الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

اقتداء بالقرآن العظيم ، وتخلقا بأخلاق العزيز العليم ، واقتفاء للنبي الكريم ، حيث قال : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر " أي : قليل البركة ، أو معدومها ، وقيل : إنه من البتر ، وهو القطع قبل التمام والكمال ، والمراد بذي البال ذو الشأن في الحال ، أو المآل ، رواه الخطيب بهذا اللفظ في ( كتاب الجامع ) واختلف السلف الأبرار في كتابة البسملة في أول كتب الأشعار ، فمنعه الشعبي والزهري ، وأجازه سعيد بن المسيب ، واختاره الخطيب البغدادي ، والأحسن التفصيل بل هو الصحيح ، فإن الشعر حسنه حسن وقبيحه قبيح ، فيصان إيراد البسملة في الهجويات والهذيان ومدائح الظلمة ونحوها ، كما تصان في حال أكل الحرام ، وشرب الخمر ، ومواضع القاذورات وحالة المجامعة وأمثالها ، والأظهر أنه لا يكتب في أول كتب المنطق على القول بتحريم مسائلها ، وكذا في القصص الكاذبة بجميع أنواعها ، والكل مستفاد من قوله : " ذي بال " والله أعلم بحقيقة الحال ، ثم إنه ورد الحديث بلفظ : " كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " رواه أبو داود ، والنسائي في ( عمل اليوم والليلة ) . وبلفظ : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع رواه ابن ماجه ، والتوفيق بينهما أن المراد منهما الابتداء بذكر الله سواء يكون في ضمن البسملة ، أو الحمدلة ; بدليل أنه جاء في حديث رواه الرهاوي في ( أربعينه ) ، وحسنه ابن الصلاح ولفظه : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع " ، أو يحمل حديث البسملة على الابتداء الحقيقي بحيث لا يسبقه شيء ، وحديث الحمدلة على الابتداء الإضافي ، وهو ما بعد البسملة ، قيل : ولم يعكس لأن حديث البسملة أقوى في المنهال بكتاب الله الوارد على هذا المنوال ويخطر بالبال والله أعلم بالحال . إن توفيق الافتتاح بالبسملة لما كان من النعم الجزيلة ناسب أن تكون الحمدلة متأخرة عنها لتكون متضمنة للشكر على هذه المنحة الجميلة ، هذا وقد يقال : إن المراد بالابتداء افتتاح عرفي موسع ممدود يطلق على ما قبل الشروع في المقصود كما يقال : أول الليل وأول النهار وأول الوقت وأول الديار ، وحينئذ لا يرد على المصنف أنه جاء في رواية : " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة " أخرجه الرهاوي عن أبي هريرة مرفوعا ، وإن قيل بضعفه .

وجاء في رواية الترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا : " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء " على رواية ضم الخاء ، وهو الظاهر من صنيع الترمذي حيث أورده في ( باب خطبة النكاح ) ، وكذا يفهم من اعتراض الشيخ ابن حجر العسقلاني على البخاري في تركه الشهادة أول كتابه ، مع أنه قد يجاب عنه بعدم صحة الحديث عنده ، أو بأن روايته كسر الخاء لا ضمه والله أعلم .

[ ص: 4 ] ثم الباء جاء لأربعة عشر معنى ، والمناسب هاهنا منها الإلصاق ، والاستعانة ، وهي متعلقة بمقدر وأخر على المختار تحقيقا لحقيقة الابتداء ، وتعظيما للاسم الخاص عن الانتهاء ، وإفادة للاهتمام ، وإرادة لمقام الاختصاص الذي هو المرام ؛ وردا لدأب المشركين حيث كانوا يبتدئون بالأصنام ، ويفتتحون بذكر الله في بعض الكلام .

لكن قال العارف الجامي : حقيقة الابتداء باسمه سبحانه عند العارفين أن لا يذكر باللسان ، ولا يخطر بالجنان في الابتداء غير اسمه سبحانه لا إثباتا ، ولا نفيا ، فإن صورة نفي الغير ملاحظة للغير فهو أيضا ملحوظ في الابتداء ، فليس الابتداء مختصا باسمه سبحانه فلا حاجة إلى تقدير المحذوف مؤخرا إلا أن يكون اسم الله سبحانه في التقدير أيضا مقدما كما أنه في الذكر مقدم اهـ .

والمعنى باسم الله أبدأ تصنيفي ، أو ابتدائي في جميع أموري متبركا باسمه ومستعينا برسمه ، والاسم من الأسماء التي بني أوائلها على السكون ، فعند الابتداء بها يزيدون همزة الوصل ، والأصح أنه من الأسماء المحذوفة العجز كيد ودم ; بدليل تصاريفه من سميت ونحوه ، واشتقاقه من السمو ، وهو العلو ؛ لأن التسمية تنويه بالمسمى ، ورفع لقدره . وعند الكوفية أصله : وسم : وهو العلامة ; لأنه علامة دالة على المسمى فحذف حرف العلة تخفيفا ، ثم أدخلت عليه همزة الوصل ، وسقطت كتابتها في البسملة المختصة بالجلالة على خلاف رسم الخط لكثرة الاستعمال الكتبي وطولت الباء دلالة عليها قبل ذكر الاسم فرقا بين اليمين والتيمن . وقيل الاسم صلة ، وهو إن أريد به اللفظ فلا يصح القول بأنه عين المسمى ، وإن أريد به ذات الحق ، والوجود المطلق إذا اعتبر مع صفة معينة كالرحمن مثلا هو الذات الإلهية مع صفة الرحمة ، والقهار مع صفة القهر ، فهو عين المسمى بحسب التحقيق والوجود ، وإن كان غيره بحسب التعقل ، والأسماء الملفوظة هي أسماء هذه الأسماء ، والإضافة لامية ، والمراد بعض أفراده التي من جملتها الله ، والرحمن ، والرحيم ، أو يراد به هذه الأسماء بخصوصها بقرينة التصريح بها ، ويمكن أن تكون الإضافة بيانية بناء على ما تقدم ، هكذا قاله بعض المحققين .

واعلم أن هذه المسألة قد اختلف فيها على مذاهب : أحدها : أن الاسم عين المسمى ، والتسمية ، وثانيها : - وهو المنقول عن الجهمية ، والكرامية ، والمعتزلة - غيرهما . قال العلامة العز ابن جماعة : هو الحق ، وثالثها : عين المسمى وغير التسمية ، وهو المصحح عند بعض الحنفية ، وهو المراد بقول القائل : وليس الاسم غير المسمى ، ورابعها : لا عين ، ولا غير . والثالث هو المنقول عن الأشعري ، لكن في اسم الله تعالى أعني : كلمة الجلالة خاصة ; لأن مدلول هذا الاسم الذات من حيث هي بخلاف غيره ، كالعالم فمدلوله الذات باعتبار الصفة . وقد نبه الإمامان ، الرازي ، والآمدي على أنه لا يظهر في هذه المسألة ما يصلح محلا لنزاع العلماء ، والله أعلم .

وفى التعرف أجمعوا : أن الصفات ليست هي هو ، ولا غيره وأجمعوا أنها لا تتغاير ، وليس علمه قدرته ، ولا غير قدرته ، ولا قدرته علمه ، ولا غير علمه ، وكذلك جميع صفاته من السمع ، والبصر وغيرهما .

واختلفوا في الأسماء ، فقال بعضهم : أسماء الله - تعالى - ليست هي الله ، ولا غير الله كما قالوا في الصفات ، وقال بعضهم : أسماء الله هي الله ، والله أعلم .

[ ص: 5 ] ثم اعلم أنه تحير العلماء في تدقيق اسم الله كما تحير العرفاء في تحقيق مسماه ، سبحان من تحير في ذاته سواه ! فقيل : إنه عبري ; لأن أهل الكتاب كانوا يقولون : إلاها ، فحذفت العرب الألف الأخيرة للتخفيف ، كما فعلوا في النور ، والروح ، واليوم ; فإنها في اللغة العبرانية كانت نورا وروحا ويوما ، وهذا وجه من قال إنه معرب ، والحق أنه عربي ; لأن ما ذكروه من توافق اللغتين لا يدل على كون إحداهما متأخرة عن الأخرى مأخوذة عنها ، ثم اختلفوا : اسم هو أم صفة مشتقة وعليه الأكثر ، أو غير مشتق ؟ علم ، أو غير علم ؟ وما أصله على تقدير اشتقاقه ؟ ! ومختار صاحب ( الكشاف ) أنه كان في الأصل اسم جنس ، ثم صار علما وأن أصله الإله وأنه مشتق من أله بمعنى : تحير فالله متحير فيه ; لأنهم لا يحيطون به علما .

وحكى سيبويه والمبرد عن الخليل أن الله : اسم خاص علم لله غير مشتق من شيء وليس بصفة ، فعلى هذا يكون جامعا لأسمائه ونعوته وصفاته ، وقيل : إنه مأخوذ من ألهت إلى فلان إذا فزعت إليه عند الشدائد قال :


ألهت إليكم في بلايا تنوبني فألفيتكم فيها كريما ممجدا



فإن الخلق يفزعون إليه عند الشدائد . أو من أنه الفصيل ، والفصيل : ولد الناقة إذا ولع بأمه ; لأن العباد يولهون به وبذكره . وقيل : من تألهت أي : تضرعت فالإله هو الذي يتضرع إليه .

وقيل : من قولهم لاه يلوه لوها ولاها إذا احتجب وارتفع قال :


لاه ربي عن الخلائق طرا     فهو الله لا يرى ويرى هو

.

وقيل : من ألهت بالمكان إذا قمت به ومعناه الذي لا يتغير عن صفته كما أن المقيم لا يتحول عن بقعته ، ومنه قول الشاعر :


ألهنا بدار لا تبين رسومها     كأن بقاياها وشام على الأيدي



وقيل : الإله أصله ولاه ، فهو من الوله كما قيل في أسادة وأشاح وأجوه : وسادة ووشاح ووجوه ، ومعناه أن العباد يولهون عند ذكر الإله أي : يطربون منه ، ومنه قول الكميت :


ولهت نفسي الطروب إليكم     ولها حال دون طعم الطعام



وقيل : الوله : المحبة الشديدة . وقيل : مشتق من أنه بمعنى عبد ، فالإله : فعال بمعنى المعبود كالكتاب بمعنى المكتوب ، ويدل عليه قراءة ابن عباس : ( ويذرك وإلاهتك ) أي : عبادتك . قال سيبويه : الأصل في قولنا : الله إله فلما حذفت همزته عوضت في أوله الألف واللام ، ثم عوضا لازما فقيل : الله . وقال المبرد : الأصل في لاه لوه على وزن دور فقلبوا الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار : لاه - على وزن دار - ثم أدخلوا عليه لام التعريف .

وقال أبو الهيثم الرازي : الأصل في الله هو الإله خففت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها ، وحذفت فصارت : اللاه ، ثم أجريت الحركة العارضة مجرى الأصلية ، وأدغمت اللام الأولى في الثانية ، قيل : هاهنا إشكال صرفي ، وهو أنه إن نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها أولا على ما هو القياس ، ثم حذفت فيلزم أن يكون وجوب الإدغام غير قياسي ، لما تقرر في محله من أن المثلين المتحركين لا يجب فيهما الإدغام إذا كانا من كلمتين نحو : ما سلككم ، ومناسككم ، وإن حذفت الهمزة مع حركتها فيلزم مخالفة القياس في تخفيفها ، وإن كان لزوم الإدغام على القياس ، ومن ثم قيل : هذا الاسم خارج عن مقتضى القياس كما أن مسماه خارج عن دائرة قياس الناس ، وأجيب باختيار الأول ، ومنع كون الإدغام في كلمتين بأنه لما جعل اللام عوضا عن الهمزة وصار بمنزلتها ، صار كأنه في كلمة واحدة على أنه يجوز أن يكون وجوب الإدغام بعد العلمية فيكون الاجتماع في [ ص: 6 ] كلمة واحدة قطعا ، قلت : التحقيق أنه كما أن النقل فيه قياس غير مطرد فكذلك الإدغام في كلمتين ، ويكفي جوازه ، ولا يحتاج إلى وجوبه ، مع أن الإدغام في كلمتين اتفق عليه القراء في قوله : ( لا تأمنا ) . والحق أنه نظير قوله تعالى : ( لكنا هو الله ربي ) فإن الأصل : لكن أنا ، فحولوا الفتحة إلى ما قبلها من النون فاجتمعت نونان متحركتان ، فأسكنوا الأولى وأدغموها في الثانية ، وهذا القول محكي عن الفراء . وقيل : الأصل فيه هاء الكناية عن الغائب ; وذلك أنهم أثبتوا موجودا في نظر عقولهم وأشاروا إليه بحرف الكناية ، ثم زادوا فيه لام الملك ; لما علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار ( له ) ، ثم قصروا الهاء وأشبعوا فتحة اللام فصار : ( لاه ) ، وخرج عن معنى الإضافة إلى الاسم المفرد ; فزيدت فيه الألف واللام للتعريف تعظيما وفخموه تأكيدا لهذا المعنى ، فصار ( الله ) كما ترى ، وهذا أقرب بإشارات الصوفية من تحقيق اللغة العربية ، وقيل : ليس هو بمشتق بل هو علم ابتداء لذاته المخصوصة من غير ملاحظة معنى من المعاني المذكورة ، ويلائم هذا المذهب ما ذكره بعض العارفين من أنه اسم للذات الإلهية من حيث هي على الإطلاق ، لا باعتبار اتصافها بالصفات ، ولا باعتبار لا اتصافها بها ، ولذا قال الجمهور : إنه الاسم الأعظم . قال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني : الاسم الأعظم هو الله ، لكن بشرط أن تقول : الله ، وليس في قلبك سواه ، وقد خص هذا الاسم بخواص لا توجد في غيره كما ذكره أهل العربية منها : أنه تنسب سائر الأسماء إليه ، ولا ينسب هو إلى شيء منها ، ومنها : أنه لم يسم به أحد من الخلق بخلاف سائر الأسماء . ومنها : أنهم حذفوا لفظة ياء من أوله وزادوا ميما في آخره فقالوا : اللهم ، ولم يفعل ذلك لغيره . ومنها : أنهم ألزموه الألف واللام عوضا لازما عن همزته ، ولم يفعل ذلك في غيره . ومنها : أنهم قالوا : يا ألله فقطعوا همزته . ومنها : أنهم جمعوا بين يا التي للنداء وبين الألف واللام ولم يفعل ذلك في غيره حال سعة الكلام . ومنها : تخصيصهم إياه في القسم بإدخال ( التاء وايمن وايم ) في قولهم : تالله ، وايمن الله ، وايم الله .

ومنها : تفخيم لامه إذا انفتح ما قبله ، أو انضم ; سنة ورثتها العرب كابرا عن كابر وتواتر النقل عن القراء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة .

و ( الرحمن ) : فعلان ، من رحم كغضبان من غضب على أنه صفة مشبهة بجعل الفعل المتعدي لازما ، فينقل إلى فعل بضم العين فيشتق منه الصفة المشبهة . وأما ( الرحيم ) : فإن جعل صيغة مبالغة كما نص عليه سيبويه في قولهم : هو رحيم فلا إشكال ، وإن جعل من الصفات المشبهة كما يشعر به كلام ( الكشاف ) فالوجه ما ذكر في الرحمن ثم في الرحمن زيادة مبالغة من الرحيم ; لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، وهي إما بحسب شموله للدارين واختصاص الرحيم بالدنيا كما وقع في بعض الآثار : ( يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ) ، وإما بحسب كثرة أفراد المرحومين وقلتها كما ورد : ( يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ) وإما بحسب جلالة النعم ودقتها . وبالجملة : ففي الرحمن مبالغة في معنى الرحمة ليست في الرحيم فيقصد به رحمة زائدة بوجه ما ، فلا ينافي ما يروى عن قولهم : ( يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ) لجواز حملهما على الجلائل والدقائق . وقيل : رحمة الرحمن تتعلق بالمؤمن والكافر في الدنيا ورحمة الرحيم تختص بالمؤمنين في العقبى ، ولا يجوز إطلاق الرحمن على غيره تعالى بخلاف الرحيم ، قال تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) ولذا قيل : الرحمن : خاص اللفظ عام المعنى ، والرحيم : عام اللفظ خاص المعنى ، ثم الرحمة في اللغة : رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان ، وهي من الكيفيات التابعة للمزاج ، والله سبحانه منزه عنها ، فإطلاقها عليه سبحانه إنما هو باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي من الانفعالات ، فهي [ ص: 7 ] عبارة عن الإنعام فتكون من صفات الأفعال ، أو عن إرادة الإحسان فتكون من صفات الذات ، فإن كل واحد منهما مسبب عن رقة القلب والانعطاف ; فتكون مجازا مرسلا من باب إطلاق السبب على المسبب ، وقدم الرحمن على الرحيم مع أن القياس الترقي في الصفات من الأدنى إلى الأعلى بناء على أن الرحيم كالتتمة والرديف للرحمن ، أو لزيادة شبهه بالله حيث اختص به سبحانه حتى قيل : إنه علم له ، أو لتقدم رحمة الدنيا ، وفي الاكتفاء بهاتين الصفتين من صفات الجمال وعدم ذكر صفة من صفات الجلال إشعار بقوله تعالى في الحديث القدسي : " غلبت رحمتي غضبي " وفي الختم بالرحيم إيماء بحسن خاتمة المؤمنين ، وأن العاقبة للمتقين بعد حصول رحمته لعموم الخلق أجمعين .

( الحمد لله ) : قيل : الحمد ، والمدح ، والشكر ألفاظ مترادفة ، والمحققون بينها يفرقون ويقولون : إن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري من نعمة وغيرها ، والمدح يعم الاختياري وغيره ، ولذا يقال : مدحته على حسنه ، ولا يقال : حمدته عليه ، والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بمقابلة النعمة سواء يكون باللسان ، أو الجنان ، أو الأركان ، فمورد الحمد خاص ومتعلقه عام ، والشكر بخلافه ، وحقيقة الشكر ما روي عن الجنيد أنه صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله ، ورفعه بالابتداء وخبره لله ، وأصله النصب وقرئ به ، وإنما عدل به إلى الرفع دلالة على الدوام والثبات ، وقرئ بإتباع الدال اللام وبالعكس تنزيلا لهما لكثرة استعمالهما معا منزلة كلمة واحدة ، ثم الجملة خبرية لفظا إنشائية معنى ; لتسمية قائلها بها حامدا ولو كانت خبرية معنى لم يسم إلا مخبرا ، ومعلوم أنه لا يشتق للمخبر اسم فاعل من ذلك الشيء إذ لا يقال لمن قال : الضرب مؤلم : ضارب ، فإن قيل : جاز أن يعد الشرع المخبر بثبوت الحمد له تعالى حامدا أجيب : فإنه خلاف الأصل ، والأصل عدمه . واللام للاستغراق أي : كل حمد صدر من كل حامد ، فهو ثابت لله ، أو للجنس ، ويستفاد العموم من لام الاختصاص . وعلى التقديرين : فجميع أفراد الحمد مختص له تعالى حقيقة وإن كان قد يوجد بعضها لغيره صورة ، أو الحمد مصدر بمعنى الفاعل ، أو المفعول أي : الحامدية ، والمحمودية ثابتان له تعالى ، فهو الحامد ، وهو المحمود ، أو للعهد فإن حمده لائق له ، ولذا أظهر العجز أحمد الخلق عن حمده وقال : ( لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) .

( نحمده ) : استئناف فأولا : أثبت الحمد له بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام ، سواء حمد ، أو لم يحمد ، فهو إخبار متضمن للإنشاء . وثانيا : أخبر عن حمده وحمد غيره معه بالجملة الفعلية التي للتجدد والحدوث بحسب تجدد النعماء وتعدد الآلاء وحدوثها في الآناء ، أو المراد نشكره إما مطلقا ، أو على توفيق الحمد سابقا . ( ونستعينه ) أي : في الحمد وغيره من الأمور الدنيوية ، أو الأخروية ، فيكون تبريا من الحول والقوة النفسية ، وفيه إشارة إلى رد القدرية كما أن فيما قبله ردا على الجبرية ، ولم يقل : وإياه نستعين ; لأن مقام الاختصاص لا يدركه إلا الخواص ، ولذا قال ابن دينار : لولا وجوب قراءة الفاتحة لما قرأتها لعدم صدقي فيها .

( ونستغفره ) أي : من السيئات ، والتقصيرات ولو في الحمد والاستعانة وسائر العبادات ( ونعوذ بالله ) أي : نلتجئ ونعتصم بعونه وحفظه ( من شرور أنفسنا ) أي : من ظهور السيئات الباطنية التي جبلت الأنفس عليها [ ص: 8 ] قيل : منها الحمد مع الرياء ، والسمعة وكذا مع إثبات الحول ، والقوة ( ومن سيئات أعمالنا ) أي : من مباشرة الأعمال السيئة الظاهرة التي تنشأ عنها ، وفيه اعتراف بأن البواطن والظواهر مملوءة من العيوب ومحشوة من الذنوب ، ولذا قيل : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب . قيل : منها التصنيف بلا إخلاص وعدم رؤية التوفيق والاختصاص ، ولولا حفظه تعالى مع توفيقه لما استقام أحد على طريقه ، لولا الله ما اهتدينا ، ولا تصدقنا ولا صلينا ( من يهده الله ) أي : من يرد الله هدايته الموصلة إليه وعنايته المقربة لديه . ( فلا مضل له ) أي : فلا أحد يقدر على إضلاله من المضلين من شياطين الإنس ، والجن أجمعين ، ( ومن يضلل ) أي : من يرد الله جهالته وعن الوصول إلى الحق ضلالته ( فلا هادي له ) أي : فلا أحد يقدر على هدايته من الهادين من الأنبياء ، والمرسلين . قال الله تعالى : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) وفيه إيذان بأن الأمر كله لله وليس لما سواه إلا ما قدر به وقضاه من الكسب والاختيار ، وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ولظهور قصور عقولنا الفانية عن إدراك أسرار الحكم البالغة الباقية ، قال علي - كرم الله وجهه - : " لا يظهر سر القضاء والقدر إلا يوم القيامة " . ثم اعلم أن الضمير البارز ثابت في ( يهده ) ، وأما في ( يضلل ) فغير موجود في أكثر النسخ ، وهو عمل بالجائزين ، والأول أصل وفيه وصل ، والثاني فرع وفيه فصل ، وفيه نكتة أخرى لا تخفى على أرباب الصفا ( وأشهد ) أي : أعلم وأبين ( أن لا إله ) أي : معبود ، أو لا مقصود ، أو لا موجود في نظر أرباب الشهود ( إلا الله ) أي : الذات الواجب الوجود صاحب الكرم والجود . قال الطيبي : أفرد الضمير في مقام التوحيد ؛ لأنه إسقاط الحدوث وإثبات القدم ، فأشار أولا إلى التفرقة وثانيا إلى الجمع اهـ .

وقد يقال : إن الأفعال المتقدمة أمور ظاهرية يحكم بوجودها على الغير أيضا بخلاف الشهادة فإنه أمر قلبي غيبي لا يعلم بحقيقته إلا هو ( شهادة ) : مفعول مطلق موصوف بقوله : ( تكون ) أي : بخلوصها ( للنجاة ) أي : الخلاص من العذاب في الدارين على تقدير الاكتفاء بها ( وسيلة ) أي : سببا لا علة ( ولرفع الدرجات ) أي : العاليات في الجنات الباقيات ( كفيلة ) أي : متضمنة ملتزمة . والمعنى : أن الشهادة إذا تكررت وأنتجت ارتكاب الأعمال الصالحة واجتناب الأفعال الطالحة ، صارت سببا لعلو الدرجات ، وكانت مانعة عن الوقوع في الدركات ، وبما قررناه اندفع ما يرد على المصنف من أن دخول الجنة بالإيمان ورفع الدرجات بالأعمال ، ولكون التوفيق على هذا السبب من فضله لا ينافي قوله - عليه الصلاة والسلام - : " لن ينجى منكم أحد بعمله " . ( وأشهد أن محمدا ) : هو في الأصل اسم مفعول من حمد مبالغة حمد نقل من الوصفية إلى الاسمية ، سمي به ، والأسماء تنزل من السماء لوصوله إلى المقام المحمود الذي يحمده الأولون ، والآخرون ( عبده ) : إضافة تشريف وتخصيص إشارة إلى كمال مرتبته في مقام العبودية بالقيام في أداء حق الربوبية ; وقدمه ؛ لأنه أشرف أوصافه [ ص: 9 ] وأعلاها وأفضلها وأغلاها ، ولذا ذكره الله تعالى بهذا الوصف في كثير من المواضع فقال : ( سبحان الذي أسرى بعبده ) ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ولله در القائل :


لا تدعني إلا بيا عبدها     فإنه أشرف أسمائيا



وما أحسن قول القاضي عياض :


ومما زادني عجبا وتيها     وكدت بأخمصي أطأ الثريا


دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيرت أحمد لي نبيا



( ورسوله ) : إشارة إلى أن أعلى مراتب القرب ، وأولى منازل الحب ، وهو الفرد الأكمل ، والواصل إلى المقام الأفضل ، وفي الجمع بين الوصفين تعريض للنصارى حيث غلوا في دينهم ، وأطروا في مدح نبيهم . ثم قيل : النبي ، والرسول مترادفان ، والأصح : أن النبي إنسان ذكر حر من بني آدم ، أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه ، فإن أمر به فرسول أيضا ، الثاني أعم من الأول ، فكل رسول نبي ، ولا عكس ، وذكر الأخص في هذا المقام أنص على معنى المرام . ( الذي بعثه ) أي : الله ، كما في نسخة أي : أرسله إلى الثقلين . وقيل : إلى الملائكة أيضا .

وقيل : إلى سائر الحيوانات . وقيل : إلى جميع المخلوقات كما يدل عليه خبر مسلم ( وأرسلت إلى الخلق كافة ) . ( وطرق الإيمان ) : من الأنبياء ، والكتب ، والعلماء . ( قد عفت آثارها ) أي : اندرست أخبارها ، والجملة حالية ، والمعنى : أن الله تعالى أرسله وأظهره في حال كمال احتياج الناس إليه - عليه الصلاة والسلام - ; فإنهم كانوا في غاية من الضلالة وغاية من الجهالة ; إذ لم يكن حينئذ على وجه الأرض من يعرفها إلا أفراد من أتباع عيسى - عليه الصلاة والسلام - استوطنوا زوايا الخمول ورءوس الجبال ، وآثروا الوحدة ، والأفول عن الخلق بالاعتزال . ( وخبت أنوارها ) أي : خفيت وانطفأت بحيث لا يمكن اقتباس العلم المشبه بالنور في كمال الظهور . ( ووهت ) أي : ضعفت حتى انعدمت ( أركانها ) : من أساس التوحيد ، والنبوة ، والإيمان بالبعث ، والقيامة . وقيل : المراد الصلوات ، والزكوات ، وسائر العبادات . ( وجهل ) : بصيغة المجهول ( مكانها ) : مبالغة في ظهور ظلمة الجهل ، وغلبة الفسق ، وكثرة الظلم ، وقلة العدل ( فشيد ) أي : رفع وأعلى وأظهر ، وقوى بما أعطيه من العلوم ، والمعارف التي لم يؤتها أحد مثله فيما مضى . ( صلوات الله ) أي : أنواع رحمته ، وأصناف عنايته نازلة ( عليه ) ، وفائضة لديه ، ومتوجهة إليه . وفي نسخة منسوبة إلى السيد عفيف الدين : زيادة . ( وسلامه عليه ) : يعني جنس السلامة من كل آفة في الدارين ، وهي جملة معترضة إخبارية ، أو دعائية ، وهي الأظهر ( من معالمها ) جمع المعلم ، وهو العلامة ( ما عفا ) : ما : موصولة ، أو موصوفة مفعول شيد ، ومن : بيانية متقدمة . والمعنى : أظهر ، وبين ما اندرس ، وخفي من آثار طرق الإيمان ، وعلامات أسباب العرفان ، والإيقان ، ( وشفى ) : عطف على شيد ( من العلل ) : بيان مقدم لمن رعاية للسجع ( في تأييد التوحيد ) أي : تأكيده ، وتقويته ، ونصرته ، وإعانته متعلق [ ص: 10 ] بشفى ، ومفعوله قوله : ( من كان على شفا ) أي : وخلص من كان قريبا من الوقوع في حفرة الجحيم ، والسقوط في بئر الحميم إشارة إلى قوله تعالى : ( وكنتم على شفا ) أي : طرف ( حفرة من النار فأنقذكم منها ) وقيل : من للتبعيض أي : أبرأ من جملة المعلولين من كان على إشراف من الهلاك ، إيماء إلى أنه طبيب العيوب ، وحبيب القلوب . وفي الكلام صنعة جناس : وهو تشابه الكلمتين لفظا ، وصنعة طباق : وهو الجمع بين الضدين في الجملة ، وأغرب السيد جمال الدين حيث قال : والعليل بعين مهملة في أصل سماعنا ، وجميع النسخ الحاضرة ، ويجوز أن يقرأ بغين معجمة ، ويكون من الغل بمعنى الحقد ، ووجه غرابته : إما لفظا : فلفوت المناسبة بين الشفاء ، والعلة ، وإما معنى : فلذهاب عموم العلل المستفاد من جنس العليل واقتصاره على علة الحقد فقط مع عدم ملاءمته للمقام ( وأوضح سبيل الهداية ) أي : بين ، وعين طريق الاهتداء إلى المطلوب ، وسبيل الوصول إلى المحبوب . ( لمن أراد أن يسلكها ) : والسبيل يذكر ، ويؤنث أي : لمن طلب ، وشاء من نفسه أن يدخل فيها ، وإرادة العبد تابعة لإرادة الله تعالى ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله ( وأظهر كنوز السعادة ) أي : المعنوية ، وهي المعارف ، والعلوم ، والأعمال العلية ، والأخلاق ، والشمائل ، والأحوال البهية المؤدية إلى الكنوز الأبدية ، والخزائن السرمدية . ( لمن قصد أن يملكها ) أي : بملكة يتوصل بها إلى ملكها ، ويتوسل بها إلى ملكها قال تعالى : ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما ) أي : كثيرا ( وملكا كبيرا ) وفي قوله أراد وقصد إشارة إلى ما قال بعض المشايخ لا بد من السعي ، ولا يحصل بالسعي ، ووجه التخصيص أنهم المنتفعون بالإيضاح ، والإظهار كقوله تعالى : ( هدى للمتقين ) ثم قيل : يرد عليه بناء على النسخة المشهورة في الاكتفاء بالصلاة دون السلام - ما نقله النووي عن العلماء من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر ، لكن يحتمل أن محل الكراهة فيمن اتخذه عادة ، وهو ظاهر ، أو يحمل على أنه جمع بينهما بلسانه ، واقتصر على كتابة أحدهما ، وهذا بعيد ، أو الكراهة بمعنى خلاف الأولى لإطلاقها عليه كثيرا ، وهو الأولى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث