الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التقديم للشاطبية وبيان رموزها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 9 ] بسم الله الرحمن الرحيم

1 - باب التقديم للشاطبية وبيان رموزها

قال الناظم رحمه الله تعالى:

1 - بدأت ببسم الله في النظم أولا تبارك رحمانا رحيما وموئلا



البدء والابتداء بمعنى واحد، والنظم: مصدر أريد به المنظوم. وتبارك: تفاعل من البركة، وهي زيادة الخير وكثرته. والرحمن الرحيم: وصفان مشتقان من الرحمة بمعنى الإحسان والإنعام. ويراد بالوصف الأول المنعم بجلائل النعم وعظائمها، وبالوصف الثاني المنعم بدقائقها. والموئل: المرجع والملجأ.

والمعنى: أنه ابتدأ نظمه بالبسملة لما اشتملت عليه من المعاني الجلى، والصفات العلى لله رب العالمين، موئل الراجين، وملاذ اللاجئين.


2 - وثنيت صلى الله ربي على الرضا     محمد المهدى إلى الناس مرسلا



ثنى نظمه بالصلاة على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ارتضاه الله عز وجل للنبوة، وبعثه هدية لعباده، واسطة بينهم وبين خالقهم سبحانه وتعالى.


3 - وعترته ثم الصحابة ثم من     تلاهم على الإحسان بالخير وبلا



عترة النبي صلى الله عليه وسلم: أهله الأدنون، وعشيرته الأقربون. والصحابة: جمع صحابي وهو من صحب النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك. وتلاهم: تبعهم. والوبل: جمع وابل وهو المطر الغزير.

يعني: صلى الله «كذلك» على عترة النبي صلى الله [ ص: 10 ] عليه وسلم، وعلى صحابته، وعلى من تبعهم واقتدى بهم في أعمالهم وأخلاقهم حال كون الصحابة والتابعين مشبهين بالمطر الغزير في كثرة خيرهم وعموم نفعهم.


4 - وثلثت أن الحمد لله دائما     وما ليس مبدوءا به أجذم العلا



الأجذم: الناقص. والعلا: بفتح العين والمد: الرفعة والشرف. وقصر رعاية لقافية الشعر.

والمعنى: أنه ثلث بإثبات الحمد الدائم لله سبحانه لأن كل أمر لا يبدأ بحمد الله فهو ناقص الخير والبركة، كما ورد ذلك مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم.


5 - وبعد فحبل الله فينا كتابه     فجاهد به حبل العدا متحبلا



الحبل: بفتح الحاء السبب، وأطلق هنا على القرآن لأنه سبب في نجاة كل من تمسك به من أهوال الآخرة، وحبل بكسر الحاء: الداهية. والعدا: الأعداء. والمتحبل: من تحبل الصيد إذا أخذه بالحبالة وهي الشبكة.

والمعنى: بعد ما ذكرنا من اسم الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عترته وصحابته وعلى كل من تبعهم بإحسان، فحبل الله فينا كتابه القديم وكلامه الحكيم، فجاهد أيها القارئ بهذا الكتاب وبما تضمنه من أدلة وبراهين مكايد خصومه وأعدائه حال كونك متحبلا بالقرآن أي جاعله حبالة تصيدهم بها إلى الإيمان والحق.


6 - وأخلق به إذ ليس يخلق جدة     جديدا مواليه على الجد مقبلا



يقال: فلان خليق بكذا أي: جدير به، وأخلق به: فعل تعجب، أي ما أخلقه وأجدره، والضمير للقرآن. وإذ للتعليل. ويخلق بفتح الياء وضم اللام بمعنى يبلى. والجدة ضد البلى. وجديدا: من الجد بفتح الجيم وهو العظمة والعزة والشرف. والموالاة: المصافاة، فمواليه بمعنى مصافيه، والجد: بكسر الجيم ضد الهزل. والإقبال على الشيء التوجه إليه والاهتمام به، وجدة: منصوب على التمييز، وجديدا: حال من ضمير يخلق العائد على القرآن العزيز. ومواليه: مبتدأ خبره على الجد، فهي جملة مستأنفة، ويصح أن يكون مواليه مرفوعا على أنه فاعل جديدا، ومقبلا حال.

[ ص: 11 ] والمعنى: ما أجدر القرآن بالمجاهدة بأدلته وبراهينه، لأنه لا يبلى حال كونه سمي المكانة، رفيع المنزلة، وكل من والاه وصافاه فهو مستقر على الجد سائر على الحق مستقيم على الجادة حال كونه مهتما به عاملا بما اشتمل عليه.


7 - وقارئه المرضي قر مثاله     كالأترج حاليه مريحا وموكلا



قر الشيء: بمعنى استقر وثبت، والمثال: الشبيه والنظير. والأترج: فاكهة معروفة جمع أترجة. وأراح الطيب: إذا عبق ريحه، وأكل الزرع: إذا أطعم أي صار ذا طعم.

والمعنى: أن قارئ القرآن العامل به، السائر على نهجه ثبت مثاله مشبها الأترج في حاليه الإراحة والطعم، وفي البيت إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب، وطعمها طيب» [أخرجه البخاري ومسلم].


8 - هو المرتضى أما إذا كان أمة     ويممه ظل الرزانة قنقلا



المرتضى: هو المحمودة سجاياه. والأم: بفتح الهمزة وتشديد الميم: القصد.

و«الأمة» الجماعة، وتطلق على الرجل الذي اجتمع فيه صفات الخير والبر. ويممه: قصده. والرزانة: رجاحة العقل والسكينة والوقار. والقنقل: الكثيب العظيم من الرمل.

و(أما): تمييز، وكان بمعنى صار، وقنقلا: حال من الضمير المنصوب في ويممه.

والمعنى: أن قارئ القرآن مرضي قصده مخلصة نيته لأنه صار بتوجهه للقرآن وعنايته به جامعا لخصال الخير، فيكون بمثابة أمة، وقصده ظل العقل والوقار، حال كونه مشبها الجبل في السكون والتؤدة والوقار، وجعل الناظم الرزانة هي التي تقصده كأنها تفتخر به، وتتزين بأن تظله لكثرة خلال الخير فيه مبالغة في الإشادة بقارئ القرآن.


9 - هو الحر إن كان الحري حواريا     له بتحريه إلى أن تنبلا



الحر: هو الذي لم يلحقه الرق. والحري: الخليق والجديد. والحواري: بالتشديد: الصاحب المخلص، وتخفيف يائه لضرورة الشعر، والتحري: الاجتهاد في قصد الحق وطلب [ ص: 12 ] الصواب، والتنبل: الرفعة، أو الموت.

والمعنى: أن القارئ هو الحر الذي لم يستعبده الهوى، ولم تسترقه الدنيا، ولكن إذا كان خليقا جديرا بالتحري في القرآن، والاستعداد لحفظه واستظهاره، والسير على طريقته، حال كونه مخلصا له نيته موجها إليه جميع حواسه وشعوره إلى أن ينبغ في العلم أو إلى أن يموت.


10 - وإن كتاب الله أوثق شافع     وأغنى غناء واهبا متفضلا



الغناء: بفتح الغين والمد الكفاية، وهو مصدر بمعنى الفاعل أي أغنى مغن.

والمعنى: أن كتاب الله عز وجل هو الشافع الذي لا ترد شفاعته، وشفاعته للعبد تمنعه من وقوعه في العذاب بخلاف شفاعة غيره، فإنها تخرج العبد من العذاب بعد وقوعه فيه، وفي ذلك إشارة لقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا القرآن فإنه يجيء يوم القيامة شفيعا لأصحابه». ومعنى: وأغنى غناء: أن كفاية القرآن أتم من كفاية غيره، وإغناؤه أكثر من إغناء غيره حال كون القرآن واهبا لقارئه الثواب متفضلا عليه بالكرامة.


11 - وخير جليس لا يمل حديثه     وترداده يزداد فيه تجملا



الجليس: الصاحب. والملل: السآمة. والترداد: التكرار. والتجمل: تفعل من الجمال وهو الزينة. وترداد: مصدر مضاف إلى الهاء، وهي تعود على القارئ فيكون من إضافة المصدر للفاعل، أو على القرآن، فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول، وضمير يزداد يرجع للترداد، وضمير فيه، يعود على القرآن. وتجملا: مفعول ثان ليزداد، والأول محذوف والتقدير: يزداد القارئ أو القرآن تجملا.

والمعنى: أن القرآن العظيم أحسن أنيس لا يسأم من حديثه، ولا تمل تلاوته ولا سماعه. وتكراره يزيده جمالا لما يظهر من تلاوته من النور والبهجة ويزيد قارئه تجملا لما يقتبس من أخلاقه وآدابه.


12 - وحيث الفتى يرتاع في ظلماته     من القبر يلقاه سنا متهللا



[ ص: 13 ] يرتاع: يفزع. والظلمات: جمع ظلمة ضد النور. والسنا: مقصور الضوء.

والمتهلل: الباش المسرور.

والمعنى: إذا كان قارئ القرآن يخشى من أعماله السيئة المظلمة أو من ظلمات القبر، فإن القرآن يلقاه مشرقا باش الوجه، فيأنس به، ويتبدل خوفه أمنا وطمأنينة.


13 - هنالك يهنيه مقيلا وروضة     ومن أجله في ذروة العز يجتلى



هنالك: اسم إشارة للقبر، والمقيل: مكان القائلة وهي الاستراحة سواء كان فيها نوم أم لا. والروضة: الجنة المزدهرة. وذروة كل شيء: أعلاه. وذروة العز: أعلى درجات الجنة. ويجتلى: ينظر إليه بارزا، من اجتليت العروس إذا نظرت إليها بادية في زينتها. والضمير المستتر في يهنيه يعود على القرآن، والبارز يعود على القارئ. ومقيلا وروضة: حالان أو تمييزان. وضمير أجله يعود على القرآن. ويجتلى: يعود على القارئ.

والمعنى: أن القرآن الكريم يهنئ القارئ في القبر حال كون القبر مقيلا وروضة، بدفع الشر عنه وجلب الخير له. ومن أجل تلاوته القرآن يجتلى القارئ في سنام المجد والكرامة يوم القيامة.


14 - يناشد في إرضائه لحبيبه     وأجدر به سؤلا إليه موصلا



المناشدة: المبالغة في الطلب. والحبيب: فعيل بمعنى المفعول أي المحبوب. وأجدر به: صيغة تعجب، والسؤل: المسؤول، وهو المطلوب، والضمير في يناشد، يعود على القرآن، وفي إرضائه يعود على الله تعالى، وفي لحبيبه يعود على القرآن. وحبيب القرآن هو القارئ للقرآن العامل بما فيه.

والمعنى: يناشد القرآن ربه أن يعطي قارئه من الأجر والمثوبة ما تقر به عينه. وقوله: (وأجدر به سؤلا إليه موصلا): معناه ما أحق مسؤوله ومطلوبه أن يوصل إليه.


15 - فيا أيها القاري به متمسكا     مجلا له في كل حال مبجلا
16 - هنيئا مريئا والداك عليهما     ملابس أنوار من التاج والحلى



[ ص: 14 ]

17 - فما ظنكم بالنجل عند جزائه     أولئك أهل الله والصفوة الملا



الإجلال والتبجيل: معناهما التوقير والتعظيم، نادى الناظم قارئ القرآن المتمسك به، المعظم له، الواقف عند حدوده، وبشره بما تضمنته الأبيات بعده. والهنيء المريء: هو ما يستطاب من الطعام والشراب، ثم عمم بالتهنئة لكل أمر سار. وهما منصوبان على المفعولية، والتقدير: صادفت هنيئا مريئا، أو على الحال والتقدير: ثبت لك النعيم حال كونه هنيئا مريئا، أو على أنهما صفتا مصدر محذوف، والتقدير: عش عيشا هنيئا مريئا. وقوله: والداك: مبتدأ، وجملة: عليهما ملابس أنوار: خبره. والحلى: جمع حلية وهي الهيئة من التحلي الذي هو لبس الحلي. وفي قوله: والداك إلخ، إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟» [رواه أبو داود وغيره]. وقوله: (فما ظنكم بالنجل عند جزائه): النجل: النسل كالولد يقع على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. والاستفهام هنا فيه معنى التعظيم والتفخيم.

والأمر أي: ظنوا ما شئتم من الجزاء لهذا الولد الذي يكرم والداه من أجله. وفي قوله: أولئك أهل الله، إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس» قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن أهل الله وخاصته» [أخرجه البزار وابن ماجه] .

والصفوة: الخالص من كل شيء. وأشار بالصفوة إلى الخاصة المذكورة في الحديث الآنف الذكر، والملا: الأشراف والرؤساء، وهو موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: «أشراف أمتي حملة القرآن» [أخرجه أبو العلاء الهمذاني].


18 - أولو البر والإحسان والصبر والتقى     حلاهم بها جاء القرآن مفصلا



المعنى: أن أهل القرآن هم أصحاب الخير والإحسان والصبر على الطاعات. والبعد عن المحرمات، صفاتهم جاء بها القرآن مفصلا لها.


19 - عليك بها ما عشت فيها منافسا     وبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلا



[ ص: 15 ] عليك: اسم فعل أمر بمعنى الزم. والمنافسة: الحرص على الشيء والمبالغة في المزاحمة فيه. والضمير في بها: يعود على الصفات المذكورة قبلا، وفي فيها: يعود على الدنيا.

والمعنى: الزم هذه الصفات مدة حياتك منافسا فيها غيرك، وأبدل بنفسك الخسيسة، وشهوتك الحقيرة طيب أرواح الأعمال الصالحة والخلال الرفيعة.


20 - جزى الله بالخيرات عنا أئمة     لنا نقلوا القرآن عذبا وسلسلا



العذب: الماء الحلو الطيب، والسلسل: السهل الدخول في الحلق.

والمعنى: جزى الله أئمة القراءة الذين نقلوا لنا القرآن نقلا عذبا سائغا لم يزيدوا فيه كلمة أو حرفا، ولم ينقصوا منه كلمة أو حرفا، بل نقلوه بألفاظه وحروفه التي تلقوها عن غيرهم بالسند الموصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم.


21 - فمنهم بدور سبعة قد توسطت     سماء العلا والعدل زهرا وكملا



بدور: جمع بدر وهو القمر المنير في الليلة الرابعة عشرة، وتوسط السماء: بلغ وسطها. وزهرا: جمع أزهر، وهو المضيء المشرق. وكملا: جمع كامل.

والمعنى: من هؤلاء الأئمة الناقلين للقرآن سبعة رجال، وشبههم بالبدور في علو منزلتهم، وغزارة علمهم، وكثرة الانتفاع بهم.


22 - لها شهب عنها استنارت فنورت     سواد الدجى حتى تفرق وانجلى



الشهب: جمع شهاب وهو النجم المضيء. استنارت: أضاءت. فنورت: أضاءت غيرها. والدجى: جمع دجية وهي الظلمة وكنى بها عن الجهل. وتفرق: تقطع. وانجلى: انكشف.

والمعنى: أن للقراء السبعة جماعة من الرواة أشبهت الشهب في الهداية والعلو، أخذت القراءة عنهم وعلمتها الناس بعدهم فأماطت عنهم ظلمة الجهل، وألبستهم أنوار العلم.


23 - وسوف تراهم واحدا بعد واحد     مع اثنين من أصحابه متمثلا



يعني أنه يذكر البدور «الأئمة» ثم يذكر الشهب «الرواة» ويبين لكل إمام راويين [ ص: 16 ] هما أشهر من رويا عن الإمام، ثم إن من ذكرهم من الرواة على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من أخذ عن الإمام مباشرة وهم: قالون وورش عن نافع، وشعبة وحفص عن عاصم، وأبو الحارث والدوري عن الكسائي.

القسم الثاني: من بينه وبين الإمام واحد وهم: الدوري والسوسي عن اليزيدي عن أبي عمرو، وخلف وخلاد عن سليم عن حمزة.

القسم الثالث: من بينه وبين الإمام أكثر من واحد وهم: البزي وقنبل، وهشام بن ذكوان، فإن بين البزي وقنبل، وبين ابن كثير أكثر من واحد، وبين هشام وابن ذكوان، وبين ابن عامر أكثر من واحد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث