الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها

1030 حدثنا هناد حدثنا وكيع عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يكرهون الصلاة على الجنازة في هذه الساعات وقال ابن المبارك معنى هذا الحديث أن نقبر فيهن موتانا يعني الصلاة على الجنازة وكره الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها وإذا انتصف النهار حتى تزول الشمس وهو قول أحمد وإسحق قال الشافعي لا بأس في الصلاة على الجنازة في الساعات التي تكره فيهن الصلاة [ ص: 99 ]

التالي السابق


[ ص: 99 ] قوله : ( ثلاث ساعات ) أي : أوقات ( أن نصلي فيهن ) هو بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة ؛ لأنهما صلاة ( أو نقبر فيهن موتانا ) من باب نصر أي : ندفن فيهن موتانا ، يقال قبرته إذا دفنته وأقبرته إذا جعلت له قبرا يوارى فيه ، ومنه قوله تعالى فأقبره ، كذا في المرقاة ، وقال النووي : وهو بضم الباء الموحدة ، وكسرها لغتان . انتهى ( حين تطلع الشمس بازغة ) أي : طالعة ظاهرة حال مؤكدة ( وحين يقوم قائم الظهيرة ) قال النووي : الظهيرة حال استواء الشمس ، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ، ولا في المغرب . انتهى ، وقال ابن حجر : الظهيرة هي نصف النهار ، وقائمها إما الظل وقيامه وقوفه ، من قامت به دابته : وقفت ، والمراد بوقوفه بطء حركته الناشئ من بطء حركة الشمس حينئذ باعتبار ما يظهر للناظر بادي الرأي وإلا فهي سائرة على حالها وأما القائم فيها ؛ لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق ، ولا إلى جهة المغرب ، وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء ( حتى تميل ) أي : الشمس من المشرق إلى المغرب وتزول عن وسط السماء إلى الجانب الغربي ، وميلها هذا هو الزوال ، قال ابن حجر : ووقت الاستواء المذكور ، وإن كان وقتا ضيقا لا يسع صلاة إلا أنه يسع التحريمة فيحرم تعمد التحريمة فيه ( وحين تضيف ) بفتح التاء والضاد المعجمة وتشديد الياء أي : تميل ، قاله النووي ، وأصل الضيف : الميل سمي الضيف ؛ لميله إلى من ينزل عليه .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) ، وأخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .

[ ص: 100 ] قوله : ( وقال ابن المبارك : معنى هذا الحديث ، أو أن نقبر فيهن موتانا يعني : الصلاة ) أي : ليس المراد بقوله ( أو نقبر ) الدفن كما هو الظاهر ، بل المراد صلاة الجنازة ، قلت : قد حمل الترمذي قوله " نقبر فيهن موتانا " على صلاة الجنازة ولذلك بوب عليه باب ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس ، وعند غروبها ، ونقل في تأييده قول ابن المبارك ، وحمله أبو داود على الدفن الحقيقي ، فإنه ذكره في الجنائز ، وبوب عليه باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها ، قال الزيلعي في نصب الراية : قد جاء بتصريح الصلاة فيه رواه الإمام أبو حفص عمر بن شاهين في كتاب الجنائز من حديث خارجة بن مصعب عن ليث بن سعد عن موسى بن علي به قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند ثلاث : عند طلوع الشمس إلى آخره . انتهى ما في نصب الراية . قلت : لو صحت هذه الرواية لكانت قاطعة للنزاع ولوجب حمل قوله ( أو نقبر فيهن موتانا ) على الصلاة ، لكن هذه الرواية ضعيفة ، فإن خارجة بن مصعب ضعيف ، قال الحافظ في التقريب في ترجمته : متروك ، وكان يدلس عن الكذابين ، ويقال إن ابن معين كذبه . تنبيه :

قال النووي في شرح مسلم : قال بعضهم : إن المراد بالقبر صلاة الجنازة ، وهذا ضعيف ؛ لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع ، بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر ، وهي صلاة المنافقين ، فأما إذا وقع في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره . انتهى كلام النووي . قلت : قوله صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فيه نظر ظاهر كما ستقف على ذلك في بيان المذاهب .

قوله : ( وهو قول أحمد وإسحاق ) ، وهو قول مالك والأوزاعي والحنفية ، وهو قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، روى ابن أبي شيبة من طريق ميمون بن مهران قال : كان ابن عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس وحين تغرب ، قال الحافظ في فتح الباري : وإلى قول ابن عمر ذهب مالك والأوزاعي والكوفيون ، وأحمد وإسحاق . انتهى ، قال القاري في المرقاة : والمذهب عندنا أن هذه الأوقات الثلاثة يحرم فيها الفرائض والنوافل وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة إلا إذا حضرت الجنازة ، أو تليت آية السجدة حينئذ فإنهما لا يكرهان ، لكن الأولى تأخيرهما إلى خروج [ ص: 101 ] الأوقات . انتهى ، واستدل هؤلاء بحديث الباب ، وقولهم هو الظاهر ، والله تعالى أعلم ( وقال الشافعي : لا بأس أن يصلي على الجنازة في الساعات التي يكره فيهن الصلاة ) وأجيب من جانبه عن حديث الباب بأنه محمول على الدفن الحقيقي ، قال البيهقي : ونهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة ، وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات . انتهى ، كذا نقل الزيلعي عن البيهقي في نصب الراية ، وتعقب بأنه كيف لا يتناول الصلاة على الجنازة ، وقد رواه إسحاق بن راهويه في كتاب الجنائز بلفظ نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند ثلاث : عند طلوع الشمس إلخ ، وقد عرفت أنها رواية ضعيفة ، فإن قيل : صلاة الجنازة صلاة ، وكل صلاة منهي عنها في هذه الساعات . فكيف قال الشافعي : لا بأس أن يصلي على الجنازة في هذه الساعات ؟ يقال : ليس كل صلاة منهي عنها في هذه الساعات عند الشافعي ، بل المنهي عنها إنما هي الصلوات التي لا سبب لها ، وأما ذوات الأسباب من الصلوات فهي جائزة عنده في هذه الساعات ، والصلاة على الجنازة من ذوات الأسباب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث