الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم

جزء التالي صفحة
السابق

إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم

"المسيح": لقب من الألقاب المشرفة، كالصديق والفاروق، وأصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: وجعلني مباركا أين ما كنت [مريم: 31] وكذلك "عيسى": معرب من أيشوع، ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء.

فإن قلت: إذ قالت بم يتعلق؟ قلت: هو بدل من وإذ قالت الملائكة ويجوز أن يبدل من إذ [ ص: 559 ] يختصمون : على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا.

فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟ قلت: لأن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين.

فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟ قلت: لأن المسمى بها مذكر.

فإن قلت: لم قيل: اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة، "وجيها": حال من "كلمة" وكذلك قوله: ومن المقربين "ويكلم" ومن الصالحين أي: يبشرك به موصوفا بهذه الصفات، وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة، والوجاهة في الدنيا: النبوة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة، وكونه من المقربين رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة، والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر، و في المهد : في محل النصب على الحال، "وكهلا": عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلا وكهلا، ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء، ومن بدع التفاسير أن قولها: "رب" نداء لجبريل -عليه السلام- بمعنى يا سيدي.

"ونعلمه" عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ، وقرأ عاصم ونافع : (ويعلمه)، بالياء.

فإن قلت: علام تحمل: و"رسولا" و"مصدقا" من المنصوبات المتقدمة، وقوله: أني قد جئتكم ، و لما بين يديه : يأبى حمله عليها؟ قلت: هو من المضائق، وفيه وجهان:

أحدهما أن يضمر له "وأرسلت" على إرادة القول; تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول: أرسلت رسولا بأني قد جئتكم، [ ص: 560 ] ومصدقا لما بين يدي.

والثاني أن الرسول والمصدق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأني قد جئتكم، وناطقا بأني أصدق ما بين يدي.

وقرأ اليزيدي : (ورسول): عطفا على كلمة أني قد جئتكم : أصله أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و أني أخلق : نصب بدل من أني قد جئتكم : أو جر بدل من (آية) أو رفع على: هي أني أخلق لكم، وقرئ: (إني) بالكسر على الاستئناف، أي: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير فأنفخ فيه الضمير للكاف، أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير، فيكون طيرا : فيصير طيرا كسائر الطيور حيا طيارا، وقرأ عبد الله : (فأنفخها) قال [من البسيط]:


كالهبرقي تنحى ينفخ الفحما



وقيل: لم يخلق غير الخفاش.

"الأكمه": الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين، ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير، وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاهعيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده، وكرر، بإذن الله دفعا لوهم من توهم فيه اللاهوتية.

وروي أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا: هذا سحر فأرنا آية، فقال: يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا.

وقرئ: (تذخرون) بالذال والتخفيف، "ولأحل": رد على قوله: بآية من ربكم أي: جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم، ويجوز أن يكون "مصدقا" مردودا عليه أيضا، أي: جئتكم بآية وجئتكم مصدقا.

وما حرم الله عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك، قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له، واختلفوا في إحلاله لهم السبت، وقرئ: (حرم عليكم) على [ ص: 561 ] تسمية الفاعل، وهو (ما بين يدي من التوراة)، أو الله عز وجل، أو موسى -عليه السلام- لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم، وقرئ: (حرم) بوزن كرم.

وجئتكم بآية من ربكم شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: إن الله ربي وربكم : لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه، وقرئ بالفتح على البدل من "آية" وقوله: فاتقوا الله وأطيعون اعتراض.

فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت: لأن الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال، ويجوز أن يكون تكريرا لقوله: جئتكم بآية من ربكم أي: جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك.

وقرأ عبد الله : (وجئتكم بآيات من ربكم) فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.

ثم ابتدأ فقال: إن الله ربي وربكم ومعنى قراءة من فتح: ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: لإيلاف قريش ..... فليعبدوا [قريش: 1 - 3] ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث