الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث أبي مسعود الأنصاري في إمامة جبريل للنبي في الأوقات الخمس

2 [ ص: 172 ] بسم الله الرحمن الرحيم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .

1 - كتاب وقوت الصلاة ( 1 ) باب وقوت الصلاة

[ ص: 173 ] 1 - مالك عن ابن شهاب ، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما ، فدخل عليه عروة بن الزبير ، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما ، وهو بالكوفة ، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري ، فقال : ما هذا يا مغيرة ؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم صلى ، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : بهذا أمرت ؟ فقال عمر بن عبد العزيز : اعلم ما تحدث به يا عروة ، أوإن جبريل هو الذي أقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت الصلاة ؟ قال عروة : كذلك كان بشير بن أبي مسعود الأنصاري ، يحدث عن أبيه .

[ ص: 174 ] 2 - قال عروة ولقد حدثتني عائشة ، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها ، قبل أن تظهر .

التالي السابق


26 - قال أبو عمر : هذا الحديث متصل ، صحيح ، مسند عند جماعة أهل العلم بالنقل .

27 - وقد ذكرنا في كتاب " التمهيد " أن ( أن ) في هذا الموضع كعن ، وأن السند المعنعن محمول على الاتصال حتى يبين الانقطاع ، وقد بان [ ص: 175 ] في هذا الحديث اتصاله لمجالسة بعض رواته بعضا .

28 - وقد ذكرنا مشاهدة ابن شهاب للقصة عند عمر بن عبد العزيز مع عروة بن الزبير ، في هذا الحديث من أصحاب ابن شهاب : معمر بن راشد ، والليث بن سعد ، وسفيان بن عيينة ، وشعيب بن أبي حمزة ، وابن جريج .

29 - وقد ذكرنا أحاديثهم ورواياتهم عن ابن شهاب - كما وصفت لك - في كتاب " التمهيد " وفي روايتهم عن ابن شهاب أن الصلاة التي أخرها عمر بن عبد العزيز هي صلاة العصر ، وأن الصلاة التي أخرها المغيرة هي تلك أيضا .

[ ص: 176 ] 30 - وليس في روايتهم لهذا الحديث أكثر من أن جبريل صلى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس صلوات في أوقاتهن على ما في ظاهر حديث مالك أيضا .

31 - وليس في شيء من رواية هؤلاء عن ابن شهاب ما يدل أن جبريل صلى برسول الله مرتين ، كل صلاة في وقتين ، فتكون عشر صلوات كما في سائر الآثار المروية في إمامة جبريل .

32 - وفي حديث معمر ، وابن جريج ، عن ابن شهاب في الحديث : أن الناس صلوا خلف رسول الله حين صلى به جبريل .

33 - وقد روي ذلك من غير حديث ابن شهاب من وجوه .

34 - وأما ابن أبي ذئب ففي روايته لهذا الحديث عن ابن شهاب بإسناده أنه صلى به مرتين في يومين على مثل ما ذكر عن ابن شهاب ، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عمر بن عبد العزيز .

35 - وقد ذكرت هناك الاختلاف في وقت الإسراء وكيف كان فرض الصلاة حينئذ .

[ ص: 177 ] 36 - ولم تختلف الآثار ، ولا اختلف أهل العلم بالخبر والسير أن الصلاة إنما فرضت على النبي - عليه السلام - بمكة حين أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السماء ، ثم أتاه جبريل من الغد ، فصلى به الصلوات لأوقاتها ; إلا أنهم اختلفوا في هيئتها حين فرضت .

37 - فروي عن عائشة أنها فرضت ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر ، فأكملت أربعا .

38 - ومن رواة حديثنا هذا من يقول : زيد فيها بالمدينة ، وأقرت صلاة السفر على ركعتين .

39 - وبذلك قال الشعبي ، والحسن البصري ، في رواية ، وميمون بن مهران ، ومحمد بن إسحاق .

40 - وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين .

[ ص: 178 ] 41 - وقال نافع بن جبير بن مطعم - وكان أحد علماء قريش بالنسب ، وأيام العرب ، والفقه ، وهو راوية من رواة ابن عباس ، وهو يروي عنه إمامة جبريل بالنبي - عليه السلام - أن الصلاة فرضت في أول ما فرضت أربعا إلا المغرب ، فإنها فرضت ثلاثا ، والصبح ركعتين .

[ ص: 179 ] 42 - وكذلك قال الحسن البصري في رواية ، وهو قول ابن جريج .

43 - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس بن مالك القشيري ما يدل على ذلك وهو قوله : إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة .

44 - ووضع لا يكون إلا من تمام قبله .

45 - وفي حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عمر بن الخطاب قال : فرضت الصلاة في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين .

46 - وقد ذكرنا هذا الخبر في باب قصر الصلاة ، وذكرنا علة إسناده وهو حديث حسن .

47 - فدل هذا كله على أن القصر كان من أربع إلى اثنتين ، وعلى أن الأصل كان أربعا لا ركعتين ، والله أعلم .

[ ص: 180 ] 48 - فإن قيل : إن حديث عائشة صحيح من جهة النقل ، وهو أصح إسنادا من حديث القشيري وغيره ، وأصح من حديث ابن عباس ; فالجواب أنا لا حاجة بنا إلى أصل الفرض إلا من طريق القصر . ولا وجه لقول من قال : إن حديث عائشة يعارضه قول الله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) النساء : 101 . وقد أجمع العلماء أنه لا يكون القصر من ركعتين في شيء من السفر في الأمن ؛ لأن حديث عائشة قد أوضح أن الصلاة زيد فيها في الحضر .

49 - ومعلوم أن الفرض فيها كان بمكة والزيادة كانت بالمدينة ، وأن سورة النساء متأخرة ، فلم يكن القصر مباحا إلا بعد تمام الفرض ، وذلك يعود إلى معنى واحد في أن القصر إنما ورد بعد تمام الصلاة أربعا . ولا حاجة إلى أصل الفرض اليوم ؛ لأن الإجماع منعقد بأن صلاة الحضر تامة غير مقصورة ، وبالله التوفيق .

50 - وقد أوضحنا هذا المعنى في حديث مالك ، عن صالح بن كيسان في باب قصر الصلاة من هذا الكتاب ، والحمد لله .

51 - وقد مضى في " التمهيد " أيضا اختلافهم فيما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستقبل في صلاته وهو بمكة ، وذلك على قولين عن السلف مرويين :

52 - ( أحدهما ) أنه كان يستقبل بمكة الكعبة لصلاته على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل ، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ستة عشر ، أو سبعة عشر شهرا ، ثم وجهه الله إلى الكعبة .

53 - وهذا أصح القولين عندي ؛ لما حدثناه سعيد بن نصر ، وأحمد بن قاسم ، وعبد الوارث بن سفيان قالوا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن [ ص: 181 ] إسماعيل الترمذي قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : كان أول ما نسخ الله من القرآن : القبلة ، وذلك أن النبي - عليه السلام - لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله بضعة عشر شهرا . وكان - عليه السلام - يحب قبلة إبراهيم ، وكان يدعو الله وينظر إليها ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ) إلى قوله : ( فولوا وجوهكم شطره ) البقرة : 144 ، يعني نحوه ، فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ فأنزل الله تعالى : ( قل لله المشرق والمغرب ) البقرة : 142 ، وقال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) البقرة : 115 وقال تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) البقرة 143 .

54 - قال ابن عباس : ليميز أهل اليقين من أهل الشك والريبة .

55 - وقال تعالى : ( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) البقرة : 143 ، يعني تحويلها على أهل الشك ، لا على الخاشعين يعني المصدقين بما أنزل الله .

[ ص: 182 ] 56 - وحدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد المؤمن قال : حدثنا أحمد بن سليمان الحداد ببغداد قال : حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال : حدثنا أحمد بن محمد قال : حدثنا آدم بن أبي إياس قال : حدثنا جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله - عز وجل - : ( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ) البقرة : 144 : يعلمون أن الكعبة المسجد الحرام كانت قبلة إبراهيم والأنبياء - عليهم السلام - ولكنهم تركوها عمدا .

57 - وقوله : ( وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ) البقرة : 146 : يكتمون صفة محمد - عليه السلام - ويكتمون أن الكعبة البيت الحرام .

[ ص: 183 ] 58 - ثم قال لنبيه - عليه السلام - : ( فلا تكونن من الممترين ) البقرة : 147 يقول : لا تكن في شك يا محمد أن الكعبة قبلتك ، وكانت قبلة الأنبياء قبلك .

59 - وبهذا الإسناد عن أبي العالية أن موسى - عليه السلام - كان يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام ، وكانت الكعبة قبلته ، وكانت الصخرة بين يديه ، فقال اليهود : بي ، بيننا وبينك مسجد صالح النبي - عليه السلام .

60 - فقال له أبو العالية : فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة .

61 - قال الربيع : وأخبرني أبو العالية أنه رأى مسجد ذي القرنين ، وقبلته الكعبة .

62 - ولم يختلفوا في أنه استقبل في حين قدومه المدينة بيت المقدس ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا .

63 - وقد ذكرنا اختلافهم في تاريخ صرف القبلة هناك أيضا ، ويأتي ذلك مجودا في موضعه في هذا الكتاب ، عند قول سعيد بن المسيب : وصرفت القبلة قبل بدر بشهرين ، إن شاء الله .

64 - حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال : حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى قال : حدثنا أحمد بن زياد الأعرابي قال : حدثنا أحمد بن عبد الله [ ص: 184 ] العطاردي قال : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : ثم إن جبريل أتى النبي - عليه السلام - حين افترضت الصلاة عليه فهمز له بعقبه في ناحية الوادي ، فانفجرت له عين ماء ، فتوضأ جبريل ومحمد ينظر : فوضأ وجهه ، واستنشق ، ومضمض ، ومسح برأسه وأذنيه ، وغسل يديه إلى المرفقين ، ورجليه إلى الكعبين ، ونضح فرجه ، ثم قام فصلى ركعتين وأربع سجدات .

65 - وهذا إنما أخذه ابن إسحاق - والله أعلم - من حديث زيد بن حارثة .

66 - وهو حديث حدثناه أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا الحسن بن موسى قال : حدثنا عبد الله بن لهيعة قال : حدثنا عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن أسامة بن زيد ، عن أبيه زيد بن حارثة " أن النبي - عليه السلام - في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل فعلمه الوضوء ، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه " .

67 - ومعنى قوله : في أول ما أوحي إليه ، أي أوحي إليه في الصلاة .

68 - وهذا يدل على أنه لم يصل صلاة قط بغير طهور .

69 - ولهذا قال مالك في حديثه عن عبد الرحمن بن القاسم حديث عقد [ ص: 185 ] عائشة حين فقدوا الشمس وهم على غير ماء ، فنزلت آية التيمم ، ولم يقل : فنزلت آية الوضوء .

70 - وآية الوضوء وإن كانت مدنية فإنما كان سبب نزولها التيمم .

71 - وسنوضح هذا المعنى في موضعه في هذا الكتاب ، إن شاء الله .

72 - ويدل على صحة قول من قال : فنزلت آية التيمم ، ولم يقل نزلت آية الوضوء فرارا من أن تكون صلاته - عليه السلام - بغير وضوء مع حديث زيد بن حارثة .

73 - وهو معنى قول ابن إسحاق مع ما ثبت عنه - عليه السلام - من نقل الآحاد العدول في ذلك - قوله : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول " .

74 - حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن يوسف قال : حدثنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف بمكة قال : حدثنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الترمذي قال : حدثنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن مصعب بن سعد ، [ ص: 186 ] عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - عليه السلام - قال : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول " .

75 - وذكرنا في التمهيد كيف كان وجه تأخير بني أمية للصلاة ، وذكرنا الخبر بذلك مسندا وغير مسند من وجوه شتى ، ونذكر هاهنا طرفا من ذلك بعون الله تعالى .

76 - حدثنا خلف بن قاسم الحافظ قال : حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن راشد بدمشق قال : حدثنا أبو زرعة الدمشقي قال : حدثنا أبو مسهر قال : حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال : كانوا يؤخرون الصلاة في أيام الوليد بن عبد الملك ، ويستحلفون الناس أنهم ما صلوا فأتي عبد الله بن أبي زكريا فاستحلف أنه ما صلى ، فحلف ما صلى ، وقد كان صلى ، وأتي مكحول فقيل له ، فقال : فلم جئنا إذا ؟ فذكر سنيد : حدثنا أبو معاوية ، عن محمد بن إسماعيل قال : رأيت سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح - وأخر الوليد بن عبد الملك الصلاة - فرأيتهما يومئان في وقت الصلاة ، ثم جلسنا حتى صليا معه .

77 - وذكر ابن أبي شيبة : حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن حسن بن صالح عن إبراهيم بن مهاجر قال : كان الحجاج يؤخر الجمعة ، فكنت أصلي أنا وإبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير الظهر ، ثم نتحدث وهو يخطب ، ثم نصلي ونجعلها نافلة .

78 - قال : وحدثنا محمد بن عبيد ، عن الزبرقان قال : قلت لشقيق : إن الحجاج يميت الجمعة قال : تكتم علي ؟ قلت : نعم . قال : صلها في بيتك لوقتها ، ولا تدع الجماعة .

[ ص: 187 ] 79 - قال : وحدثنا إسماعيل بن عتبة ، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين قال : أطال بعض الأمراء الخطبة فنكأت يدي حتى أدميتها ، ثم قمت وخرجت وأخذتني السياط ، فمضيت .

80 - وقد ذكرنا في " التمهيد " أن الوليد بن عقبة ، وزيادا ، وغيرهما أخروها قبل .

81 - حدثنا سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، وأحمد بن زهير قالا : حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال : حدثنا أبو هاشم الزعفراني عمار بن عمارة قال : حدثني صالح بن عبيد ، عن قبيصة بن وقاص قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة ، فهي لكم ، وهي عليهم ، فصلوا معهم ما صلوا إلى القبلة " .

82 - حدثنا أحمد بن محمد قال : حدثنا أحمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جرير قال : حدثنا محمد بن سعيد قال : حدثنا محمد بن عمر قال : حدثنا ابن أبي سبرة ، عن المنذر بن عبد قال : ولى عمر بن عبد العزيز بعد صلاة الجمعة ، فأنكرت حاله في العصر .

83 - وقد أوضحنا جهل عمر بن عبد العزيز ، والمغيرة بن شعبة لنزول جبريل - بمواقيت الصلاة في كتاب " التمهيد " وأنهما إنما جهلا من ذلك نزول جبريل بفرض أوقات الصلوات ، وكانوا يعتقدون ذلك من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 188 ] لأن القرآن ليس فيه آية مفصحة بذلك ترفع الإشكال ، ولو كانت فيه آية تتلى ما جهلها عمر بن عبد العزيز ولا مثله من العلماء .

84 - وقد جاز على كثير منهم جهل كثير من السنن الواردة على ألسنة خاصة العلماء .

85 - ولا أعلم أحدا من الصحابة إلا وقد شذ عنه بين علم الخاصة واردة بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره ، وذلك على من بعدهم أجوز ، والإحاطة ممتنعة على كل أحد .

86 - وفي هذا الحديث دليل على أن وقت الصلاة من فرائضها ، وأنها لا تجزئ قبل وقتها . وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري ، وعن بعض التابعين ، وقد انعقد الإجماع على خلافه ، فلم نر لذكره وجها ; لأنه لا يصح عندي عنهم . وقد صح عن أبي موسى خلافه بما يوافق الجماعة فصار اتفاقا صحيحا .

87 - والوقت أول فرائض الصلاة ; لأنه لا يلزم الوضوء لها إلا بعد دخول وقتها ، والمتوضئ قبل الوقت متبرع مبادر إلى فضل ، ومتأهب لفرض .

88 - ومن الدليل أيضا على أن الأوقات أيضا من فرائض الصلوات مع ما ذكرنا من حديث الباب والإجماع - قول الله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " ( الإسراء : 78 ) .

89 - قال مالك : أوقات الصلاة في كتاب الله قوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " يعني ( الظهر والعصر ) " إلى غسق الليل " يعني المغرب والعشاء ، ( وقرءان الفجر ) يعني صلاة الفجر .

90 - وقد قال ذلك قبله جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم : ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وغيرهم .

[ ص: 189 ] 91 - وروي عن ابن عباس أيضا وطائفة أنهم قالوا : أوقات الصلوات في كتاب الله تعالى قوله : " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " ( الروم : 17 ) . ( فحين تمسون ) : المغرب والعشاء ، و ( حين تصبحون ) : الصبح " وعشيا " ( الروم : 18 ) : العصر ، ( وحين تظهرون ) : الظهر .

92 - ثم قال : " ومن بعد صلاة العشاء " ( النور : 58 ) .

93 - وهذا كله قد جاء عن السلف ، وليس فيه ما يقطع به ، ولا يعتمد عليه ؛ لأن التسبيح إذا أطلق عليه فإنما يراد به الذكر : قول ( سبحان الله ) وهي كلمة تنزيه الله - تبارك اسمه - عن كل ما نزه عنه نفسه .

94 - وكذلك ظاهر قوله : " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " ( الإسراء : 78 ) لو تركنا وظاهر هذا القول لوجبت الصلاة من الزوال عند من جعل دلوكها زوالها إلى غسق الليل ، فليس في محكم القرآن في أوقات الصلوات شيء واضح يعتمد عليه .

95 - وأصبح ذلك نزول جبريل - عليه السلام - بأوقات الصلوات مفسرة ، وهي في الكتاب مجملة .

96 - وكذلك الصلاة والزكاة مجملات أوضحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبينها ، كما أمره الله بقوله : " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " ( النمل : 44 ) .

97 - فبينها - عليه السلام - بالقول والعمل ، فمن بيانه - عليه السلام - ما نقله الآحاد العدول ، ومنها ما أجمع عليه السلف والخلف ، فقطع العذر ، ومنها ما اختلفوا فيه .

98 - ونحن ذاكرون ما وصل إلينا علمه من إجماعهم في مواقيت الصلاة ، وما اختلفوا فيه من ذلك بعون الله لا شريك له .

[ ص: 190 ] 99 - أجمع علماء المسلمين أن أول وقت صلاة الظهر زوال الشمس عن كبد السماء ووسط القبلة إذا استوقن ذلك في الأرض بالتفقد والتأمل ، وذلك ابتداء زيادة الظل بعد تناهي نقصانه في الشتاء والصيف ، وإن كان الظل مخالفا في الصيف له في الشتاء ، فإذا تبين زوال الشمس بما ذكرنا أو بغيره فقد دخل وقت الظهر .

100 - هذا ما لم يختلف فيه العلماء : أن زوال الشمس وقت الظهر ، وذلك تفسير لقوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " ( الإسراء : 78 ) ودلوكها ميلها عند أكثر أهل العلم ، ومنهم من قال : دلوكها : غروبها ، واللغة محتملة للقولين ، والأول أكثر .

101 - وكان مالك يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروها بعد الزوال حتى يكون الفيء ذراعا ، على ما كتب به عمر إلى عماله وذلك عند مالك فيما روى عنه ابن القاسم صيفا وشتاء .

102 - وروى غيره عن مالك أن أحب الأمر إليه في أوقات الصلوات : البدار إليها في أوائل أوقاتها إلا الظهر في شدة الحر ، فإنه يبرد بها .

103 - قال أبو الفرج : قال مالك : أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر .

[ ص: 191 ] 104 - وفي كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري : أن صل الظهر إذا زاغت الشمس .

105 - وسنبين معنى الحديثين عن عمر بعد إن شاء الله .

106 - واختلفوا في آخر وقت الظهر ، فقال مالك وأصحابه : آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الغدو الذي زالت عليه الشمس ، وهو أول وقت العصر .

107 - وبذلك قال ابن المبارك وجماعة .

108 - واستحب مالك لمساجد الجماعات أن يؤخروا العصر بعد هذا المقدار قليلا .

109 - وهذا كله آخر الوقت المختار ، وكذلك هو ما دامت الشمس بيضاء نقية لأهل الرفاهية ، وأما أهل الضرورات ومن لهم الاشتراك في الأوقات فسيأتي ذكر حكمهم في موضعه إن شاء الله .

110 - وفي الأحاديث الواردة بإمامة جبريل ما يوضح لك أن ( آخر ) وقت الظهر هو أول وقت العصر ؛ لأنه صلى بالنبي - عليهما السلام - الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس .

[ ص: 192 ] 111 - وقال الشافعي ، وأبو ثور ، وداود : آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله ، إلا أن بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فاصلة ، وهي أن يزيد الظل أدنى زيادة على المثل .

112 - وحجتهم حديث أبي قتادة عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " ليس التفريط في النوم ، إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى " .

113 - وهذا عندهم فيما عدا الصبح للإجماع في الصبح أنها يخرج وقتها بطلوع الشمس . فإن لم يدخل وقت الأخرى فلا .

114 - ومن حجتهم أيضا حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " وقت الظهر ما لم يدخل وقت العصر " .

115 - وقد ذكرنا حديث أبي قتادة ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص من طرق في كتاب " التمهيد " .

[ ص: 193 ] 116 - وقال الثوري ، والحسن بن صالح ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، ومحمد بن جرير الطبري : آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله ، ثم يدخل وقت العصر .

117 - ولم يذكروا فاصلة ، إلا أن قولهم : ثم يدخل وقت العصر يقتضي الفاصلة .

118 - وقال أبو حنيفة : آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثليه ، فخالف الآثار والناس ، لقوله بالمثلين في آخر وقت الظهر ، وخالفه أصحابه في ذلك .

119 - وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة : أنه قال : آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله ، مثل قول الجماعة . ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه .

120 - فترك بين الظهر والعصر وقتا مفردا لا يصلح لأحدهما ، وهذا لم يتابع عليه أيضا .

121 - وأما أول وقت العصر فقد تبين من قول مالك ما ذكرنا فيه ، ومن قول الشافعي ومن تابعه على ما وصفناه ، ومن قول سائر العلماء أيضا في مراعاة الميل من الظل ما قد بيناه ، وهو كله معنى متقارب .

[ ص: 194 ] 122 - وقال أبو حنيفة : أول وقت العصر من حين يصير الظل مثلين .

123 - وهذا خلاف الآثار ، وخلاف الجمهور ، وهو قول - عند الفقهاء من أصحابه وغيرهم - مهجور .



124 - واختلفوا في آخر وقت العصر ، فقال مالك : آخر وقت العصر أن يكون ظل كل شيء مثليه بعد القدر الذي زالت الشمس عليه .

125 - وهذا عندنا محمول من قوله على الاختيار ، وما دامت الشمس بيضاء نقية فهو وقت مختار أيضا لصلاة العصر عنده وعند سائر العلماء .

126 - وأجمع العلماء أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية لم تدخلها صفرة فقد صلاها في وقتها المختار ، وفي ذلك دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب .

127 - قال ابن عبد الحكم عن مالك في آخر وقت العصر : أن يكون ظل كل شيء مثليه بعد القدر الذي زالت عليه الشمس .

128 - وقال محمد ابنه : القامتان في وقت العصر مذكورتان عن النبي - عليه السلام - وعن بعض الصحابة .

129 - قال : وهو قول مالك وأصحابه ، وبه نأخذ .

130 - وفي المدونة قال ابن القاسم : لم يكن مالك يذكر القامتين في وقت العصر ، ولكنه كان يقول : والشمس بيضاء نقية .

[ ص: 195 ] 131 - وقال ابن القاسم ، عن مالك : آخر وقت العصر اصفرار الشمس .

132 - وقال ابن وهب ، عن مالك : الظهر والعصر آخر وقتهما غروب الشمس .

133 - وهذا كله لأهل الضرورات : كالحائض ، والمغمى عليه ، ومن يعيد في الوقت .

134 - وقال الثوري : إن صلاها ولم تتغير الشمس فقد أجزأه ، وأحب إلي أن يصليها إذا كان ظله مثله إلى أن يكون ظله مثليه .

135 - وقال الشافعي : أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شيء مثله بشيء ما كان ، ومن أخر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف ، أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته وقت الاختيار ، ولا يجوز أن يقال : فاته وقت العصر مطلقا كما جاز على الذي أخر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله .

136 - قال : وإنما قلت ذلك لحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " .

[ ص: 196 ] 137 - وحجة من ذهب إلى هذا المعنى الأحاديث في إمامة جبريل ، مع حديث العلاء ، عن أنس ، وحديث أبي هريرة هذا .

138 - وعلى هذا التأويل تستعمل الأحاديث كلها ، ومذهب مالك يدل أيضا على ذلك .

139 - وقال أبو يوسف ، ومحمد : وقت العصر إذا كان ظل كل شيء قامته فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس .

140 - وقال أبو ثور : أول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال ، وزاد على الظل زيادة تتبين إلى أن تصفر الشمس .

141 - وقول أحمد بن حنبل : آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس .

142 - وقال إسحاق بن راهويه : آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب .

143 - وهو قول داود لكل الناس : معذور وغير معذور ، صاحب ضرورة وصاحب رفاهية ، إلا أن الأفضل غيره .

144 - وعند إسحاق بن راهويه أيضا : أول الوقت .

[ ص: 197 ] 145 - وقال الأوزاعي : إن ركع ركعة قبل غروبها ، وركعة بعد غروبها فقد أدركها .

146 - وحجته حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " .

147 - واختلفوا في آخر وقت المغرب بعد إجماعهم على أن وقتها غروب الشمس .

148 - فالظاهر من قول مالك أن وقتها وقت واحد عند مغيب الشمس ، وبهذا تواترت الروايات عنه .

149 - إلا أنه قال في " الموطأ " : " فإذا غاب الشفق فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء " .

150 - وبهذا قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وابن حي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود ، والطبري ، كل هؤلاء يقولون : آخر وقت المغرب مغيب الشفق ، والشفق عندهم الحمرة .

151 - وحجتهم في ذلك حديث أبي موسى الأشعري ، ومثله حديث بريدة الأسلمي أن رسول الله - عليه السلام - صلاها عند سؤال السائل عن مواقيت الصلوات فلم يرد عليه شيئا ، وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يعرف بعضهم بعضا ، ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس ، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول : طلعت الشمس أو كادت ، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من [ ص: 198 ] العصر ، ثم أخر العصر حتى خرج منها والقائل يقول : احمرت الشمس ، ثم أخر المغرب حتى كان سقوط الشفق ، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل ، ثم أصبح فدعا السائل فقال له : الوقت فيما بين هذين .

152 - وقد ذكرنا إسناد الحديث ، وحديث بريدة وغيرهما بهذا المعنى في التمهيد .

153 - قالوا : وهذه الآثار أولى من آثار إمامة جبريل ; لأنها متأخرة بالمدينة ، وإمامة جبريل كانت بمكة ، والآخر من فعله أولى ; لأنه زيادة على الأول .

154 - واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وفيه : " ووقت المغرب ما لم يسقط الشفق " .

155 - وحديث أبي بصرة الغفاري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صلى العصر قال : " لا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد " .

[ ص: 199 ] 156 - والشاهد : النجم .

157 - وحديث عائشة وأنس بن مالك عن النبي - عليه السلام - : إذا حضرت العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء .

158 - وكل ذلك يدل على سعة الوقت ، وقد قرأ فيها بالطور وبالصافات والأعراف .

159 - وقد ذكرنا الآثار بها كلها في " التمهيد " .

160 - وقال الشافعي في وقت المغرب قولين : [ ص: 200 ] 161 - ( أحدهما ) أنه ممدود إلى مغيب الشفق كما نزع إليه مالك في " الموطأ " .

162 - ( والآخر ) - وهو المشهور عنه - أن وقتها واحد لا وقت لها غيره في الاختيار ، وذلك حين تجب الشمس .

163 - قال : وذلك بين في إمامة جبريل .

164 - قال : ولو جاز أن تقاس المواقيت لقيل : لا تفوت حتى يدخل أول وقت العشاء ; قبل أن يصلي منها ركعة كما قال في العصر ، ولكن المواقيت لا تؤخذ قياسا .

165 - وقال الثوري : وقت المغرب إذا غربت الشمس ، فإن حبسك عذر فأخرتها إلى أن يغيب الشفق في السفر فلا بأس بها ، وكانوا يكرهون تأخيرها .

167 - قال أبو عمر : المشهور من مذهب مالك ما ذهب إليه الشافعي والثوري في وقت المغرب .

167 - والحجة لهم أن كل حديث ذكرناه في " التمهيد " في إمامة جبريل - على تواترها - لم تختلف في أن للمغرب وقتا واحدا .

168 - وقد روي مثل ذلك عن النبي - عليه السلام - من حديث أبي هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكلهم صحبه بالمدينة ، [ ص: 201 ] وحكي عنه صلاته بها ، وأنه لم يصل المغرب في الوقتين ، لكن في وقت واحد ، وسائر الصلوات في وقتين .

169 - على أن مثل هذا يؤخذ عملا ؛ لأنه لا يغفل عنه ، ولا يجوز جهله ولا نسيانه .

170 - وقد حكى محمد بن خويزمنداد البصري المالكي في كتابه في " الخلاف " : أن الأمصار كلها بأسرها لم يزل المسلمون فيها على تعجيل المغرب والمبادرة إليها في حين غروب الشمس ، ولا نعلم أحدا من المسلمين أخر إقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس .

171 - وفي هذا ما يكفي مع العمل بالمدينة في تعجيلها ، ولو كان وقتها واسعا لعمل المسلمون فيها كعملهم في العشاء الآخرة وسائر الصلوات من أذان واحد من المؤذنين بعد ذلك ، وغير ذلك مما يحملهم عليه اتساع الوقت .

[ ص: 202 ] 172 - وفي هذا كله دليل على أن النبي - عليه السلام - لم يزل يصليها وقتا واحدا إلى أن مات - عليه السلام .

173 - ولو وسع لهم لاتسعوا ؛ لأن شأن العلماء الأخذ بالتوسعة .

174 - وهذا كله على وقت الاختيار والترغيب في هذه الصلاة ، فالبدار إلى الوقت المختار .

175 - وقد زدنا هذا المعنى بيانا في " التمهيد " وذكرنا الآثار المسندة بهذا المعنى هناك أيضا ، والحمد لله .



176 - وأجمعوا على أن وقت العشاء الآخرة للمقيم مغيب الشفق الذي هو الحمرة ، هذا قول مالك ، والشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، وأكثر العلماء في الشفق .

177 - وقال أحمد بن حنبل : أما في الحضر فأحب إلي ألا يصلي حتى يذهب البياض ، وأما في السفر فيجزئه أن يصلي إذا ذهبت الحمرة .

178 - واختلفوا في آخر وقتها ، فالمشهور من مذهب مالك في آخر وقت العشاء في السفر والحضر لغير أصحاب الضرورات ثلث الليل ، ويستحب لأهل مساجد الجماعات ألا يعجلوا بها في أول وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس ، وتأخيرها قليلا أفضل عنده .

179 - وقد روي عنه ما قدمناه : أن أوائل الأوقات أحب إليه في كل صلاة إلا في الظهر في شدة الحر ، فإنها يبرد بها .

180 - وأما رواية ابن وهب ، عن مالك قال : وقتها من حين يغيب الشفق إلى أن يطلع الفجر - فإنما ذلك لمن له الاشتراك من أهل الضرورات .

[ ص: 203 ] 181 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : المستحب في وقتها إلى ثلث الليل ، ويكره تأخيرها إلى بعد نصف الليل ، ولا تفوت إلا بطلوع الفجر .

182 - وقال الشافعي : آخر وقتها أن يمضي ثلث الليل ، فإذا مضى ثلث الليل فلا أراها إلا فائتة ، يعني وقتها المختار ؛ لأنه ممن يقول بالاشتراك لأهل الضرورات .

183 - وقال أبو ثور : وقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل .

184 - وقال داود : وقتها من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر .

185 - قال أبو عمر : في أحاديث إمامة جبريل من رواية ابن عباس وجابر - ثلث الليل .

186 - وكذلك في حديث أبي موسى بالمدينة للسائل .

187 - وفي حديث أبي مسعود الأنصاري ، وحديث أبي هريرة - : ساعة من الليل .

188 - وفي حديث عبد الله بن عمر : ونصف الليل .

189 - وحديث علي مثله .

190 - وحديث ابن عمر مثله .

191 - وكلها مسندة . وقد ذكرتها في كتاب " التمهيد " بأسانيدها .

[ ص: 204 ] 192 - وروى أبو سعيد الخدري ، وأبو هريرة عن النبي - عليه السلام - قال : " لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل " .

182 - وفي حديث أبي هريرة : إلى ثلث الليل .

183 - وهذا يحتمل الوجهين ; لأنه يدل على أن الاختيار التعجيل خوف المشقة .



184 - وأجمعوا على أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر وانصداعه ، وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي في آخر الليل ، وهو الفجر الثاني الذي ينتشر ويظهر ، وأن آخر وقتها طلوع الشمس .

195 - إلا أن ابن القاسم روى عن مالك : آخر وقتها الإسفار .

196 - وكذلك حكى عنه ابن عبد الحكم : أن آخر وقتها : الإسفار الأعلى .

197 - وقال ابن وهب : آخر وقتها طلوع الشمس .

198 - وهو قول الثوري والجماعة ، إلا أن منهم من شرط إدراك ركعة منها قبل الطلوع على حسب ما مضى في العصر .

199 - قال الشافعي : لا تفوت صلاة الصبح حتى تطلع الشمس قبل أن يدرك منها ركعة بسجودها ، فمن لم تكمل له ركعة قبل طلوع الشمس فقد فاتته .

[ ص: 205 ] 200 - وهو قول أبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، والطبري ، وأبي عبيد .

201 - وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم يفسدون صلاة من طلعت عليه الشمس وهو يصليها ، وسيأتي ذكر حجتهم ، والحجة عليهم في حديث زيد بن أسلم .

202 - وأما قول عروة : " ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر - فمعناه عندهم : قبل أن يظهر الظل على الجدار ، يريد قبل أن يرتفع ظل حجرتها على جدرها .

203 - وكل شيء علا شيئا فقد ظهر عليه قال : الله تعالى : " فما اسطاعوا أن يظهروه " ( الكهف : 97 ) أي يعلوا عليه .

204 - وقال النابغة الجعدي : بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا أي مرتقى وعلوا .

205 - وقيل : معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها .

206 - وكل شيء خرج أيضا فقد ظهر ، والحجرة : الدار ، وكل ما أحاط به حائط فهو حجرة .

[ ص: 206 ] 207 - وفي الحديث دليل على قصر بنيانهم وحيطانهم ؛ لأن الحديث إنما قصد به تعجيل العصر ، وذلك إنما يكون مع قصر الحيطان .

208 - وإنما أراد عروة بذلك ليعلم عمر بن عبد العزيز عن عائشة : أن النبي كان يصلي العصر قبل الوقت الذي أخرها إليه عمر .

209 - وقد ذكرنا في كتاب " التمهيد " عن الحسن البصري قال : كنت أدخل بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا محتلم فأنال سقفها بيدي ، وذلك في خلافةعثمان .

210 - وقال الأوزاعي : كان عمر بن عبد العزيز يصلي الظهر في الساعة الثامنة ، والعصر في الساعة العاشرة حين يدخل ، حدثني بذلك عاصم بن رجاء بن حيوة .

211 - قال أبو عمر : هذه حاله إذ صار خليفة ، وحسبك به اجتهادا في خلافته .

212 - روى الليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها " .

213 - ورواه ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس في حجرتي بيضاء نقية ، لم يظهر الفيء بعد " .

[ ص: 207 ] 214 - وفي رواية معمر لهذا الحديث عن ابن شهاب قال : قال عمر لعروة : انظر ما تقول يا عروة ! أوأن جبريل هو سن وقت الصلاة ؟ فقال له عروة : كذلك حدثني بشير بن أبي مسعود الأنصاري ، فما زال عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .

215 - وقد روي أنه ولى بعد الجمعة ، فأنكرت حاله في العصر .

216 - وفيه دليل على قبول خبر الواحد ; لأن عمر قبل خبر عروة وحده فيما جهل من أمر دينه - وهذا منا على التنبيه ، فإن قبول خبر الواحد مستفيض عند الناس ، مستعمل لا على سبيل الحجة ؛ لأنا لا نقول : إن خبر الواحد حجة في قبول خبر الواحد على من أنكره .

217 - وقد أفردنا للحجة في خبر الواحد كتابا ، والحمد لله ، وفيه ما كان عليه العلماء من صحبة الأمراء .

218 - وكان عمر بن عبد العزيز يصحبه جماعة من العلماء منهم : رجاء بن حيوة ، وابن شهاب ، وعروة ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وأخلق بالأمير إذا صحب العلماء أن يكون عدلا فاضلا .

219 - وروى حماد بن زيد ، عن محمد بن الزبير قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز فسألني عن الحسن كما يسأل الرجل عن ولده ، فقال : كيف طعمته ؟ وهل رأيته يدخل على عدي بن أرطاة ؟ وأين مجلسه منه ؟ وهل رأيته يطعم عند عدي ؟ قلت : نعم .

220 - وقد أوضحنا هذا المعنى في كتاب " جامع العلم وفضله " وما ينبغي في روايته وحمله .

[ ص: 208 ] 221 - كانوا يقولون : خير الأمراء من صحب العلماء ، وشر العلماء من صحب الأمراء ; إلا من قال بالحق ، وأمر بالمعروف ، وأعان الضعيف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث