ، وكم ينكح العبد ، وهل يتسرى العبد ؟

فأما نكاح الحر الأمة فاختلف الناس في ذلك - : فروينا عن علي - ولم يصح - : لا ينبغي لحر أن يتزوج أمة وهو يجد طولا يتزوج به حرة ، فإن فعل فرق بينهما .

عن ابن عباس : من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج ، وحرم عليه نكاح الأمة .

[ ص: 8 ] وعن أبي هريرة ، وابن عباس - ولم يصح عنهما - : ما إن يخف نكاح الأمة على الزنا إلا قليلا .

وصح عن جابر بن عبد الله : من وجد صداق حرة فلا ينكح أمة ، ولا تنكح الأمة على الحرة ، وتنكح الحرة على الأمة .

وعن عمر بن الخطاب أنه كتب إليه يعلى بن منبه في رجل تحته امرأتان حرتان ، وأمتان مملوكتان ؟ فكتب إليه عمر : فرق بينه وبين الأمتين .

وعن ابن عباس ، وابن عمر : أنهما كرها أن تنكح أمة على حرة يجمع بينهما .

وعن ابن مسعود : لا تنكح الأمة على الحرة إلا المملوك .

وصح عن ابن عباس قال : تزويج الحرة على الأمة المملوكة طلاق المملوكة - وبه يقول الشعبي .

وروينا عن مجاهد أنه قال : مما وسع الله تعالى به على هذه الأمة نكاح الأمة والنصرانية وإن كان موسرا - .

وروينا عن عبد الرزاق قال : سألت سفيان الثوري عن نكاح الأمة ؟ فقال : لم ير علي به بأسا .

قال أبو محمد : وهو قول عثمان البتي .

وقال أبو حنيفة : جائز للحر المسلم واجد الطول وللعبد أن ينكحا الأمة ، إلا أن يكون عنده حرة ، قال : فإن كانت في عصمته حرة مسلمة أو كتابية لم يجز له نكاح الأمة ألبتة - لا بإذن الحرة ولا بغير إذنها - فإن فعل فسخ نكاح الأمة - وكذلك لو تزوج أمة وقد طلق زوجته الحرة ثلاثا ، أو أقل ما دامت في عدتها .

وجائز عنده نكاح الحرة على الأمة ما لم يتجاوز بالجميع أربعا .

وقال مالك : لا يجوز للحر نكاح أمة إلا باجتماع الشرطين : أن لا يجد صداق حرة ، وأن يخشى العنت ، فإن تزوجها على حرة فسخ نكاح الأمة .

ثم رجع عن ذلك فأباح نكاح الأمة المؤمنة خاصة للفقير وللموسر الحر والعبد . [ ص: 9 ]

قال : فإن كانت عنده حرة فتزوج أمة عليها : خيرت الحرة ، فإن شاءت أقامت عنده ، وإن شاءت فارقته .

قال : فإن رضيت بذلك فله أن يتزوج عليها تمام أربع من الإماء إن شاء ، ولا خيار للحرة بعد .

قال : ويتزوج العبد الأمة على الحرة .

قال الشافعي : لا يجوز نكاح الحر الواجد صداق حرة مؤمنة ، أو كتابية لأمة ، فإن لم يجد طولا لحرة - وخشي مع ذلك العنت - فله نكاح أمة مؤمنة واحدة ، لا أكثر .

وقال مرة : إن لم يجد صداق حرة مسلمة ووجد صداق حرة كتابية ، فله نكاح الأمة المسلمة .

قال أبو محمد : أما قول أبي حنيفة فهو عار من الأدلة جملة ، وإن كان قد وافق في بعضه بعض السلف فقد خالف قول سائرهم ، وليس قول أحد بأولى من قول غيره إلا ببيان قرآن أو سنة .

وأما قول مالك الأول ، وقول الشافعي الآخر ، فقد يظن أنهما تعلقا بالقرآن ، وأما قولاهما المشهوران عنهما ، فخلاف للقرآن ; لأن قول مالك في منع الحر نكاح الأمة بأن تكون عنده حرة ، وإباحته له نكاح الأمة إذا لم تكن عنده حرة ، وإن كان مستطيعا لطول ينكح به الحرة المسلمة ليس تقتضيه الآية أصلا ، ولا جاءت به سنة قط ، إلا أن يتعلق هو وأبو حنيفة بما روينا من طريق سعيد بن منصور نا إسماعيل بن إبراهيم عمن سمع الحسن يقول : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح الأمة على الحرة } فهذا منقطع في موضعين هالك .

وأيضا - فليس فيه تخيير الحرة كما ذكر مالك .

وأما تخييره الحرة في البقاء تحت زوجها الحر ، أو فراقه إذا تزوج عليها أمة فقول فاسد لا دليل على صحته ولا نعلم أحدا قال به قبله .

وأما منع الشافعي من وجد طولا لنكاح حرة كتابية من نكاح الأمة ، فقول لا تقتضيه الآية - فسقطت هذه الأقوال كلها ، إذ ليست موافقة للقرآن ، ولا لشيء من السنن .

قال أبو محمد : فالمرجوع إليه إذا اختلف السلف - رضي الله عنهم - هو القرآن ، [ ص: 10 ] قال عز وجل : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم } .

فنظرنا في مقتضى هذه الآية ، فوجدنا فيها حكم من لم يجد الطول وخشي العنت ، فأباح نكاح الأمة المؤمنة له ، وأن الصبر خير لنا ، فقلنا بذلك كله فنظرنا في حكم من يجد الطول ولم يخش العنت ، وفي نكاح المسلم الأمة الكتابية فلم نجده فيه أصلا ، لا بإباحة ، ولا بمنع ، ولا بكراهة ، بل هو مسكوت عنه فيها جملة ، فلم يجز لنا أن نحكم له منها بحكم من لم يجد الطول وخشي العنت ، وبحكم الأمة المؤمنة ; لأنه قياس على ما في الآية ، والقياس باطل ، ولم يجز لنا أن نحكم له منها بحكم مخالف لحكم من لا يجد الطول ويخشى العنت ، وبحكم الأمة المؤمنة ; لأنه ليس ذلك في الآية ، وكلاهما تعد لما في الآية وإقحام فيها لما ليس فيها ، فوجب أن نطلب حكم من يجد الطول ولا يخشى العنت - : فوجدنا الله تعالى يقول : { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن } .

ووجدنا الله تعالى يقول : { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } .

فكان في هذه الآية بيان جلي في إباحة نكاح الكتابيات جملة لم يخص تعالى حرة من أمة .

وفي الآية الأخرى إباحة نكاح العبيد من المؤمنين عموما ، لم يخص تعالى حرة من أمة ، وإباحة إنكاح الإماء المسلمات لم يخص حرا من عبد .

فكان في هاتين الآيتين بيان نكاح المسلم الغني والفقير ، والعبد والحر عموما ، [ ص: 11 ] بكل حال للحرة المسلمة وللكتابية ، وللأمة المسلمة والكتابية ، ولم يأت قط في سنة ، ولا في قرآن تحريم شيء من ذلك ، ولا كراهة : - فصح ولنا بيقين لا إشكال فيه .

ومن عجائب الدنيا إباحة مالك نكاح الحر واجد الطول غير خائف العنت نكاح الأمة المسلمة ، ومنعه إياه نكاح الأمة الكتابية ، وهذا تحكم في التعلق بالآية لا يجوز - وبالله تعالى التوفيق .

وكذلك إباحته نكاح الأمة على الحرة للعبد ، ومنعه الحر من ذلك - وهذا وإن كان قد روي عن مسروق عن ابن مسعود - ولم يصح عنه - فقد أتى عن غيرهما من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين خلاف ذلك ، وترك الفرق بين شيء من ذلك .

وأما كم ينكح العبد - : فروينا عن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عمر بن الخطاب قال : ينكح العبد اثنين .

وعن ابن جريج : أخبرت أن عمر بن الخطاب سأل في الناس كم ينكح العبد ؟ فاتفقوا على أن لا يزيد على اثنين .

وعن عبد الرزاق : عن سفيان الثوري ، وابن جريج قالا : نا جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب قال : ينكح العبد اثنتين .

نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشني نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن ليث بن أبي سليم عن عطاء ، قال : أجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين - وهو قول الحسن ، وعطاء ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد ، وغيرهم - .

وصح عن مجاهد ، والزهري : أنه يتزوج أربعا .

وروي عن الشعبي - ولم يصح عنه - وعن عطاء : أنه توقف في ذلك - وبهذا يقول مالك ، وأبو سليمان . [ ص: 12 ]

قال أبو محمد : وهذا مما خالف فيه المالكيون صحابة لا يعرف لهم من الصحابة مخالف - وهذا مما يعظمونه إذا وافق أهواءهم ؟

قال علي : لا حجة في كلام أحد دون كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد قال الله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } فلم يخص عبدا من حر ، فهما سواء في ذلك - وبالله تعالى التوفيق .

وأما تسري العبد - : فإن الناس اختلفوا ، فروينا من طريق حماد بن سلمة ، ومعمر ، كلاهما عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر : أنه كان يرى مماليكه يتسرون ولا ينهاهم .

ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس أنه قال لعبد له في جارية له : استحلها بملك اليمين .

ولا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف لهذين - وهو قول الشعبي ، وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري ، وعطاء - وصح ذلك عنهم - وهو قول مالك ، وأبي سليمان ، وما نعلم خلافا في ذلك من تابع ، إلا رواية غير مشهورة عن إبراهيم ، والحكم بن عتيبة ، ورواية صحيحة عن ابن سيرين أنهم كرهوا للعبد أن يتسرى كراهية ، لا منعا - ولم يجز ذلك أبو حنيفة ، ولا الشافعي .

قال أبو محمد : وهم يعظمون خلاف الصاحب الذي لا يعرف له من الصحابة مخالف ، وقد خالفوا هاهنا ابن عباس ، وابن عمر ، ولا يعرف لهما من الصحابة رضي الله عنهم مخالف فوجب الرجوع إلى القرآن والسنة فوجدنا الله عز وجل يقول : { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } فلم يخص تعالى حرا من عبد ، وقد تكلمنا فيما خلا من كتابنا على صحة ملك العبد لماله فأغنى عن ترداده وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث