الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الفصل الثالث

972 - وعن الأزرق بن قيس قال : صلى بنا إمام لنا يكنى أبا رمثة ، قال : صليت هذه الصلاة ، أو مثل هذه الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وكان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يقومان في الصف المقدم عن يمينه ، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة ، فصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم سلم عن يمينه وعن يساره ، حتى رأينا بياض خديه ، ثم انفتل كانفتال أبي رمثة - يعني نفسه - فقام الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع ، فوثب إليه عمر ، فأخذ بمنكبيه ، فهزه ، ثم قال : اجلس ، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره ، فقال : " أصاب الله بك يا بن الخطاب " ، رواه أبو داود .

التالي السابق


الفصل الثالث

972 - ( عن الأزرق بن قيس ، قال : صلى بنا إمام لنا يكنى ) : بالتخفيف ويشدد ( أبا رمثة ) : بكسر الراء ( قال ) ، أي : أبو رمثة ( صليت هذه الصلاة ) : الإشارة هنا ليست للخارج ; لأن عين المشار إليه الواقع في الخارج لم يصله معه عليه السلام ، وإنما الذي صلاه معه نظيره ، فتعينت الإشارة للحقيقة الذهنية الموجودة في ضمن هذه الخارجية وغيرها ، ولذا قال ( أو ) : على الشك ( مثل هذه الصلاة مع النبي ) : وفي نسخة : مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم قال ) ، أي : أبو رمثة ( وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه ) : لقوله عليه السلام : " ليلني منكم أولو الأحلام " ، قال ابن حجر : ذكر ذلك استطرادا إذ لا يتعلق بالغرض المسوق له القصة ، وفيه إفادة الحث على أنه يسن تحري الصف الأول ، ثم تحري يمين الإمام ; لأنه أفضل ( وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى ) ، أي : تكبيرة التحريمة فإنها الأولى حقيقة أو تكبيرة الركوع ، فإنها تكبيرة الركعة الأولى ( من الصلاة ) : احتراز من التكبير المعتاد بعد الصلاة ، أي : تكبيرة التحريمة ، ووجه ذكرها مزيد بيان أن مدركها إنما قام عقب صلاته لصلاة السنة لا لكونه مسبوقا بقي عليه شيء يقوم لإكماله ، ( فصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ) ، أي : صلاته ( ثم سلم ) ، أي : مائلا ومنصرفا ( عن يمينه وعن يساره ) : وليس فيه سلام تلقاء وجهه ( حتى رأينا ) : متعلق بالمقدر المذكور ( بياض خديه ) ، أي : من طرفي وجهه ، أي : خده الأيمن في الأولى والأيسر في الثانية ( ثم انفتل ) : أي انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ( كانفتال أبي رمثة ) ، أي : كانفتالي جرد عن نفسه أبا رمثة ووضعه موضع ضميره مزيدا للبيان كما بينه الطيبي ، ولذا قال الراوي ، ( - يعني ) ، أي : يريد أبو رمثة بقوله أبي رمثة ( نفسه - ) ، أي : ذاته لا غيره ( فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة [ ص: 771 ] الأولى من الصلاة يشفع ) : بالتخفيف ويشدد ، أي : يريد يصلي شفعا من الصلاة ، قال الطيبي : الشفع ضم الشيء إلى مثله يعني : قام الرجل يشفع الصلاة بصلاة أخرى ( فوثب [ إليه ] عمر ) ، أي : قام بسرعة ( فأخذ بمنكبيه ) : وفي رواية : بمنكبه على الإفراد ( فهزه ) : بالتشديد ، أي : حركه بعنف ( ثم قال ) : وفي نسخة فقال ( اجلس ، فإنه ) : أي الشأن ( [ لم ] يهلك ) : بضم الياء يجوز فتحها ( أهل الكتاب ) : بالنصب ، وفي نسخة : بفتح الياء ورفع أهل ( إلا أنه ) : أي الشأن ( لم يكن بين صلاتهم ) ، أي : ( بين ) ، صلواتهم ، إذ بين لا تدخل إلا على متعدد ( فصل ) ، أي : فرق بالتسليم أو التحويل .

قال ابن حجر : يحتمل أنهم كانوا أمروا بالفصل فلم يمتثلوا ، ويحتمل أنهم لم يؤمروا به فاعتقدوا اتصال الصلوات ، وأنها صلاة واحدة فصلوا ، أو أنهم لم يؤهلوا إلى ذكر الله عقب صلاتهم ، فأدى بهم ذلك إلى قسوة القلب المودية إلى الإعراض عن الله وأوامره ، قال الطيبي : ويحتمل أن يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد السلام ، والتقدير لن يهلكهم شيء إلا عدم الفصل ، واستعمال لن في الماضي معنى دلالة على استمرار هلاكهم . الجوهري : هلكه يهلكه وهلك بنفسه هلاكا ذكره الطيبي ، وفي القاموس : هلك كضرب ومنع وعلم هلكا بالضم ، ومهلكة وتهلكة مثلثي اللام : مات وأهلكه واستهلكه وهلكه يهلكه لازم ومتعد . انتهى ، وعلى تقدير كونه لازما في الحديث ، فالتقدير ما هلكوا إلا لعدم كون الفصل بين صلاتهم يعني فأدى إلى الشبهة في معرفة عدد ركعات صلاتهم ، قال ابن حجر : أي ما هلك أهل الكتاب بشيء فعلوه عقب صلاتهم ، فإنهم هلكوا بأشياء كثيرة ( غيره ) ، هذا ، فتعين رعاية خصوص ما قدرت خلافا لمن قدره عاما بسائر أحواله . انتهى ، ويريد به الاعتراض على الطيبي ، والظاهر أن هذا الهلاك مختص بمصليهم بخلاف سائر أسباب الهلاك ، أو الحصر ادعائي للمبالغة ، والله أعلم .

( فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره ) : أي إليهما ( فقال : " أصاب الله بك يا بن الخطاب " ) : قيل : الباء زائدة ، وقيل : الباء للتعدية والمفعول محذوف ، أي : أصاب الله بك الرشد ، وقال الطيبي : من باب القلب ، أي : أصبت الرشد فيما فعلت بتوفيق الله ، وجائز أن يروى أصاب الله رأيك ، والأول هو الرواية في سنن أبي داود وجامع الأصول ، ونظيره عرضت الناقة على الحوض ، وقال ابن حجر : الهمزة للتعدية والباء زائدة للتأكيد ، والتقدير أصابك الله الحق ، أي : جعلك مصيبا له في سائر أقوالك وأفعالك ، ( رواه أبو داود ) .




الخدمات العلمية